ما بعد الاستفتاء: تركيا تستيقظ على شرخ غير مسبوق في المجتمع

ما بعد الاستفتاء: تركيا تستيقظ على شرخ غير مسبوق في المجتمع

استطاع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تحقيق انتصار بصعوبة في استفتاء السلطات الرئاسية مساء الأمس، ممهداً الطريق لزمن نظام الرجل الواحد في تركيا، إلا أن انتصاره جاء بنسبة أقل بكثير مما كان متوقعاً ضمن أعضاء حزب العدالة والتنمية، ما يوحي بتراجع في نسبة مؤيديه.

كما ستضع نتيجة الاستفتاء تركيا في مواجهة مباشرة مع حلفائها في الاتحاد الأوروبي وغالباً ما ستؤدي إلى انهيار إمكانية انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.

Cumhur-Başkanını-Seçiyor_V.02.1

انتصار بنسبة ضئيلة

جاء انتصار إردوغان بنسبة ضئيلة، حيث تقدمت حملة نعم للاستفتاء على حملة لا بنسبة 51.3% مقابل 48.7%، أي بفارق مليون وربع صوت مع بقاء نصف مليون صوت قيد العد.

وقد أقر المجلس الأعلى للانتخابات احتساب مليون ونصف صوت على أوراق اقتراع غير مختومة، والتي كانت تعتبر تالفة في الانتخابات السابقة، ما اعتبره البعض محاباة للحزب الحاكم وما أدى إلى إعلان المعارضة نيتها الاعتراض الرسمي على نتيجة الاستفتاء.

وخسرت حملة نعم المؤيدة لإردوغان الاقتراع في أكبر ثلاثة مدن تركية، وهي اسطنبول والعاصمة أنقرة وإزمير، بالإضافة إلى العديد من المدن الساحلية وأغلبية المناطق الكردية التي عانت من ازدياد حدة العنف بعد انهيار وقف إطلاق النار مع حزب العمال الكردستاني، بالإضافة إلى حملة الاعتقالات الواسعة التي شملت حزب الشعب الديمقراطي المعارض ذو القاعدة الشعبية الكردية، ما يوحي بانحسار لشعبية الرئيس التركي.

الانقسام الجليّ في المجتمع

النتيجة إن دلت على شيء، فهي تدل على الانقسام الواضح في المجتمع التركي بين محبين لإردوغان وكارهين له معترضين على انفراده بالحكم ومؤسسات الدولة، وهو انقسام يصعب تفاديه في المستقبل القريب بسبب رفض الرئيس التركي للانتقاد وانتقامه من معارضيه سواء في الأحزاب المعارضة أو في الحكومة والمؤسسات والإعلام عن طريق إغلاق الصحف والقبض على الصحفيين في وسائل الإعلام المناهضة لسياساته، والذي حجم بشكل كبير قدرة المعارضة على الوقوف ضد الاستفتاء الدستوري.

وتتضمن التعديلات الدستورية التي صوت عليها الشعب التركي تغييرات تضع مقاليد الحكم فعلياً في يد إردوغان، الذي أصبح مهيئاً لأن يكون الشخصية التركية الأهم منذ مصطفى كمال أتاتورك، الذي أنشأ الجمهورية التركية في أوائل العشرينات من القرن الماضي.

ماذا يعني هذا الفوز ؟

سيستطيع إردوغان الترشح لفترتين انتخابيتين مع دخول النظام الرئاسي بدل البرلماني في 2019، ما يعني أنه قد يبقى في الحكم إذا فاز في الانتخابات حتى عام 2029، ما يعني أنه قد يبقى رئيساً لمدة 15 عاما، بالإضافة لكونه رئيساً للوزراء قبل ذلك فترة 12 عاماً.

أقوال جاهزة

شارك غردإردوغان الآن ينازع أتاتورك على مقام أهم شخصية سياسية في تاريخ تركيا المعاصر

شارك غردما بين رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية وفرص الترشح لدورتين إضافيتين، قد يحكم إردوغان البلاد لـ25 عاماً

تسمح التعديلات الدستورية بعودة الرئيس لقيادة حزب العدالة، باعتبار أن القانون التركي كان يقضي بحيادية رئيس الجمهورية، ما يعني أنه سيكون صاحب الكلمة الأخيرة في اختيار الأعضاء المرشحين لانتخابات مجلس النواب في الحزب الحاكم وبالتالي سيفرض سيطرته على عمل البرلمان.

كما تقضي التعديلات بزيادة نسبة القضاة في مجلس القضاء الأعلى التي سيختارها الرئيس، وسيعين أعضاء آخرون من قبل البرلمان، ما يعني فعلياً فرض سيطرته على السلطتين القضائية والتشريعية.

بالإضافة لذلك، سيتم سحب صلاحيات البرلمان الرقابية على مجلس الوزراء وإمكانية سحب الثقة من الوزراء المعنيين، وسيتم إلغاء منصب رئيس الوزراء ليصبح إردوغان صاحب السلطة التنفيذية الوحيدة وبإمكانه تعيين من يشاء من الوزراء ونواب رئيس الجمهورية، غير خاضعين للرقابة.

