أبرز عشر نكبات في تاريخ بيروت

أبرز عشر نكبات في تاريخ بيروت

بعد أن انقشع غبار الحرب الأهلية عن لبنان، سارت عجلات السلم الأهلي المفترض، وعادت أساطير الفينيقيين لتجد لها مكاناً في أدبيات المرحلة الجديدة لتصف نهوض البلاد من دمارها.

غير أن قيامة العاصمة بيروت بالذات لم تحتَج الى أسطورة، بل بدت وكأنها أمر عادي بالنسبة لمدينة اعتادت لملمة جراحها بنفسها، وإن كلفت قيامتها الأخيرة خلافات سياسية وبضعة مليارات من الدولارات لزوم عمليات التجميل تبعاً لما لحق بها من تشويه خلال الحرب.

تعرضت بيروت في تاريخها الطويل للدمار بفعل الكوارث الطبيعية والأعمال الحربية عشرات المرات، وكذلك للنكبات الاجتماعية والصحية التي قضت على عدد كبير من سكانها، غير أنها في كل مرة كانت تنهض من كبوتها لتعود درة الساحل الفينيقي كما كانت تسمى، وإن بطرق أقل رومانسية من أسطورة طائر الفينيق الذي يقوم من تحت الرماد.

من الصعب حصر عمق جراح بيروت في نكباتها، ولأن المدن صدى لهمسات سكانها، تم الركون في اختيار الأحداث إلى عشر نكبات جماعية تركت آثاراً معنوية كبيرة على سكان المدينة، وتناقلتها الألسن لفترات طويلة، بدلاً عن حجم التأثير المادي للكوارث والأحداث من حيث عدد الضحايا.

وتبعاً لأن الذاكرة الجماعية اللبنانية الحديثة لا تحتمل أكثر من مروية واحدة عن الأحداث الأمنية والداخلية المعاصرة، يتوقف الترتيب الزمني عند استقلال لبنان، كي لا يتحول كاتب هذه المقالة إلى سبب لنكبة جديدة.

زلزال 551 والمدرسة الحقوقية

تعاقبت الهزات الأرضية على طول الساحل الفينيقي، منذ عام 490 حتى عام 520 ميلادي، وأتت على معظم مدينتي صيدا وصور، غير أن تأثيرها على بيروت لم يكن كارثياً، حتى أتاها زلزال عام 551 ميلادي ليدكها من أساسها، ويزهق أرواح ما يزيد عن 40 ألفاً من سكانها.

من أبرز نتائج هذا الزلزال أنه دمر مدرسة بيروت الحقوقية الرومانية الشهيرة، وأغرق حجارتها في باطن الأرض ومعها أرشيف المدرسة من المناظرات والمحاضرات. وبرغم المأساة العظيمة، عادت المدرسة الحقوقية إلى بيروت عام 554، بعدما نُقلت مؤقتاً إلى صيدا.

حريق 560 المدمر

لم تكد بيروت تستعيد أنفاسها بعد الزلزال، حتى أتاها حريق مدمر عام 560 للميلاد. بدأ الحريق في إسطبل للخيول في الجهة الجنوبية الغربية للمدينة، وسرعان ما امتد إلى كل أرجائها، محولاً المدينة إلى كتلة من الخراب، فقد امتدت ألسنة اللهب إلى غابتها الصنوبرية التي تحاصرها، فخنقت المدينة بمن فيها، وحولت معاهدها ومؤسساتها إلى أطلال.

ولأن الرومان كانوا قد صرفوا الكثير على إعادة إعمارها بعد الزلزال، أعرضوا عنها هذه المرة، فبقيت لسنوات طوال دون عمران. نظم الشاعر أغناطيوس، الذي كان من تلامذة معاهدها، قصيدة على لسانها تقول "في ظلال تسع سنوات رماني فولكان (إله النار - ويقصد الحريق) بسهامه المتقدة بعد أن صدمني نبتون (إله البحر - ويقصد المد البحري بعد زلزال 551) بتياره الجارف، أسفي على بهائي الرائع، كيف طمسه الدهر، وأحالني إلى رماد... فيا عابري الطريق، ابكوا لسوء حظي، واندبوا بيروت المضمحلة".

