تعرّفوا على إحدى المهن الأقل حظاً في سيناء اليوم

تعرّفوا على إحدى المهن الأقل حظاً في سيناء اليوم

في العادة، يستغرق اجتياز المسافة بين القاهرة ومحافظة شمال سيناء نحو 4 ساعات بالسيارة.

لكن رحلتنا الأخيرة إلى المحافظة التي تبعد عن العاصمة حوالي 381 كيلومتراً دامت قرابة سبع ساعات.

السبب وجود كمائن عدة لقوات من الجيش والشرطة.

أوقفت سيارتنا المتوجهة إلى المحافظة التي تشهد معارك بين الأمن المصري ومسلحين منضمين إلى ما يطلق عليه اسم "داعش" أكثر من مرة، وطُرحت علينا أسئلة من رجال الأمن عن سبب السفر، كما طُلبت هوياتنا وتم الكشف عن بعضها.

في العريش، عاصمة محافظة شمال سيناء، كان اللقاء مع الصحافي المصري حسين القيم، الذي يراسل عدة صحف تتخذ من القاهرة مقراً لها.

بملامحه الهادئة ولون بشرته الذي تركت شمس العريش الحارقة أثارها عليها، أخذ القيم يحكي عن ظروف عمله في سيناء مستخدماً لكنة تميز كل أهالي المنطقة.

أن تكون صحافياً في سيناء

يقول القيم لرصيف22: "أن تكون صحافياً في سيناء فهذا يعني أنه غير مسموح لك بالتقاط الصور في أي مكان. لا يوجد قانون مكتوب يقول ذلك، لكنها أوامر قوات الأمن، والمسلحين أيضاً".

لا يستطيع أي صحافي فيها أن يلتقط صوراً للتفجيرات في المنطقة التي تعد من أسخن مناطق مصر، وينتشر فيها عدد غير قليل من متشددين إسلاميين يطلقون على أنفسهم اسم أنصار بيت المقدس قبل أن يبايعوا تنظيم دولة الخلافة في العراق والشام "داعش"، وقد باتوا يستهدفون الجيش المصري، الذي يقتل العشرات منهم في حملات لا تتوقف بهدف إضعافهم.

"العمل في سيناء له طبيعة خاصة تختلف عن العمل الصحافي في أي محافظة مصرية أخرى. قبل ثورة يناير كنا نحمل كاميراتنا ونوثق ما يحدث، اختلفت الأوضاع بعدما زاد انتشار المتشددين الإسلاميين في سيناء"، يقول القيم.

ويضيف: "تخيل أن تكون صحافياً وغير مسموح لك بحمل كاميرا، صار ممنوعاً أن يوثق الصحافي ما يحدث في المحافظة أو يتحدث مع أهالي مسلحين أو متهمين في قبضة الأمن المصري".

تهديدات بدون توقف

تلقى القيم عدة تهديدات من مسلحين بسبب تغطيته لما يحدث في المحافظة.

وصلته التهديدات عن طريق رسائل عبر فيسبوك من حسابات متشددين، لكن الخطر الأكبر كان حين وقفت بجانبه سيارة فجأة وأطل من نافذتها شخص ملثم وقال له: "لم نفسك أحسن ما نلمك".

"في كل مرة لا أقوم بإبلاغ قوات الأمن"، يقول القيم.

"إذا تواصلت مع رجال أمن فهذا يعني للمسلحين أنني أعمل لدى الأمن، ومن الممكن تصفيتي"، يضيف شارحاً. في الوقت نفسه، لا يستطيع أن يجري حوارات مع مسلحين أو مع أهاليهم لأن هذا قد يجعل رجال الأمن المصري يقومون باعتقاله بتهمة التواصل مع متشددين.

"هي مشكلة كبيرة، أنا غير قادر على تنفيذ كل ما أتمناه من موضوعات وقصص صحفية".