وستبدأ قريبا الترتيبات الممهدة للتغيير التاريخي من النظام البرلماني للنظام الرئاسي، وستستمر حتى الانتخابات القادمة في 2019 والتي ستشمل انتخابات برلمانية ورئاسية.

ليس حماس إردوغان المعتاد

أعلن إردوغان انتصاره عبر كلمة متلفزة لم تكن بحماسه المعتاد، وظهر عليه بعض معالم الاستياء من النتيجة، والتي يبدو أنه كان متوقعا أن تكون أكبر بكثير من ذلك، حيث أن التفويض الذي حصل عليه لم يكن حاسماً.

بينما في مقر حزب العدالة، حيث انهمرت الأمطار في يوم وليلة الاستفتاء، لم يكن الحضور بالمستوى الذي كان عليه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي حقق فيها الحزب انتصاراً ساحقاً سمح له بتشكيل الحكومة من دون الدخول في تحالفات حزبية. وأعرب الحضور عن فرحتهم بانتصار الرئيس، إلا أنهم كانوا قلقين من النتيجة.

ووصف رئيس الوزراء بن علي يلديريم الذي ألقى كلمة على الحضور الاستفتاء بأنه يوم تاريخي لتركيا وأن الحزب سيستثمر الفرصة للبدء في إصلاحات سياسية واقتصادية تؤدي إلى الازدهار.

أثرها على السياسة الداخلية والخارجية

ولكن تصريحات المسئولين توحي بأن الفترة القادمة ستكون مقلقة لتركيا خارجياً وداخلياً.

فمن جانب السياسة الخارجية، فوجيء المتابعون للشأن التركي بتصريح الرئيس بعد إعلان النتيجة بقليل بأنه سيناقش مشروع إعادة تطبيق عقوبة الإعدام، وهو أحد المطالب الرئيسية للحزب الوطني المعارض الذي قرر دعم إردوغان في الحملة الدستورية، واستعداد الرئيس للأمر باستفتاء جديد لبحث الموضوع، وهو الأمر الذي إن نجح سيقضي نهائياً على عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي أصبح أصلاً قيد الإنعاش في السنوات الأخارى.

وستضع نتيجة الاستفتاء تركيا في مواجهة حلفائها الأوروبيين في حلف الناتو، والذين اتهموا الرئيس بالديكتاتورية، بينما هو وجه إليهم انتقادات لاذعة تتهمهم بتبني سياسيات فاشية ونازية.

ويعتبر هذا تهديداً لاتفاق أنقرة مع الاتحاد الأوروبي على الحد من نزوح اللاجئين السوريين عبر البحر المتوسط إلى شواطيء اليونان، وهو الاتفاق الذي يعتبره أنصار الرئيس دليلاً على النفاق الأوروبي في جانب حقوق الإنسان والحريات.

أما في الجانب الداخلي، فستعطي نتيجة الاستفتاء حرية أكبر لإردوغان للاستمرار في سياساته الإقصائية والتعسفية اتجاه المعارضة والإعلام المناهض لسياساته.

حيث قامت الحكومة حتى الآن بفصل عشرات الآلاف من الموظفين والمسئولين في القطاع الحكومي والتعليمي والجيش والشرطة والقضاء بحجة تعاطفهم أو انتمائهم لجماعة فتح الله غولن المتهمة بالقيام بمحاولة الانقلاب الفاشلة في تموز الماضي، ويشمل قرار الفصل العديد من المعارضين للرئيس الذين لا يمتون بصلة إلى جماعة غولن، من ضمنهم أساتذة جامعة معارضون لتعديل الدستور أو استعمال الحل العسكري في المناطق الكردية.

ذلك بالإضافة لوجود حوالي 150 صحفي في السجون التركية بحسب إحصائات الحزب الجمهوري المعارض في كانون الثاني، ما يجعل من الحكومة التركية أكبر سجان للصحفيين في العالم، متقدمة على الصين ومصر، والاعتقالات التي طالت كوادر وقيادات حزب الشعب الديمقراطي، حيث تم القبض منذ أشهر على قائديه الاثنين وزجهما في السجن.

تكليل لحلم إردوغان

أما بالنسبة لإردوغان نفسه، يعتبر الانتصار في الاستفتاء الدستوري تكليلاً لمشوار طويل على رأس منظومة الحكم التركية تضمنت طموحاً لا يكل ولا يمل في تجميع أوجه السلطة ومقاليد الحكم في تركيا.

فهو الآن يتربع على رأس مؤسسة حكومية وقضائية وإعلامية شبه خالية من المعارضين بعد تقليم جماعة غولن والجيش وبقية أجهزة الدولة والمنظمات الإعلامية، ولم يعد هناك منازع على السلطة قد يشكل خطرا على مركزه فوق هرم الدولة التركية. فإردوغان الآن ينازع أتاتورك على مقام أهم شخصية سياسية في تاريخ تركيا المعاصر.

مراسل الشرق الأوسط في صحيفة الغارديان البريطانية

كلمات مفتاحية
تركيا

التعليقات

المقال التالي