سيكلوجية الخطأ: لماذا نرتكب الشر بملء إرادتنا؟

سيكلوجية الخطأ: لماذا نرتكب الشر بملء إرادتنا؟

"من كان منكم بلا خطيئة فليرمِها بحجر". بالتأكيد لم يستطع أحد أن يرميها بحجر، لأن لا أحد منا بلا خطيئة.

والخطيئة تعني كثرة الخطأ والمداومة عليه. فنحن لا نتوقف عن ارتكاب الأخطاء، سواء كانت صغيرة أم كبيرة، مقصودة أو غير مقصودة، تضرنا أو تضر غيرنا.

ولكن، ما هو الخطأ وما هو الصواب؟ ولماذا نرتكب الأخطاء؟ وكيف نتجنب الوقوع فيه أو الاستمرارية فيها؟ وهل للمجتمع دور في أخطائنا؟

مراتب الأخلاق الثلاثة

يقول سمير عبد المعطي، أستاذ مادة الأخلاق في جامعة القاهرة لرصيف22: "إذا قلنا إن الخطأ يندرج تحت الأفعال الشريرة، فهو سلوك يضر بصاحبه أو بغيره، وإن الصواب يندرج تحت الأفعال الخيرية، فهو سلوك يؤدي إلى منفعة لصاحبه أو غيره، فعلينا هنا أن نعرف ما هو الخير وما هو الشر".

ويضيف: "حاول علماء الأخلاق منذ القدم أن يضعوا تعريفاً جامعاً مانعاً للخير والشر غير أنهم لم يستطيعوا، لأن الأخلاق نفسها استنسابية. فما تراه خيراً قد يكون شراً بالنسبة للآخر، والعكس أيضاً صحيح".

يقسم عبد المعطي الأخلاق إلى ثلاث مراتب، الأخلاق الاجتماعية، والأخلاق دينية، والأخلاق الإنسانية.

الأولى، هي تلك التي تحددها عادات وتقاليد المجتمع الذي تعيش فيه، هي قوانين سنها المجتمع ويعتبر الخروج عليها عيباً وقد يضع الفرد أمام استياء مجتمعه.

أما الثانية، وكما هو واضح من اسمها، فإنها تخص الأوامر والنواهي التي ينص عليها الدين، وقد يتعرض المخالف لتلك الأوامر والنواهي إلى عقاب دينيوي بالإضافة إلى أعتقاد العديد من الديانات بالعقاب الأخروي أيضاً.

وأخيراً، الأخلاق الإنسانية، وهي الأشمل، وفيها يحدد الفرد بنفسه ماهية الخير والشر. فهناك بعض الأفعال التي لا يختلف اثنان على تصنيفها.

وقد اعتبر علماء الأخلاق أن الأخيرة هي أعلى مرتبة من سابقيها، وذلك لعدة جوانب، منها مثلاً إن أخلاق المجتمع قد تنطوي على أفعال سيئة كأن يكون المجتمع معادياً للمرأة فيصبح مثل هذا الفعل خيراً من وجهة نظرهم.

أما الدينية فلها معاييرها الخاصة، ففي بعض الديانات يكون قتل الآخر، المختلف عن الديانة كمثال، قمة الفضيلة، كما أنها محددة بالخوف من العقاب والرغبة في النجاة.

وهي بعكس الأخلاق الإنسانية التي تحركها الفطرة والعقل، ولا هدف من فعلها سوي الخير في ذاته، ففاعل الصواب هنا إنما يفعله لا خوفاً من عقاب ولا طمعاً في أجر.

لذا إذا أردنا أن نحدد الخطأ والصواب فعلينا أن نعود إلى فطرتنا وعقولنا دون النظر إلى اعتبارات أخرى، بحسب عبد المعطي.

أقوال جاهزة

شارك غرد"من كان منكم بلا خطيئة فليرمِها بحجر" بالتأكيد لم يستطع أحد أن يرميها بحجر، لأن لا أحد منا بلا خطيئة

شارك غردما الخطأ وما الصواب؟ لم نرتكب الأخطاء والشر وكيف نتجنب الوقوع فيها؟ وهل للمجتمع دور في أخطائنا؟

لماذا نرتكب الأخطاء؟

تشير الدكتورة أميرة أحمد، أخصائية علم النفس السلوكي لرصيف22 إلى أنه ليس كل خطأ يمكن اعتباره سيئاً، فهناك أنواع من الأخطاء لا بد أن نرتكبها حتى نتعلم ونكتسب الخبرة، وهي الأخطاء التي نقع فيها حين نبدأ بتعلم سلوك نجهله.

وتضيف أحمد: "هناك أيضاً الأخطاء غير المقصودة أو العفوية. أما الخطأ بمعناه المفهوم فهو سلوك إنساني يرتكبه الشخص إما لتحقيق منفعة أو للحصول على لذة".

تشرح أحمد أن المنفعة قد تكون في الرغبة في القوة والسلطة أو تحقيق أهداف ومصالح مادية. بينما الحصول على اللذة يتمثل في استدعاء السعادة وتجنب الألم.

برأيها، إن الحالة الأولى، تحقيق المنفعة، هي سمة الشخصيات الشريرة، فالضحية هنا هو الآخر الذي يتضرر من هذا السلوك الخاطئ، ولعل ما يحمينا من سلوك الأشرار هو القوانين التي تفرضها الدولة أو المجتمع.