أحياناً يفكر القيم في ترك المحافظة المضطربة والذهاب إلى القاهرة حتى يستطيع الحياة في أمان، لكن ارتباطه بالمكان أقوى "هنا ولدت وتربيت، وهذه محافظتي".

لم يحصل حتى الآن على عضوية نقابة الصحفيين، فالمؤسسة التي يعمل لحسابها تعطي الأولوية في التعيين لصحفيي القاهرة، وهذه مشكلة بالنسبة له.

يقول: "إذا فقدت حياتي في أي لحظة فلن تحصل أسرتي على معاش، ولو تعرضت لإصابة في أي انفجار، وهذا وارد، لن يغطي التأمين الصحي نفقات علاجي".

أقوال جاهزة

شارك غرديحاول الصحافي في سيناء ألا يغضب الأمن المصري فيعتقل أو أن يدين المتشددين فيُقتل، فكيف يمارس عمله؟

شارك غردبعد 35 عام على تحريرها، الصحافي في سيناء اليوم خائفاً من اعتقال الأمن وغضب الجماعات المسلحة

يجهز القيم العدّة لقناة على يوتيوب يصنع من خلالها فيديوهات عن سيناء وأهلها بهدف أن يغيّر الصورة الذهنية عن المكان كساحة حرب.

"رغم كل شيء الحياة مستمرة في سيناء وهناك فن وثقافة، بالتأكيد ليس كما كانا قبل ثورة يناير"، يضيف.

السير في حقل الألغام

في العام 2013، انطلق اتحاد الصحفيين والمراسلين بشمال سيناء، بقيادة الصحافي السيناوي عبد القادر مبارك.

ضم الاتحاد كل المراسلين في المحافظة وعددهم 24 منهم 4 فتيات،ويهدف لحماية المراسلين في المحافظة وفي تطوير مهاراتهم وتقديم تدريبات لهم.

"الصحافي في سيناء أشبه بمن يسير في حقل من الألغام"، هكذا يختصر مبارك، رئيس الاتحاد، الحال.

"من الممكن أن يموت الصحافي في أي لحظة بطلقة طائشة أو تعتقله الجهات الأمنية أو يخطفه المسلحون، ولا يوجد أي دور لنقابة الصحافيين في حماية مراسلي سيناء بسبب أن أغلبهم ليسوا أعضاء بالنقابة".

يذكر مبارك حين تم اعتقال الصحافي أحمد أبو دراع في العام 2013 بتهمة نشر اخبار كاذبة عن القوات المسلحة خلال عمله لحساب صحيفة المصري اليوم. وقتذاك قام الاتحاد بحملة للمطالبة بالإفراج عنه.

برأيه، الصحافي في سيناء دائماً حذِر، يحاول ألا يغضب الأمن أو ألا يكتب بحدة عن المتشددين، ففي الحالة الأولى يجري اعتقاله وفي الحالة الثانية من الممكن أن يتم قتله.

"فكيف يعمل الصحافي في مثل هذه الظروف؟"، يسأل مبارك.

قام الاتحاد بتنفيذ عدد من الدورات لصحفيي سيناء في كيفية التغطية أثناء الاشتباكات وكيف يقومون بتأمين أنفسهم من كل الأخطار، كما أُقيمت دورات قانونية تعلمهم ماذا يقولون لدى اعتقالهم في أحد الكمائن.

مشكلة أخرى تواجه الصحافيين في سيناء بحسب مبارك وهي أن المصادر دائماً تخاف أن تتكلم معهم، وإذا حدث ذلك تطلب منهم عدم ذكر الاسم.

بالتالي تصبح أغلب المصادر مجهّلة مثل "صرح مصدر أمني أو قال مسئول حكومي".

"حجب المعلومات عنا مصيبة"، هكذا يرى مبارك، ويكمل "أيضاً يتم توقيف الصحافيين ساعات عدة في الكمائن الأمنية، كأن الأمن يرغب في تحويل حياتهم لجحيم".

قل مجاهدين ولا تقل تكفيريين

في أحد المقاهي وسط العريش كان موعد رصيف22 مع محمود (تم تغيير الاسم بناء على طلبه).

