"دستور يالسّاحل الغربي"... قصص منسية عن حارات الحجاز القديمة

"دستور يالسّاحل الغربي"... قصص منسية عن حارات الحجاز القديمة

أروقة ضيّقة تضم المنازل والممرّات، وتتجاور فيها الرواشين وتتصافح الأبواب لتمثل المنطقة التفاعلية الثقافية بين جميع هذه الأطياف، حارات الحجاز القديمة هي الحضن الشعبي الأهم في مدنها.

لم تتغير طبيعتها رغم تغيير التنظيم الإداري للدولة منذ تأسيس السعودية وضم الحجاز لها، فبقي نشاطها العفوي الثقافي حتى بعد أن انتقل التعليم مثلاً من الحَلَقة إلى المدرسة، وتغيرت صفتها من العشوائية لتلحق بأحياء ومخطّطات محددة.

ما هو الحجاز؟

منطقة الحجاز هي تلك التي تقبع في غرب المملكة العربية السّعودية، عند سلسلة جبال السروات بين سهول تهامة المحاذية للبحر الأحمر وصحراء الوسط، أو منطقة نجد.

يختلف المؤرخون على حدودها، لكنهم لا يختلفون على تنوع طبيعتها بين السّاحل، والسهل، والوادي، والجبل، وتنوع ثقافاتها، إذ يفد إلى المنطقة التي تحتضن مكة المكرمة والمدينة المنورة وميناء مدينة جدة زوار لا يعدون ولا يحصون، حاملين معهم ثقافات مختلفة، ليستقر بعضهم فيها وتصير عاداتهم وملابسهم وأطباقهم جزءاً من نسيج المنطقة.

يظهر هذا التنوع في تفاصيل الحجاز: الأزياء تراوح بين الثوب الحويسي وملابس المحاريد، والطعام بين حلوى الحلقوم التركية والعريكة الجنوبية، ومن رقصة المجرور إلى وثبة التعشير، ومن حنجرة ابتسام لطفي إلى أغاني طلال مداح.

تأسيس الحارة

تتأسّس الحارات في العادة بشكل عفوي ويُتعارف على اسم وصفيّ لها. أحياناً يكون الاسم موثقاً رسمياً وفي بعض الأحيان يُكتفى بتناقله عبر الأفواه والأغاني والأمثال الشعبية كحارة المظلوم. لكن الفصل بينها ليس جامداً، فتتلاصق الحارات وبيوتها بدون عوازل وتتداخل ممراتها.

كذلك تُفرد الموائد الرمضانية بينها ويتبادل السكان الأطباق، وتجري الاحتفالات في أسطح البيوت والشوارع في الأعياد أو مناسبات الزواج مما يوفر فرصة للتداخل الثقافي بين الحارات.

لا تعتبر هذه الحارات التمثيل الثقافي الشعبي الوحيد للحجاز. فقد أخذت التجمعات في حجاز النخل (الواحات) إو مناطق الصحراء هيئة قُرى وقبائل، قامت على أساس العِرق غالباً، وهي جزء أصيل في ثقافة الحجاز.

وتتقاطع مع ممارسات الحارة في كونها نشاطاً جماعياً يتوافق عليه أفراد منطقة ما، إلا أن الحارة تمتاز بكونها أكثر تقاطعاً بين جماعات عدة.

تاريخياً، يمتد بعض الحارات إلى القرن الثاني الهجري أو قبله، فيما تم تطوير بعضها أو إنشاؤه في العهد السعودي. وقد لعبت ثلاثة عوامل أساسية دور تأسيس حارات الحجاز.

أقوال جاهزة

شارك غرد تُفرد الموائد الرمضانية ويتبادل السكان الأطباق وتجري الاحتفالات في أسطح البيوت والشوارع فيحدث التداخل الثقافي

شارك غردحارات الحجاز القديمة هي الحضن الشعبي الأهم في مدنها.

أولاً، العِرق والنسب

تُنسب بعض الحارات لسكانها كسكان الحجاز التقليديين، أشراف مكة الذين ينتمون بالنسب للرسول، والذين يسكنون حارة الأشراف. و كناك تجمعات العوائل المهاجرة مثل حارة الحضارم، وهم أهل حضرموت اليمن، وحارة الشّامية أو الشاميين، وحارة التاجوري وتسكنها مجموعة من عوائل المغرب العربي، وهناك حارة غزّة التي سكنتها عوائل فلسطينية مهاجرة منذ الخمسينيات.

غير أن هذا النوع من التكتل لا يُلتزم به بشكل صارم، إذ ستجد في حارة الأشراف عوائل من عرق آخر، لكن التسمية غالباً ما تؤخذ من نسب أوّل ساكن في الحارة أو نسب الأغلبية.