المذبحة الإيطالية 1110

كان قادة الحملات الصليبية يمرون قرب بيروت في كل مرة دون احتلالها، وكانت المعارك تجري على تخومها، غير أن بولدوين ملك القدس كان قد عقد العزم على دخول المدينة، فجهّز لها جيشاً كبيراً وحاصرها أحد عشر أسبوعاً دون أن يدخلها، ولما لم تحضر النجدة من مصر عن طريق البحر، ركب حاكم المدينة قارباً وأبحر فيه تحت ستار الليل إلى قبرص.

بغياب الحاكم، ثار أهالي بيروت على قادة العسكر فيها لنقص المواد الغذائية في المدينة، وحصلوا على وعد من بولدوين بالأمان في حال فتحت أسوارها، لكن الأخير وفور دخوله نكث بوعده، وأباح المدينة أمام أفراد أسطول بيزا وجنوى، يعيثون فيها الخراب والدمار قتلاً واغتصاباً، على مدى شهرين.

وما عمّق جراح أهل بيروت، زلزال آخر ضربها عام 1261 كان من القوة بحيث فصل الصخور عن قاعدتها، ومن نتائجه صخرة الحمام التي يعرفها اللبنانيون بصخرة الروشة التي كانت جزءاً من البر قبل ذلك.

أقوال جاهزة

شارك غرد10 نكبات تركت آثاراً معنوية كبيرة على سكان بيروت، وتناقلتها الألسن لفترات طويلة

شارك غردالوبا والفنا عام 1760 ونكبات أخرى... سمى أهالي بيروت الكوليرا "الوبا" (الوباء) والطاعون "الفنا" (الفناء)

الوبا والفنا 1760

سمى أهالي بيروت والساحل مرض الكوليرا "بالوبا" أي الوباء لسرعة انتشاره، أما الطاعون فقد أسموه "الفنا" أي الفناء، لأنه كان يفتك بأعداد كبيرة من البشر، لذا لما بدأ انتشاره من عكا باتجاه الداخل السوري ومنه إلى الساحل اللبناني، كانت بيروت قد احتاطت للأمر بعزل المصابين والناجين كل على حدة، وأقفلت العائلات بيوتها على نفسها، لكن هذا لم يمنع تفشي المرضين، ولأن الاحتياطات الدوائية والعلاجية لم تتوفر كما يجب، فقد نال المرضان من عدد كبير من سكان المدينة، خاصة من العائلات التي اعتمدت علاجات دينية وبدائية، وبحلول نهاية شهر أيلول سبتمبر من العام 1760، تجاوز عدد الموتى 350 شخصاً.

كنيسة أبو عساكر 1760

لا يعرف مكان تلك الكنيسة بالتحديد، لكن المعلوم أن أحد وجهاء البيارتة من الروم الكاثوليك من آل عساكر قد تبرع ببنائها، وقيل إن التكلفة بلغت مئات الآلاف من العثمليات (العملة المتداولة حينها)، وحين انتهى البناء واستقرت الكنيسة على حالتها المزخرفة بالزجاج الملون، اجتمع المؤمنون للصلاة فيها بمناسبة الصوم الكبير، لكن خطأً ارتكبه مهندس البناء في حسابات الأوزان أدى إلى انهيار القبة، وبعدها جدران الكنيسة على من فيها، وقضى في الحادثة حوالي مئة وعشرين شخصاً من المحتشدين داخلها.

الأحداث الطائفية 1794

قبض الأمير بشير الشهابي على رجل من قرية زرعون الجبلية التي تبعد حوالي 30 كيلومتراً عن بيروت بشبهة قتل أحد البيارتة، وأرسله إلى بيروت وسلمه إلى عسكر أحمد باشا الجزار، فحكم عليه بالإعدام وشنق في بيروت، ولما غادر الجزار المدينة نزلت مجموعة من أهالي زرعون إلى بيروت وخطفت أحد سكانها وقتلته ثأراً، ولما طاردها البيروتيون ولم يفلحوا في اللحاق بها، أداروا عجلة الانتقام نحو المسيحيين من أبناء الجبل المقيمين في بيروت، وقتلوا منهم ما يزيد عن مئة شخص خلال أسبوعين.

