لغز يهوذا الإسخريوطي: "خائن" أم ساذج أم مُفترى عليه؟ 

لغز يهوذا الإسخريوطي: "خائن" أم ساذج أم مُفترى عليه؟ 
قبلة يهوذا للمسيح، من لوحة لـJean Bourdichon

هو أشهر تجسيد لصورة "الخائن" في التاريخ الديني للبشرية. من دون وشايته بسيده، يسوع المسيح، ما كان للأخير أن يصلب. ما كان "لخطة الخلاص" التي قامت عليها الديانة المسيحية أن تقوم لها قائمة.

في المقابل، ورغم ما تظهره الأناجيل من أن المسيح كان يعلم بخيانة يهوذا له، فإنه لم يفعل شيئاً للاحتراز من هذه الخيانة. بالعكس، اعتبرها ضرورية لتتميم ما جاء في الكتب، وفي نفس الوقت تمنى لو أن هذا الرجل لم يولد من الأساس.

كان هذا مباشرة بعد أن غسل قدميه أسوة بالرسل الآخرين، وفيما هو يتناول العشاء الفصحي معه، في حين انقسم اللاهوتيون منذ فجر المسيحية، بين من اعتبر يهوذا قد انسحب من العشاء السرّي قبل سرّ المناولة الأولى، حين تناول الرسل الخبز المغمّس بالنبيذ من يد المسيح، وبين من اعتبره اشترك في هذه المناولة، وبين من اعتبره قد نال حصته منها من دون أن يضعها في فمه، ما دام الشيطان صدّه عنها.

محروم من الغفران؟

يهوذا الإسخريوطي لغز محيّر في تاريخ المسيحية. دافعه لخيانة معلّمه ليس بديهياً إلى الدرجة التي نتصوّرها.

هل فعلاً من أجل ثلاثين من الفضة؟ هل ندم على فعلته، فأعاد المال إلى كبار الكهنة الذين رفضوا إعادتها لخزانة الهيكل، كونها كانت ثمناً للخيانة، واشتروا بها قطعة الأرض "حقل الدم" لتكون مقبرة للغرباء، فشنق يهوذا نفسه فيها بحسب إنجيل متى؟ أم أنّه كابر ولم يندم، واشترى "حقل الدم" بنفسه ولنفسه، لينزوي فيه، ولم ينتحر شنقاً، بل عوقب ربانياً بمرض مزّق أمعاءه ليس له شفاء، كما جاء في أعمال الرّسل؟ هنا، يرجّح المؤرخ ديفيد فلوسر أن يكون الإسخريوطي قد اختفى بكل بساطة بعد تسليمه المسيح لأنّه كان سيتعرّض للقتل من قبل كثيرين ما كانوا ليتسامحوا مع تسليم يهودي لآخر إلى الرومان.

هل يشفع الندم ليهوذا على فعلته أم العكس؟ بالنسبة للبابا السابق بندكتس السادس عشر، مثلاً، عذاب يهوذا كان مضاعفاً من خلال ندمه هذا: أولاً ليأسه من إمكان الغفران بعد الوشاية، وثانياً لعدم فهمه أن الغفران كان متاحاً له مثل سواه، هذا بخلاف بطرس الذي أنكر المسيح ثلاثاً قبل صياح الديك ولكنه آمن بأن السيد سيغفر له، وكذلك الرسل الباقين الذين سارعوا إلى النوم بدل اليقظة إلى جانب السيد قبيل القاء القبض عليه.

في المقابل، نجد أرنست رينان يحاول أن يعيد ليهوذا بساطته وسذاجته. نعم، لقد خان سيده، لكن ليس لدواع جهنمية، ولا اندراجاً في خطة خلاصية، بل كواحد من هؤلاء الأناس العاديين الذين يسهل على السلطات الخبيثة أن تجبرهم على التعاون معها بمزيج من الابتزاز والتغرير، وليست لديهم الخبرة في كيفية الحيلولة دون ذلك.

