مذيعو الشوارع أم مذيعو التوك شو... من الأكثر صدقاً معكم؟

مذيعو الشوارع أم مذيعو التوك شو... من الأكثر صدقاً معكم؟

في أحد شوارع القاهرة، وقفت سارة فؤاد تحمل مايكروفوناً أمام كاميرا المصور الذي يعمل معها، في أبريل العام الماضي، لتناقش واحدة من أكثر الأزمات المعاصرة التي يعيشها المجتمع المصري، وباتت تقلق السلطات السياسية والدينية: أزمة الطلاق. تطرقت خصوصاً إلى مسألة الطلاق المبكر الذي وصل إلى 20% من نسبة الزواج بين سن 22 و 35 في مصر. وطرحت فؤاد سؤالها على المارة: "لماذا تتطلق الفتيات الصغيرات؟ وهل من الممكن أن تتزوج مطلقة؟"، ليبدأ المارة بطرح وجهة نظرهم وشرح الأسباب التي تؤدي إلى الطلاق في المجتمع المصري، في فيديو صغير حقق أكثر من مليون مشاهدة على يوتيوب.

فيديو آخر لسارة فؤاد في ديسمبر الماضي، مع رجل مسن يبكي بسبب ارتفاع الأسعار، واضطراره لترك زوجته بعد زواج 30 عاماً، قبل أن تدخل سيدة أخرى أمام الكاميرا وتوجه الشتائم للمذيعة، تتهمها بمحاولة تخريب البلد، وبأنها تختار أشخاصاً "ما بتفهمش". أثار هذا الفيديو جدلاً واسعاً، وكشف مدى التباين الكبير بين مذيعي القنوات والمؤسسات الإعلامية، وبين المذيعين الجدد، الذين باتوا يلمسون عن قرب مشكلات المجتمع، ويجعلون من المواطن مصدراً للتعبير عن المشكلة.

 

سارة فؤاد واحدة من عشرات المنتمين لهذه الموجة الجديدة من الإعلاميين، التي باتت تفرض نفسها في بعض الدول العربية خلال الأعوام الأخيرة. هذه الموجة أطلقت على نفسها اسم "مذيعو الشارع"، نظراً لجعلها الشارع "استوديو التصوير"، والمار العادي "الضيف"، فيترك المذيع الميكروفون للمواطن ليتحدث في النقطة المطروحة بحرية.

17966557_10156195641248782_4176970199336765010_o سارة فؤاد

 

وعلى عكس مذيعي القنوات والمؤسسات الإعلامية التقليدية "برامج التوك شو"، الذين يدافعون باستماتة عن سياسات الأنظمة أو ينتقدونها لأغراض نابعة من سياسات المؤسسات التي يعملون لصالحها. اتخذ هؤلاء المذيعون من موقع "يوتيوب"، ومواقع التواصل الاجتماعي، مصدراً للرواج وتحقيق النجاح، معتمدين على مادة مقدمة أقرب للمواطن وتحمل روح السخرية كوسيلة للتعبير عن مشكلاته الاجتماعية والنفسية، وهذا ما يساعد على انتشارها.

فكرة الموضوع

يعتمد مذيع الشارع في الأساس على فكرة يستقيها من الحياة اليومية أو الأحداث المشتعلة حوله، التي تشغل الرأي العام. ويبدأ بطرح الاسئلة على المارة، تاركاً لهم المجال للتحدث والتعبير عن وجهة نظرهم بحرية تامة ومن دون تدخل.

"فكرة حلقة مذيع الشارع تعتمد بشكل عام على ردود أفعال الناس"، يشرح الشاذلي محمد، أحد مقدمي برنامج "أصحى للكلام"، الذي بات يذاع على موقع "صدى البلد" الإخباري. ويضيف: "ننزل إلى الشارع، ونتحدث مع الناس ونعرف آراءهم حول موضوع معين، أو أزمة أو قضية اجتماعية وسياسية، مثل التعليم أو ارتفاع الأسعار وغيرهما".

أقوال جاهزة

شارك غردبرامج التوك شو لا تناقش المشكلات الحقيقية للشارع بل يحاول مذيعوها تجميل الشارع لخدمة سياسة مؤسستهم

شارك غرديرجع نجاح مذيعي الشوارع إلى 3 أسباب: الفكاهة والمشكلات المعاصرة التي يطرحونها وجمهور الانترنت المستهدف

يحاول مذيع الشارع تقديم أسئلة بسيطة، تحمل نوعاً من السخرية والفكاهة، للكشف عن نقاط الأزمات، لا سيما في مجال التعليم والصحة والوضع الاقتصادي.

ففي فيديو لأحمد رأفت، يحمل عنوان "اختبار الطالب الجامعي... محدش عارف حاجة"، حاول إظهار مدى تذكر طلاب الجامعة لما درسوه خلال الأعوام السابقة، ليظهر أن قطاعاً كبيراً من الطلاب لم يتذكروا أي شيء.

 

في إحدى حلقات برنامجه "سيلفي من الشارع"، الذي يقدمه على صفحته على موقع فيسبوك، هذا الاسم يأتي من فكرته الغريبة، القائمة على تصوير برنامج في الشارع، باستخدام كاميرا الهاتف الأمامية "السيلفي".

يحاول أشرف رمضان، فتح نقاش في إحدى الإشكاليات الهامة في المجتمع المصري، وهي "السعادة"، لا سيما مع احتلال مصر ذيل قوائم المؤشرات الدولية للسعادة، وعلى عكس المعتاد في برنامجه، الذي يترك الساحة دائماً للمارين باختيار الموضوعات التي يناقشونها، يبدأ رمضان في طرح الأسئلة حول ما ينقص حياة الشعب المصري ليشعر بالسعادة، لتدور الأجوبة حول الأزمات الاقتصادية والرضا النفسي وتحقيق الأحلام.