انهيار بناية أياس 1901

في أيار من العام 1901 استفاق أهالي بيروت قرابة الخامسة صباحاً على صوت تردد صداه في أرجاء المدينة، ولما انجلى الغبار القادم من صوب باب إدريس تكشفت الكارثة عن انهيار بناية أياس المؤلفة من ثلاثة طوابق على من فيها من عائلات وأطفال، تخطى عدد الضحايا الأربعين، منهم 15 من عائلة واحدة كانت تقيم في الطابق الأخير، فيما لم يتم انتشال أي ناجٍ من تحت الأنقاض.

السبت الأسود 1903

مساء السبت من شهر أيلول سبتمبر عام 1903 كان أحد العمال عائداً إلى منزله الكائن في محلة كورنيش المزرعة، وكان أعرج ويتوكأ على عصا، وبمروره في البسطة تعرض للسلب والضرب وطعن بسكين، غير أنه تحامل على جراحه حتى وصل إلى المزرعة وخر ميتاً، فهاج سكان المزرعة وتنادوا للانتقام من أهالي البسطة.

اشتعلت المعارك بالسلاح الأبيض في الأزقة والشوارع الضيقة حتى ساعات الصباح الأولى، فكانت الحصيلة نحو عشرة قتلى وعدد مضاعف من الجرحى، ولتلافي أي ردة فعل من السلطات العثمانية بحق المدينة، تداعى وجهاء بيروت لحقن الدماء، وصدرت الصحف في اليوم التالي تحمل صورة وثيقة الصلح ممهورة بخاتم وجهاء المحلّتين.

حريق كازاخانة المدور 1904

كان مقر كازاخانة بيروت في منطقة المدور قرب الأشرفية، والكازاخانة هي الكلمة المعربة محلياً عن اللغة التركية أي مستودع الكاز، وهي مادة المحروقات الأساسية في ذلك الوقت، كان مقر الكازاخانة يضم مئات البراميل الضخمة التي تكفي حاجة المدينة، ويحضر إليها البائعون مع خزاناتهم التي تجرها الحمير ليوزعوها بالمفرق على السكان.

حدث في إحدى الليالي أن سقط قنديل الكاز في إسطبل الحمير التابع لها، وانتشرت النيران بسرعة، وامتدت إلى مستودعات الكاز وأحرقتها، وإلى المباني والقصور المجارة، واستمر الحريق يومين قبل السيطرة عليه، ولم يسلم من تبعاته سوى كنيسة القديس يوسف كونها لم تكن تتصل بمبان أخرى، وحرمت المدينة من الكاز لأشهر طويلة، جرى بعدها الاعتماد على التجار بدلاً من مستودع التخزين.

اللافت في الحادثة أن بعض قيود مواليد ذلك اليوم حملت في خانة الميلاد "يوم حريق الكازاخانة" بدلاً من التاريخ.

إعدامات 1915 و1916

تركت حقبة جمال باشا (المعروف بالسفاح) أثراً كبيراً على بيروت وأهاليها، إذ لم تكن المدينة قد شهدت على هذا الكم من الإعدامات العلنية في تاريخها، فقد قام الديوان العرفي الذي أنشأه جمال باشا في عاليه بالحكم على رجالات الجمعية الإصلاحية وغيرهم من المناضلين ضد الحكم العثماني بالإعدام شنقاً، ونصبت المشانق في تواريخ مختلفة في بيروت ودمشق.

بدأت الإعدامات في أغسطس من العام 1915 في ساحة البرج وسط بيروت (ساحة الشهداء اليوم)، ثم تبعتها قافلة أخرى في السادس من مايو عام 1916 في المكان ذاته، وهو اليوم الذي يحتفل فيه لبنان بعيد الشهداء، واستمرت الإعدامات بشكل منفرد حتى نهاية 1916.

عماد بزي

ناشط اجتماعي وإعلامي، وخبير في تقنيات المناصرة، مؤسس نظرية Empower للتدريب على كسب التأييد، له كتابين بعنوان "خلف أسوار بيروت" و"فوق أرض لبنان".

كلمات مفتاحية
بيروت

التعليقات

المقال التالي