أقوال جاهزة

شارك غرديهوذا، أشهر تجسيد لصورة "الخائن" في التاريخ الديني للبشرية، ولغز محيّر في تاريخ المسيحية

أمين صندوق فاسد أم أمين لقناعاته؟

يختلف يهوذا عن باقي الحواريين في أنّه من قرية واقعة جنوب القدس، في حين أن الآخرين من الشمال من الجليل ما يعطي المجال لتفسير "مناطقي" للمشكلة بين باقي الحواريين وبين يهوذا، فيكون الأخير بالتالي ضحية لتوجيه اتهامات ضدّه بعد حادثة الصلب مبنية على شبهات مختلطة بحزازيات مناطقية، أخذت بها أناجيل العهد الجديد.

يذكر يهوذا عشرين مرة في "العهد الجديد". دائماً بشكل سلبي. كشخص خان سيّده وتعاون مع رؤساء الكهنة لاعتقال المسيح في ظلام الليل، استباقاً لأي متاعب قد يسببها الأخير لرؤساء الكهنة خلال الفصح اليهودي. أما الإسخريوطي، لقبه، فإما أن المقصود منه نسبة إلى بلدة "قريوت" جنوب اليهودية، وإما أنها تعني "المزيّف" أو "المسلّم" (من سلّم المسيح).

وفي "انجيل مرقس"، يهوذا هو الذي يمضي إلى رؤساء الكهنة بنفسه ليعرض الوشاية، و"لما سمعوا فرحوا ووعدوه أن يعطوه فضة"، أي لا يظهر هنا أنه هو من طلب المبلغ، ولا يعرف بالتالي بشكل واضح دافعه إلى الغدر.

أما في "إنجيل متى" فالإشارة أوضح إلى أنّ الوشاية كانت طمعاً بالمال، هذا في حين يعيدها "إنجيل لوقا" إلى تسلّل الشيطان إلى يهوذا وتحكمه به، وفي المقابل نجد "إنجيل يوحنا" يشير إلى أن المسيح كان يعرف من قبل أن أحد الأثني عشر شيطان: "أليس أني أنا اختركم، الاثني عشر، وواحد منكم شيطان" (6، 70).

من بين الحواريين الإثني عشر، كان يهوذا أمين صندوق الجماعة، ويتهمه "إنجيل يوحنا" بأنه كان يختلس من هذا الصندوق. الإنجيل نفسه يتحدّث عن ذلك في سياق مجادلة بين يهوذا وبين المسيح. فيهوذا يعترض على قبول المسيح أن تدهن مريم أخت اليعازر قدمي المسيح بطيب غالي الثمن، ويسأل لماذا لم يبع هذا الطيب ويعط ثمنه للفقراء. جواب المسيح: "لأن الفقراء معكم في كل حين أما أنا فلست معكم في كل حين". كان هذا قبل الفصح بستة أيام.

يوحنا الإنجيلي يعلّل اعتراض يهوذا على أنه كان يتذرّع بالفقراء كي يجني ثمن بيع الطيب، "لأن الصندوق عنده، وكان يحمل ما يلقى فيه" (12، 6). لكن ماذا لو كان يهوذا شعر فعلاً بأنّه من الأفضل أن يصرف ثمن الطيب للفقراء من أن يدهن به قدمي سيده؟ النص لا يردم تماماً هذا السؤال، ويعطي المجال للتفكير بأنّ وراء وشاية يهوذا بسيده تبدّلاً في القناعة أيضاً، وهو ما يتقاطع مع فرضية أخرى، كان لها باع طويل في تفسير ما فعله يهوذا، وتعتبره أقرب إلى طائفة "الغيورين" (الزيلوت) التي كانت تأخذ على المسيح والرسل الجليليين "سلميتهم" في مواجهة الرومان، وغربتهم عمّا يعانيه شعب منطقة اليهودية.