قبل أن يمسك فنجان قهوته أخرج من حقيبته الجلدية الصغيرة ورقة وقال: "هل تعلم ما هذا؟ إنه بيان وزعه مسلحو سيناء في رفح".

يستطرد الصحافي الثلاثيني القراءة: "تحذير للجميع لا تقولوا علينا تكفيريين بل قولوا مجاهدين، ولا تتعاملوا مع الأمن حتى لا تتعرض حياتكم للخطر".

يقول محمود أنه تلقى مع الصحفيين عروضاً من قنوات أجنبية، منها الجزيرة، أن يراسلها مستخدماً إسماً وهمياً حتى لا يواجهه مشاكل مع الأمن. لكنهم جميعاً رفضوا هذه العروض التي تهدد حياتهم إذا عرف الأمن المصري بها.

ويضيف: "أصبح من المستحيل أن نغطي ما يحدث في أماكن مثل الشيخ زويد ورفح وجنوب العريش، لأن الأمن يعتبرها مناطق عسكرية، وإذا استطعنا الدخول فمن الممكن أن تستهدفنا أسلحة المتشدديين الذين ينشطون فيها".

مسألة وقت

لا يفضل أغلب المسؤولين الحكوميين في شمال سيناء الحديث لوسائل الإعلام، لكن رصيف22 استطاع التواصل مع مسؤول في المحافظة طلب عدم ذكر اسمه.

برأيه، لا يعرف الكثير من المصريين حجم الخطر الواقع في سيناء، والدافع وراء التضييقات التي وصفها بـ "المحدودة" على الصحفيين هناك هو "حمايتهم وعدم تعريض حياتهم للخطر".

يقول لرصيف22: "شخصياً أحترم حرية الصحافة، كما أحترم حرية المواطنين العاديين في التنقل في كل مكان وفي أي وقت، لكن بسبب أن الأوضاع غير مستقرة حتى الآن فالأمر يحتاج من الجميع لبعض الصبر. بعدها ستعود الأوضاع لما كانت عليه قبل بدء هذه الحرب".

فرجال الأمن، بحسب وصفه، يخوضون حرباً حقيقيةً ضد تنظيمات مسلحة وممولة على أعلى مستوى.

ويستطرد قائلاً: "على الجميع أن يتفهموا أن الوضع خطير ويحتاج لإظهار مسؤولية من الجميع خصوصاً المواطنين العاديين والصحفيين".

الأمن يحتكر المعلومات

لكن التضييقات هذه برأي محمود ليست محدودة. فالأمن يمنع المعلومات عن الصحافة ويرغب في أن يصبح المصدر الوحيد الذي يرسل أخباراً عن ما يحدث في المحافظة.

ويضيف: "حين نسمع صوت انفجار لا نذهب للتغطية، فالأمن يعتقل كل من يقترب من المكان، فنبحث عن مصادر تخبرنا بما حدث، قد تكون مصادر في الإسعاف أو في المستشفيات التي يتم نقل الجرحى لها. كل واحد منا يجتهد حتى يحصل على معلومة".

الأزمة الأخطر برأيه هي علاقة الشك والعداوة التي يخلقها الأمن مع الصحافة، وافتراضهم سوء النية لدى كل صحافي. وهي انعكاس لعلاقة الكثير من الحكومات العربية بشكل بالإعلام الغير رسمي، وفي مصر بشكل خاص.

يحكي محمود: "في يوم كنت أسير في طريق وأطلقت قوات الأمن النار على السيارة التي كنت أستقلها رغم أن الطريق لم يكن مغلقاً أو يحوي لافتات تحذر من الدخول إليه، كان من الممكن أن أموت".

رغم كل ذلك لدى محمود وباقي الصحفيين المصريين في سيناء حلم بأن ينتهي كابوس المتشددين من محافظتهم وتعود لسابق عهدها، منطقة هادئة لا يحلم سكانها إلا بالسلام.
.

 

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي