جامعات في لبنان… دكاكين تعليم طائفية

جامعات في لبنان… دكاكين تعليم طائفية

تُعلن وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان، عبر موقعها الالكتروني، عدد الجامعات في لبنان: 35 جامعة خاصة، و9 معاهد وكليات جامعية و3 معاهد جامعية للدراسات الدينيّة، إلى جانب الجامعة الرسمية، أي الجامعة اللبنانيّة.

تُعتبر الجامعات مشاريع تجارية مربحة، لكن الأهم أن النسبة الأكبر منها، وإن لم يظهر هذا في تعداد الوزارة، لها انتماؤها المذهبي. فهناك جامعة "سنية" وأخرى "شيعية"، وجامعة "مارونية"، وجامعة "أرثوذكسية".

وقد حصلت أغلب هذه الجامعات على تراخيصها بعد انتهاء الحرب الأهليّة عام 1990، والتي استمرت أكثر من 15 عاماً شهدت الدولة خلالها تراجعاً في مستوى الجامعة اللبنانيّة.

فهل أثر ازدياد عدد هذه الجامعات على مستوى الجامعة الرسمية، أي الجامعة اللبنانية؟

الجامعة اللبنانية والسياسة

قد يرى البعض في الجامعة اللبنانية نموذجاً للصرح العلمي الذي لا يدور في فلك مؤسسات التعليم الطائفي، ولم يتلون بصبغة سياسية، بعدما شكّلت محطة أساسية في توفير نوعية جيدة للتعليم لكل طبقات المجتمع، ومطبخاً لنشأة حركة طلابية فاعلة كان لها دورها في الحياة السياسيّة والثقافية في لبنان.

لكن يرد قائل مبيّناً أنها ليست جامعة وطنية بالمعنى الحقيقي، خصوصاً أن هناك اختلافات بالمقررات ذات البُعد السياسي، بين فروع هذه الجامعة، إلى جانب وجود صبغة مذهبية لفرعيها، الأول للمسلمين والثاني للمسيحيين.

وقد يكون تعيين الدكتور فؤاد أيوب رئيساً للجامعة اللبنانيّة أبرز مؤشر على موقف القوى السياسيّة من الجامعة اللبنانيّة. فأيوب، الذي يُحسب سياسياً على الطائفة الشيعية، اتهم من قبل عدد من أساتذة الجامعة، وعبر وسائل الإعلام، بأنه زوّر شهادة الدكتوراه.

لم يجرِ تفنيد هذه التهم ونفيها. لا بل إن طبيب الأسنان الدكتور عماد الحسيني، الذي تقدم بدعوى التزوير ضد أيوب، قال في أحد تصريحاته للموقع الإخباري التابع لحزب "القوات اللبنانية"، إنه توجه إلى "وزارة التربية، لتسليم الشكاوى إلى وزير التربية، لكنه لم يتمكن من لقائه، فاجتمع بمستشارته". ويقول الحسيني في تصريحه "كان دفاعها عن شهادات أيوب مستغرباً."

وبالفعل، عُيّن أيوب رئيساً للجامعة، ليصبح هذا المنصب من حصة الطائفة الشيعيّة، ضمن عمليّة المحاصصة التي تعتمدها الدولة منذ انتهاء الحرب.

رباعي الجامعات "الشيعية"

بعد أسابيع على تعيين أيوب، انتشر فيديو لعدد من الطلاب في إحدى الكليات في مبنى مجمع الحدث الجامعي، وهو المجمع الوحيد للجامعة اللبنانيّة، يعلنون الولاء لعلي الخامنئي، مرشد الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران. صودفت هذه "الاحتفالية" بعد أيامٍ قليلة على انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهوريّة بعد فراغ امتد 31 شهراً.

يختلف المشهد في جامعة "المعارف" التي أسسها حزب الله وانطلق التعليم فيها قبل أشهر. فأنصار الحزب هناك لم يقيموا الاحتفالات التي تعلن الولاء للخامنئي بالشكل الذي قام به أنصاره في الجامعة اللبنانية.

أقوال جاهزة

شارك غردازدياد الجامعات المذهبية يترافق مع تراجع مستوى الجامعة اللبنانيّة. والسؤال: لمصلحة مَن ذلك كله؟

في الفيديوهات الدعائية للجامعة، نشاهد حياة طلابية طبيعية. نرى طلاباً وطالبات يُتابعون التعليم، ويعيشون الحياة الجامعية. لا نرى التعبئة التي نراها في الجامعة اللبنانيّة.