بينما في الحالة الثانية، الحصول على اللذة، يكون الفاعل نفسه هو الضحية. فالإفراط في الملذات قد يسبب هلاك صاحبه.

ومع ذلك، بحسب أحمد، يمكن للشخص أن يكون واعياً تماماً أن ما يرتكبه خطأ ويدرك كذلك أن العاقبة ستكون وخيمة غير أنه لا يتوقف عن تكرار الأخطاء.

"السبب هنا يرجع إلى أن الخطأ قد تحول إلى عادة، والعادة ستتحول بدورها إلى إدمان، والإدمان يصعب التخلص منه. فالتخلص من إدمان خطأ بعينه صعب غير أنه ليس مستحيلاً"، تضيف أحمد.

via GIPHY

ثلاث نصائح للتخلص من الأخطاء

تؤكد أحمد أن هناك ثلاث طرق فعالة للتخلص من الأخطاء، خاصة تلك الأخطاء التي نداوم عليها.

أولاً، المسؤولية: فالشخص المسؤول هو قادر على تحمل عواقب أفعاله، أي أنه يعترف بأخطائه ولا يهرب منها، بل يتحمل نتيجتها.

وهو عكس الشخص العديم المسؤولية، الذي هو شخص مُستهتر بالضرورة، ولا يتحمل نتيجة أفعاله، لذا إذا كنتُ تريد أن تتخلص من أخطائك فعلياً فعليك أن تتحلى بالمسئولية وتعترف بخطأك وتتحمل نتيجته.

ثانياً، الإرادة: التوقف عن الخطأ لا يأتي بقرار أو بكلمة، خصوصاً إذا تحول هذا الخطأ إلى عادة، إنما لا بد من وجود إرادة تساند المسئولية حتى تتمكن في النهاية من تقويم سلوكك، فالإرادة هنا تحدد قدرتك وقوتك على مواجهة الخطأ.

ثالثاً،الإحلال: أو بما يُعرف علمياً بالارتباط الشرطي، غالباً ما تكون أخطاؤنا المتكررة نتيجة الارتباط الشرطي، فكل شيء في حياتنا عبارة عن مثير واستجابة. ولكن قد يجرنا هذا المثير إلى اعتياد خطأ ما.

هنا يأتي دور الإحلال، والإحلال يأتي بتغيير الاستجابة، فإذا كنت مثلاً معتاداً على تدخين سيجارة بعد تناول الطعام، بلا إرادة ستشعر برغبة في التدخين في هذا الوقت تحديداً، ولكنك لن تستجيب هذه المرة، وبدلاً من ذلك ستتناول كوب عصير مثلاً، بتلك الطريقة ستقوم بإحلال عادة سيئة محل أخرى جيدة، ومع الوقت ستكون العادة الجيدة هي الدائمة.

احذر من العقل الجمعي

قد يستطيع الإنسان أن ينتصر على أخطائه، ولكن ماذا عن الأخطاء التي يسببها المجتمع؟ حول تلك الإشكالية يصرح الدكتور محمد فتحي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة أسيوط لرصيف22 شارحاً أن أخطر ما يواجه الفرد هو العقل الجمعي.

ويقول: "تتمثل خطورة العقل الجمعي أو الضمير الجمعي في أنه لا يرتبط بالعقل الفردي، فقد ينجذب دكتور جامعي أو مثقف إلى المجموع وهو مؤمن أشد الإيمان بهذا الجمع لدرجة الإنسياق التام".

برأيه، هذا هو ما يعاني منه مجتمعنا اليوم.

"هل يمكن لنا القول إن جماعة مثل داعش لا يعيش أفراد تنظيمها في ظل العقل الجمعي؟ بالتأكيد لا يمكن النظر إلى مثل هذه الجماعة بعيداً عن نظرية دور كايم. إنه الإنصياع الأعمي لفكر المجموع، الذي قد يصل إلى حد قتل النفس أو الانتحار".

قد نتعجب من صور الأشلاء لشخص قد فجر نفسه، ونتساءل كيف تستمر مثل تلك الأعمال؟ ألم يشاهد مرتكب الجريمة التالية ما شاهدته أنت؟

هو بالفعل رأى ما رأيته أنت غير أنه لا ينظر للأمور بمنظورك، إنه أسير العقل الجمعي، بحسب فتحي.

"إنه يفعل الخطأ ويظنه قمة الصواب، بل يتباهى به. ولكن، كيف وصل إلى تلك الحالة؟ إن ضحايا العقل الجمعي هم في الحقيقة ضحايا الإعلام"، يستطرد فتحي.

ثم يضيف أن الإعلام هنا ليس المقصود به ما نراه على شاشات التلفاز فحسب إنما الخطابة، وتأثير الكلمات على العقل، وإعادة تشكيله.

"هل تعتقد أن الداعشي فقط هو ضحية العقل الجمعي؟ أنت أيضاً قد تكون ضحية تنساق خلف أفكار مجتمع ليست صحيحة، أفكار تجعلك تعيش في أخطاء تظنها الصواب الأكيد، فاحذر"، يختم فتحي.

روائي وصحافي مصري، صدر له ثلاث روايات وحصل على عدة جوائز أدبية منها جائزة ساويرس للرواية، يكتب للحياة اللندنية وجريدة المقال.

كلمات مفتاحية
علم النفس

التعليقات

المقال التالي