ثانياً، الصنعة والمهنة

تعتبر التجارة، والصيد، والرعي من المهن الأساسية في الحجاز. وقد مثّلت هذه المهن حارّة سوق الليل في مكة، وهي تعود إلى ما قبل العصر النبوي، وجسدت حتى فترة قريبة مثالاً لمفهوم السّوق الحرة إلى أن تم ضمها إلى توسعة الحرم المكي.

تسكنها عوائل من أعراق مختلفة تشاركت في تجارب البيع والتوزيع والتخزين.

وفي جدة، اشتهرت حارة البحّارة وحارة الهجلة، حيث سوق الحطب التي تضم حرفتي النجارة والتنجيد وغيرهما.

ثالثاً، المنطقة الجغرافية

هناك حارة المَسْفَلَة، التي تقع أسفل المسجد الحرام والمنطقة التي تعلوه، وسُميت حارة المعلاة أو العوالي. كذلك حارة البحر المحاذية للساحل.

وقد تكوّنت بضع حارات لأسباب أخرى، فتجد المجتمعات السكنية تنشأ حينما تُقام مدرسة أو جامعة أو مستوصفات حكوميّة. وقد تنشأ لأسباب اقتصادية تعود إلى سعر العقار وتكلفة المعيشة.

حياة الحارة وملاعبها وأطباقها

تفصح كل حارة عن ثقافتها الخاصّة في طريقة احتفالها بالمناسبات العامة، فهي جزء من الكيان العام، تحتفل بأعياده وأفراحه، لكنها تضيف إليه لمستها.

يُعرف عن الحجاز تأثر مطبخه بثقافات دول مختلفة استقر حجاجه فيها. ففي صباح عيد الفطر، ستجد الديبازة والكحك المصري وعريكة التمر الجنوبية في سفرة واحدة.

وفي عيد الأضحى، تجتمع السيدات لإعداد المعمول والغُريبة والبيتفور وتوزيع هذه كلها على عوائلهن فيما تُرفع القناديل والفوانيس لتزيين الشوارع، وهي أطباق وعادات دخلت الحجاز من مصر وشمال أفريقيا وبعض بلاد المشرق.

لا يمكن أن تخلو حارة من ملعب رياضي، قد يكون مجرد "زقاق" بين صفّين من البيوت، أو مساحة أرض فارغة، يجتمع فيها الأطفال والمراهقون للعب كرة القدم يومياً، وتقيم الحارات المتجاورة غالباً "دوري كرة قدم" فيها. وقد اكتشفت هذه الملاعب مواهب عدد من اللاعبين الذين وصلوا إلى المنتخب الوطني.

المناسبات الاجتماعية

يكون الاحتفال بالمناسبات الاجتماعية في الحارة الحجازية مُعلناً وفي أماكن مفتوحة. فتتم زفّة العريس مع الجسّيس في شوارع وأزقة الحارة مشياً على الأقدام حتى يصل إلى بيت أهل العروس. ويحدث ذلك قبل ليلة الزفاف بأيام. وفي يوم كتابة العقد الذي يجري في الحرم المكي أو المدني تبركاً بالمكان، تكون الدعوة مفتوحة للجميع.

ويشارك أطفال الحارة في الاحتفال بسابع المولود، وهي المناسبة التي تُقام بعد أسبوع من ولادة طفل. وفي حالات الوفاة، يتبرع أفراد الحارة بالمساحات أمام بيوتهم لإقامة العزاء.

مركاز الحارة

لكل حارة عمدة ذو مهمات اجتماعية محددة، كالفصل بين المتخاصمين، أو تمثيل أفراد الحارة. ويحتفظ التنظيم الإداري السعودي الجديد بدور عمدة الحارة أو الحي، ويكون دوره تلقي طلبات السكان ورفعها إلى البلدية.

وقد تُطلب شهادته لإثبات سُكنى أحد أبناء الحارة، ويُشرف عادةً على الاحتفالات العامة، ويتأكد من قيامها وسلامة تنظيمها.

وأمام مقره، سواء أكان مكتبه أو منزله، يوجد المركاز، وهو عبارة عن مقاعد حديدية مبطّنة تجمع الآباء وكبار السن يومياً للحديث في الشؤون العامة وتمضية الوقت، وقد قلت شعبيته مؤخراًً، نظراً لارتفاع درجات الحرارة. لكنه ينتعش في المواسم الشتوية أو الربيعية المعتدلة.

الحارة الحديثة

تقوم الحارة الحديثة على تنظيم يرتبط بشكل أوثق بالإمارة التابعة للمنطقة، كما أن نشاطها يبرز في المناسبات الموسمية، بينما يخفت في الحياة اليومية العادية. وتحاول الجوامع التي تحصل على رعاية مالية من رجال أعمال المنطقة أن تقيم أنشطة تثقيفية وترفيهية تحت مظلة وزارة الشؤون الإسلامية.

منال الزهراني

مدونة سعودية

كلمات مفتاحية
الحجاز السعودية

التعليقات

المقال التالي