وقد افتتحت جامعة المعارف في تشرين الأول/أكتوبر 2015، في احتفال رعاه الامين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله ممثلاً برئيس المجلس التنفيذي في الحزب هاشم صفي الدين، في حضور أحد وزيري حزب الله في الحكومة اللبنانية حسين الحاج حسن، وسفير الجمهورية الاسلامية الايرانية محمد فتحعلي، وعدد من الأكاديميين والباحثين وعلماء دين وممثلي هيئات تربوية وتعليمية.

وقال صفي الدين خلال الافتتاح: "في الأصل رسالة المقاومة هي الاعتماد على الذات، واليوم رسالتنا هي العلم والتقدم بروحية مقاومة وثقافة أصيلة، يتم من خلالها بناء الوطن".

لا يختلف الأمر في جامعة فينيسا التي أطلقتها قبل سنتين زوجة رئيس مجلس النواب ورئيس "حركة أمل" الشيعية نبيه بري. فالأعلام والشعارات التي يرفعها طلاب الحركة في الجامعة اللبنانية، لا نراها في هذه الجامعة.

وإلى جانب ما يمكن تسميته، جامعة حزب الله وجامعة حركة أمل يملك المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى الجامعة الإسلاميّة وقد جاء في رؤية الجامعة أنها تسعى إلى تحقيق الأهداف التي يحملها المجلس الإسلامي الشيعي.

ويكتمل رباعي الجامعات "الشيعيّة"، مع جامعة العلوم والآداب اللبنانية (USAL) التي تُديرها جمعية المبرات الخيريّة، التي أسسها المرجع الشيعي الراحل محمد حسين فضل الله.

جاء دخول مؤسسات التعليم العالي "الشيعيّة"، لينضم إلى مؤسسات التعليم العالي التي تملكها القوى الحزبية، ومؤسسات الطوائف اللبنانيّة.

جامعات الأحزاب السنية

التيار السياسي السني الأبرز في لبنان هو "تيار المستقبل"، وله جامعة "رفيق الحريري" التي تحمل اسم مؤسسها، رئيس الحكومة الأسبق الذي اغتيل عام 2005، ليرث نجله سعد الحريري رئاسة الحكومة وتيار المستقبل ويخوض صراعاً سياسياً مع حزب الله. وقد عرف عن هذا التيار تقاربه مع دول الخليج العربي، لا سيما السعودية. وتترأس السيدة نازك الحريري مجلس أمناء الجامعة اليوم.

وهناك رئيس حكومة سابق آخر، وهو منصب من حصة الطائفة السنية في لبنان، أطلق جامعة خاصة. فقد أطلق نجيب ميقاتي "جامعة العزم" في أبريل/نيسان 2015. وقد قال خلال الاحتفال: "إن تاريخ علاقاتنا مع دول الخليج وفي مقدمها المملكة العربية السعودية يحتم علينا المحافظة عليها لا بل وتطويرها لما فيه خير لبنان واللبنانيين جميعاً في لبنان والعالم العربي".

ليس ميقاتي الوحيد بين السياسيين السنة الذين يملكون جامعات. فالوزير السابق عبد الرحيم مراد يملك الجامعة اللبنانيّة الدولية، التي لها تسعة فروع في لبنان، وفروع أخرى في بعض الدول العربيّة. وتعد هذه الجامعة أحد مصادر شعبيته.

ولا ننسى جامعة المنار في طرابلس التي أسسها رئيس الحكومة الأسبق رشيد كرامي، ويترأسها حالياً الوزير السابق فيصل كرامي. وفي طرابلس أيضاً، أسست السيدة منى حداد، وهي زوجة الداعية الإسلامي الراحل ورئيس جبهة العمل الإسلامي فتحي يكن جامعة الجنان.

وتملك دار الفتوى جامعة بيروت الإسلاميّة وهي مختصة بالدراسات الدينية. وتملك جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية جامعة المقاصد. فيما تملك جمعية المشاريع الإسلامية، التي تعرف بجمعية "الأحباش" الجامعة العالمية ويترأسها النائب السابق عن جمعية المشاريع في البرلمان اللبناني عدنان طرابلسي.

وعلى الرغم من كون جمعية الأحباش دينية وسنية التوجه، فإنها تتعاطى السياسة ولديها علاقة جيدة مع حزب الله.

