معارك فتاة سورية للتحرر من جسد الرجل الذي ولدت فيه

معارك فتاة سورية للتحرر من جسد الرجل الذي ولدت فيه

تطل عبر شاشة الكومبيوتر وهي تشرب القهوة في منزل يطغى عليه الطابع الأوروبي. شقراء ذات عينين زرقاوين واسعتين. يلف حديثها هالة من السكينة تكاد تنسيكم المعارك القاسية التي خاضتها زيفا غوراني ذات الـ27 عاماً لتصبح هذه المرأة.

فقد ولدت غوراني فتاة في جسد ولد.

يعتبر الجسد الجزء الثابت والمطلق من الهوية، إلا أن هذه الرؤية أمست خاضعة لاختراقات حققتها مكتسبات الحرية الشخصية والعلم، للأنساق الاجتماعية في مناطق حساسة من المجتمعات الغربية.

أما فيما يخص المجتمعات الشرقية والإسلامية، وتحديداً المجتمع السوري، فإن القضية تعد مجالاً واسعاً لممارسة العنف والاضطهاد الناتج عن مخالفة العُرف والعادات. وهو ما حصل مع زيفا.

الطفولة

تقول أنها نشأت كطفل يغريه ألعاب الفتيات الصغيرات وثيابهن، ويجد متعته في قضاء وقته معهن.

حالة من الفوضى والخوف عاشتها في طفولتها أمام أهلها وأقرانها، كان شعور عائلتها باختلاف طفلهم يشكل قلقاً لما قد يعانيه من موقف متطرف من البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها.

في تلك المرحلة، بدأ اغتراب غوراني عن جسدها، ما شكل فيما بعد هاجساً لازمها إلى حين اتخاذ قرار القيام بعملية العبور الجنسي.

2

مخاطر عدة منعتها من اتخاذ قرارها في البدء، كانعدام الأمان المجتمعي والحرب التي تعيشها معظم المناطق السورية وغياب الحريات الشخصية والاجتماعية، إضافة لسيطرة فصائل إسلامية وعسكرية على المناطق الكردية الشمالية التي عاشت غوراني في إحدى مدنها.

حواجز عسكرية والعنف القائم على الجنس

تتحفظ غوراني حول ذكر اسمها الذكوري القديم واسم مدينتها، خوفاً من إنعاش الذاكرة الجمعية للأهالي، وتعرض عائلتها لمضايقات لم تسلم هي منها.

هنا تذكر حادثة جرت معها قبل قيامها بعملية التحول الجنسي، خلال عبورها حواجز عسكرية شمالي سوريا أثناء سفرها من دمشق.

صوت غوراني المختلف عن صوت الذكور ومظهرها الأنثوي، جعلاها عرضةً للتحرش الجنسي من قبل عناصر الحواجز العسكرية.

كان التحرش العامل المشترك بين حواجز النظام السوري والفصائل الإسلامية والجيش الحر وكذلك تنظيم داعش. ورغم أن هويتها الجنسية في تلك الفترة حيرتهم، بحسب وصفها، فقد أثارت غرائزهم.

"أولئك هم أنفسهم من ينظرون بكره وعنصرية لمن يختلف عنهم جنسياً، ويحاكمون الخارج عن عاداتهم وتقاليدهم"، تقول غوراني.

العابرون جنسياً

في مركز الصحة النفسية بمدينة غازي عينتاب التركية، يعرف الطبيب النفسي جلال نوفل في حديثه لرصيف22 العابرون جنسياً بأنهم أشخاص يعانون اضطراباً في الهوية الجنسية، إذ خلقوا بجسد يختلف عن مشاعرهم وأحساسيهم وأفكارهم وقناعتهم بأنهم جنس مختلف عما هم عليه.

والحل برأيه هو إيجاد انسجام بين الجسد وبين ما يشعر به صاحبه.

ويضيف نوفل أن معاناة العابرين جنسياً، قد تصل لحد التفكير بالانتحار، وبعضهم يعيش عزلة قاسية جراء عدم تقبل المجتمع لهويتهم الحقيقية ومعاملتهم كأشخاص طبيعيين. ويجدون صعوبة في تحقيق التوازن بين نمط الحياة المطلوب منهم والجنس الذي ينتمون له وجدانياً.

أقوال جاهزة

شارك غردالعابرون جنسياً يعانون اضطراباً في الهوية الجنسية، إذ خلقوا بجسد يختلف عن مشاعرهم وأحساسيهم

شارك غردبعد أنهاء ثورتها على جسدها والمجتمع بات عليها مجابهة العنصرية ضد المرأة والمتحولين جنسياً ومحاربة التحرش الجنسي

 

ويوضح أن بعض العابرين جنسياً يلجؤون إلى حرق النفس، أي إنهاك أنفسهم بالعمل للابتعاد عن التفكير بمعاناتهم.