انجيل يهوذا المنحول: الوشاية بناء على طلب المسيح

صورة مختلفة تماماً عن يهوذا الإسخريوطي ستخرج إلى العلن مطلع هذه الألفية وتثير جدلاً واسعاً وتستأثر باهتمام الرأي العام المسيحي لفترة. إنّها الصورة المنبعثة من مخطوطات قبطية جرى اكتشافها في محافظة المنيا بمصر عام 1978، وهي مخطوطات كانت بحالة رديئة زادت مع تلفها أكثر بفعل انتقالها من مهرّب آثار إلى آخر.

عام 2006، خرجت إلى العلن مخطوطات ستضع علامات استفهام على ما ورد في أناجيل العهد الجديد: هل حقاً خان يهوذا المسيح؟

تضمّنت هذه المخطوطات ما سيعرف بـ"إنجيل يهوذا" المنحول (أي الذي لا تعترف الكنائس القائمة أنه جزء من العهد الجديد، وإن بات الرجوع إلى هذه المنحولات أمراً لا مفر منه بالنسبة لاختصاصيي تاريخ المسيحية) الذي جرى ترميمه بعد عقدين، وستتكفل مجلة "ناشيونال جيوغرافيك" في التسويق له وطرحه على أوسع نطاق عام 2006.

يعود هذا المخطوط إلى أواخر القرن الثالث الميلادي، من أصل يعود بدوره إلى القرن الثاني الميلادي، لواحدة من الجماعات الكثيرة التي، مع قولها بأن المسيح هو المخلّص، اعتبرت أن الخلاص لا يكون لا بالإيمان ولا بالأعمال، وإنّما بالمعرفة – الغنوص – أو العرفان، أي معرفة سرّ هذا العالم، وسرّنا في هذا العالم، وسرّ الإله الآتي إلينا لهدف "سرّي" للغاية.

600px-Codex_Tchacos_p33
يقدّم هذا المخطوط نفسه كـ"محضر سري" لحوار بين يسوع ويهوذا في الأسبوع السابق على اعتقال المسيح وصلبه. في هذا المخطوط، يهوذا هو الوحيد بين الرسل الذي يعرف حقيقة يسوع، وأنّه قادم من عالم آخر، بريء من عالم المادة، والمسيح يطلب منه في المقابل أن يعينه على تخليص ذاته من غلاف اللحم البشري الذي يحتجزها، كي يتمكن من العودة إلى ذلك العالم الآخر، العالم الذي أتى منه ليتمكن من إنقاذ الشرارات الإلهية التي تسرّبت إلى عالمنا الرديء هذا، والمحتجزة في أبدان بشرية، ومنها بدن يهوذا نفسه، الذي سيكافأ بدوره بالنبذ والموت، للعودة إلى العالم البريء من الخلق.

يجدر التنبيه هنا إلى أنّه وجدت أيضاً قراءة مخالفة لهذه المخطوطة، انتقدت التسرّع في طريقة ترميمها، وفي الترجمة المختارة لكلماتها، وفي الوصل بين أجزائها، والقفز فوق الأجزاء المفقودة. بقي أنّ صورة يهوذا كمنفّذ لطلب المسيح تخليصه من الغلاف البشري طغت على ما عداها عند نشر هذه المخطوطة والتداول بشأنها.

أعطت هذه الصورة معنى آخر لـ"قبلة يهوذا" التي طبعها الواشي على خد معلّمه بحسب أناجيل "العهد القديم"، "الذي أقبله هو هو أمسكوه" (مرقس، 14، 44). كما لو كانت أشياء كثيرة متضاربة تتمازج في هذه القبلة.

وإذا كان "إنجيل يهوذا" يعرض "محضراً سرياً" للتنسيق بين يهوذا والمسيح على تسليم الأول للثاني، فإنّ السردية الإسلامية عن المسيح تعتبر أنّه قد صلب شخص آخر غيره. وقد اختلفت الروايات بشأن هوية الشخص الذي صلب بدلاً عن المسيح واسمه، وبعض هذه المرويات اعتبر أنّ يهوذا الإسخريوطي هو اسم الذي صلب بدلاً منه.

كلمات مفتاحية
شيفرة دينية

التعليقات

المقال التالي