الجامعات "المسيحية"

ولا يظن القارئ أن الجامعات حكراً على الطوائف الإسلاميّة، بل إن الإرساليات المسيحيّة كانت سباقة في افتتاح المدارس والجامعات. ولعل من أبرزها جامعة القديس يوسف التي أسسها الآباء اليسوعيون عام 1875، ولعبت دوراً ثقافياً وأكاديمياً وسياسياً مهماً في تاريخ لبنان وحاضره. وتُكنى هذه الجامعة بـ"جامعة بشير الجميّل"، وهو رئيس الجمهوريّة الأسبق الذي اغتيل بعد انتخابه عام 1982، وقبل توليه الحكم، وذلك خلال الاحتلال الإسرائيلي لبيروت.

ومن المؤسسات التي تُديرها الكنيسة المارونيّة، جامعة الحكمة، التي يترأسها مطران بيروت للموارنة بولس مطر. وهنالك جامعة العائلة المقدسة في البترون، التي تعود ملكيتها لـ"جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات".

ومن ضمن الجامعات التي تملكها مؤسسات الطائفة المارونية، جامعة الروح القدس الكسليك التي ينرأسها الأب جورج حبيقة.

وتملك الرهابيّة الأنطونية (مسيحيون موارنة) الجامعة الأنطونية في بعبدا. وتوجد في لائحة المؤسسات الجامعية المارونية جامعة سيدة اللويزة. وللكنيسة الأرثوذكسية جامعتها، أي جامعة البلمند، التي تقع في دير البلمند في شمال لبنان.

هل الانتماء الديني مؤشر لجودة التعليم؟

في لبنان جامعات أخرى إلى جانب هذه الجامعات، ولا يُعد الانتماء الديني للجامعات مؤشراً لجودة التعليم. كما أن الجامعات الأخرى غير الدينيّة لا تُعد متفوقة عليها، لمجرد أنها غير دينيّة. إنما هذا الانتشار الواسع لعدد الجامعات الخاصة في لبنان، وارتباطها بالقوى السياسيّة والدينيّة، يطرح أسئلة كثيرة، خصوصاً مع تراجع مستوى الجامعة اللبنانيّة.

وتجدر الإشارة إلى أن تعيين إدارة الجامعات اللبنانيّة وتحديد ميزانيتها ومشاريع التطوير فيها، تخضع مباشرة لوزارة التربية ومجلس الوزراء اللبنانيّة، أي للسلطة السياسيّة، من دون هوامش عالية من الاستقلالية.

كما أن هذه الجامعات تُعزز الولاءات والهويات المذهبية والسياسيّة. علماً أن غالبية المنتسبين لهذه الجامعات من مذهب واحد، ليس الوحيد الذي يُساهم بتعزيز الولاءات المذهبية، بل إن المقررات التعليمية والخيارات الثقافية التي تُقدمها هذه الجامعات.

يُذكر أن العدد الأكبر من هذه الجامعات وغيرها تأسس بعد انتهاء الحرب الأهليّة عام 1990، وهو ترافق مع تراجع مستوى التعليم الرسمي المدرسي والجامعي.

وتُعد المنح، أي تخفيض الأقساط للطلاب، إحدى الخدمات التي تُقدمها نسبة كبيرة من الجامعات للقوى السياسيّة، التي تُجيرها للمحظيين من مناصريها، وتستخدمها في تكريس الولاءات. خصوصاً أن الأقساط الجامعية تُعد مرتفعةً مقارنة بمعدل الرواتب في لبنان. وهو ما يجعل الحصول على منحٍ في الجامعات أوراقاً في يد القوى السياسيّة والدينيّة.

ختاماً، إن ازدياد الجامعات المذهبية، والتي تستفيد من المادة العاشرة من الدستور اللبناني، التي تنص على أن "التعليم حر ما لم يخلّ بالنظام العام أو ينافي الآداب أو يتعرض لكرامة أحد الأديان أو المذاهب ولا يمكن أن تمس حقوق الطوائف من جهة إنشاء مدارسها الخاصة، على أن تسير في ذلك وفاقاً للأنظمة العامة التي تصدرها الدولة في شأن المعارف العمومية"، هذا الازدياد يترافق مع تراجع مستوى الجامعة اللبنانيّة. والسؤال: لمصلحة مَن ذلك كله؟

التعليقات

المقال التالي