وحول ذاكرة العابرين جنسياً، يقول نوفل: "إن إعادة التأهيل لدورهم الجديد يساعد على التأقلم مع الذاكرة وهي غالباً ذاكرة تعرض صاحبها لضغوط نفسية وإزعاج، وتحتاج هذه الذاكرة لنوع معين من العلاج النفسي للتعامل معها".

علاقة متناقضة بين الجسد والدماغ

شخّص الطب حالة غوراني على حد قولها بوجود تناقض بين جسدها الذكوري ودماغها الأنثوي، وتسمى علمياً "الجندرديسفوريا".

وبعد فشل تجارب الطب في تغيير الإحساس الصادر عن مركز الهوية في المخ، كان الحل الأمثل القيام بعملية التصحيح الجنسي. وقد خضعت غوراني لتقييم نفسي قبل بدء عملية التحول الجنسي، إذ تتبع دول مثل تركيا ولبنان هذه الإجراءات.

رغم تشخيص الطب لحالة المتحولين جنسياً، فإن الصورة النمطية عنهم لم تزل سائدة. وهو ما يزعج غوراني، إذ ترى أن الإعلام يصورهم وكأنهم كائنات خالية من الحياة والأحلام، ولا يشغلهم سوى الجنس والعناية بالشكل،

وتعلق غوراني بانفعال على نظرة المجتمع للمتحولين جنسياً قائلة: "يكفي ما نعيشه من معاناة داخلية مع أنفسنا، حتى نتعرض لمعاناة سببها المجتمع والأهل والدين. لا أريد الصراخ على المجتمع، بل أريده أن يتقبلنا كأشخاص طبيعيين وليس كمرضى".

التحول وسط التطرف

مقابل العنف الجنسي والاضطهاد اللذين واجهتهما غوراني قبل مرحلة التحول، لاقت أيضاً دعماً من أصدقائها وزملائها في إحدى المنظمات الدولية التي كانت تعمل فيها. إلا أن ذلك لم يمنع وصول تهديدات لها من أفراد متطرفين إسلامياً كما تقول.

وتضيف أنها بدأت عملية التحول الجنسي في تركيا، قبل أن تضطر لمغادرتها إلى إحدى الدول الأوربية إثر التهديدات المستمرة ولإتمام العملية هناك.

1

مع تحقيق التطابق بين الجسد والحالة النفسية وإنهاء ثورتها على جسدها والمجتمع كما تحب غوراني أن تصف حالتها، تقف الآن في دائرة رسمتها الأنظمة الإجتماعية للمرأة، وبات عليها مجابهة العنصرية ضد المرأة والمتحولين جنسياً من دون نسيان قضية التحرش الجنسي الذي لم ينته.

البحث عن حياة طبيعية

لا تعيش غوراني حالة قطع مع ذاكرتها وحياتها القديمة، عندما كان جسدها مختلفاً عن داخلها الأنثوي، وهي الآن تحاول أن تعيش حياة كانت محرومة منها في السابق.

الحب والاستقرار والعمل في طليعة اهتماماتها، إلا أن العلاقات العاطفية بحاجة للتروي بسبب جذب حالتها الراغبين في إقامة علاقات مؤقتة، والباحثين عن التجارب الجديدة.

تستيقظ غوراني في منزلها الجديد في مدينة تورنتو الكندية كأثنى كاملة. فقد لجأت إلى كندا بعد تقديمها طلب لجوء إنساني لمفوضية الأمم المتحدة في تركيا، يشرح الخطر الذي يهدد حياتها نتيجة لهويتها الجنسية.

تفاصيل صغيرة تفصلها عن عالم الأنوثة الكاملة، وتجعل حياتها بحسب قولها مازحة أسهل، كانعدام الدورة الشهرية وما يرافقها من ألم وتقلب في المزاج أو آلام الحمل والمخاض. فجهاز التناسل الأنثوي المسؤول عن إفراز هرمون الإستروجين الذي يعطي الهوية الجنسية غير موجود لديها.

"هورمون الإستروجين الأنثوي منخفض في جسدي وأعوضه بالهرمونات التي وصفها الطبيب لي، إلا أنني أعيش مراهقتي الحقيقة الآن"، تقول غوراني.

موضوع تأسيس عائلة والإنجاب حلم يراودها، لكنه يبقى رهناً بما قد يحققه العلم من تطورات في هذا المجال، بعدما أصبح قادراً على تغيير أكثر المواضيع جدلاً في حياة الإنسان وهو الجسد.

سامر قطريب

صحافي سوري مقيم في تركيا. خريج كلية الإعلام في جامعة دمشق. عمل مراسلاً في بيروت وتركيا لعدد من وسائل الإعلام السورية ويعمل حالياً في وسائل إعلام عربية.

التعليقات

المقال التالي