16388043_386566051707170_8625917869225408505_n

تملك صفحة أحمد رأفت على فيسبوك إعجاب أكثر من مليون مستخدم، بالإضافة إلى أكثر من 4 ملايين مشاهدة لقناته على يوتيوب، خلال الثلاثين يوماً الأخيرة فقط. تحمل الصفحة اسم "مذيع الشارع". أما سارة فؤاد، فتحظى بمتابعة أكثر من 200 ألف على حسابها على فيسبوك وسجلت قناتها على يوتيوب "الحكاية" خلال الثلاثين يوماً الأخيرة أكثر من 7.326 مليون مشاهدة.

أحمد رأفت أحمد رأفت

يشرح الشاذلي محمد أن حلقات مذيعي الشارع باتت تلقى اهتماماً كبيراً خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي. يقول: "نحن نحظى بشعبية كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي ويوتيوب.  ونتفوق على برامج التليفزيون والإعلام الذي يتم تقديمه على القنوات".

13245444_10155005420548782_7889878519054120382_n سارة فؤاد

الاختلافات بين مذيعي الشارع ومذيعي التوك شو

"أنا شخصياً لا أشاهد التلفاز، أو برامج التوك شو، التي يتم تقديمها عليه، متابعتي مثل القطاع الأكبر من الشباب تتركز على مواقع التواصل ويوتيوب، ومن هنا تأتي أهمية برامج "مذيعي الشارع"، بحسب أشرف رمضان.

نجح هؤلاء المذيعون في سحب البساط من تحت أقدام مذيعي التوك شو. ويرجع ذلك النجاح إلى ثلاثة أسباب: الفكاهة، التي تجذب الكثير من رواد هذه المواقع والشباب، خصوصاً مع الاعتماد على عفوية الناس وتعاملهم مع صدمة السؤال المطروح، والآخر هو القضايا التي يطرحها مذيعو الشارع، وتلمس المواطن والمشكلات المعاصرة التي يغرق فيها، وطرحها بشكل مبسط، إضافة إلى الجمهور المستهدف وهو جمهور الانترنت، الذي يعد الأكبر والأكثر تفاعلاً مقارنة بجمهور التلفزيون.

يوضح الشاذلي محمد أن برامج التوك شو لا تناقش المشكلات الحقيقية للشارع، بل على العكس يحاول مذيعوها تجميل الشارع لخدمة سياسة المؤسسة التي يعملون فيها، ومن هنا تكمن أهمية مذيعي الشارع، الذين يعطون المواطن الفرصة للتعبير عن مشكلاته وجهاً لوجه مع مقدم البرنامج.

الاختلاف الآخر بحسب الشاذلي، هو اللغة المستخدمة، ففي الوقت الذي يميل مذيعو التوك شو لاستخدام لغة تقليدية كلاسيكية، يستخدم مذيعو الشارع لغة الشارع نفسه، بل يتعمدون اللجوء إلى مصطلحات الأجيال الجديدة مثل "جامد وطحن وروش". لكن هذه الفكاهة لا تمنع أن تكون هناك فكرة وهدف من وراء الموضوع المطروح.

في فلسطين: مذيع الشارع أحد أوجه المقاومة

"هل القدس عاصمة إسرائيل؟"، بهذه الجملة بدأ مذيع الشارع الفلسطيني، سامي مشتهي، يطرح الاسئلة على الأطفال الفلسطينيين، الذين أكدوا أن إسرائيل هي دولة احتلال ليس لها عاصمة وأن القدس هي عاصمة فلسطين وليس إسرائيل.

 

كذلك برزت تجربة أخرى لثائر فاخوري وبلال الطويل ومحمد الشربيني ومحمد أبو صبيح، الذين يقدمون فيديوهات على قناتهم "الخليل". وتركز هي الأخرى على استخدام التكنولوجيا وانتشار مواقع التواصل، لإظهار عدم تقبل الفلسطينيين للاحتلال الإسرائيلي ومقاومتهم له، وغياب ثقتهم في وسائل الإعلام الإسرائيلية والمعلومات التي تقدمها.

في أحد الفيديوهات، يتخفى أحد أفراد هذه المجموعة في صورة مذيع إسرائيلي يحاول أن يجري حواراً مع فلسطينيين في مدينة الخليل، لبرنامج "الصحافة الإسرائيلية"، فيرفض جميعهم التحدث إليه، متهمين وسائل الإعلام العبرية بتزييف الحقائق وعدم نقل صوتهم بحيادية.

 

وفي الأردن، تحظى قناة "تخدير" بشهرة كبيرة ومتابعة واسعة على يوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي، وتهدف إلى فتح نقاش اجتماعي وسياسي حول الوضع في الأردن، وفي فلسطين والمنطقة بشكل عام.

 

عدا الشهرة، يبذل مذيعو الشارع جهداً كبيراً في اختيار فكرة كل حلقة وتسويقها على اليوتيوب ومواقع التواصل، لهدف آخر، هو الاستفادة المادية من هذا الانتشار. فبحسب موقع "سوشيال بلاد" الموثق من يوتيوب، تجني قناة أحمد رأفت بين ألف و16 ألف دولار، بينما تحقق قناة "الحكاية" لسارة فؤاد بين 1700 و 27.5 ألف دولار شهرياً.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي