لذّة الأعياد في قطعة صغيرة من الحلوى

لذّة الأعياد في قطعة صغيرة من الحلوى

ترتبط مواسم الأعياد في الشرق الأوسط والعالم العربي بالمعمول أو كعك العيد. ولا نبالغ في القول إن بهجة العيد لا تكتمل بدونهما. وهذا ينطبق على عيد الفطر لدى المسلمين وعيد الفصح لدى المسيحيين، وليس أدل على ذلك من المثل المصري "بعد العيد مينفتلش كحك" أي ما نفعه إذا انقضى العيد.

ويعلن المخبوز القديم والغني بالزبد والمحشو بالمكسرات أو التمر، والمحلى بالسكر المطحون، عن قدوم مواسم الأعياد، ويقدم كمكافأة لذيذة عقب شهر رمضان أو الصوم الكبير.

infograph-maamoul-prices

مصدر بهجة وتفاخر

يقول متري موسى صاحب متجر "حلويات السلام" الشهيرة ببيروت لشبكة NPR: "أصنع المعمول في الشتاء إلا أن الإقبال الأكبر عليه في عيد الفصح؛ فبعد فترة من تخلي المسيحيين عن منتجات الألبان والسكر واللحوم خلال الصوم الكبير يصبح المعمول "مكافأة ترحيبية" رائعة بالفصح".

قبل أسابيع من الفصح يتحول محل موسى لمصنع للكعك فقط، ويجهزه من نوعين من السميد، بإضافة ماء الورد وزهر البرتقال لحشوة الفستق أو اللوز، ويستخدم قوالب خشبية عتيقة لتشكيل العجينة بسرعة كبيرة.

أما سوسن أبو فرحة، المدونة الغذائية الشهيرة والمعروفة بالشيف المتنكر، فتوضح أنه يتم إعداد الكعك قبل أيام من عيد الفطر ويخزن ليقدم مع القهوة العربية والشوكولاته للزائرين خلال أيام العيد الثلاثة، ويتبادل الأقارب والجيران أطباقاً منه أيضاً.

"لا يهم كون الكعك مشترى أو مصنوعاً بالمنزل، لكن لا يمكن أن تزور منزلاً في العيد ولا تجد هذا المعمول". تضيف أبو فرحة وتردف: "بالطبع إذا كان مصنوعاً بالمنزل يصبح مصدر تفاخر بين النساء لجودة صناعته كما يتم تبادل الوصفات الأذكى والأشهى".

وتتذكر أبو فرحة كيف كان إعداد المعمول أمراً مبهجاً في صغرها حين كان نساء وأطفال العائلة يجتمعون في ثلاثة تجمعات، الأول يقوم بالعجن وإعداد الحشوة، والثاني يقوم بتشكيل العجينة وحشوها، والثالث يتولى الخبز وتحمل لهب الفرن خاصة في الصيف، موضحةً أن الجميع كانوا ينشغلون بالأحاديث والضحك دون أي امتعاض.

وفي حين يحتفظ كل شيف بـ"أسرار" وصفته المميزة للمعمول، يتفق الجميع على أن "العمل بحب" أثناء إعداده يمنحه مذاقاً مميزاً يضاف لجودة المكونات.

اختلاف التسمية والمكونات

لهذا المخبوز التراثي أسماء عدة. يسميه المصريون كعكاً أو كحكاً، وهو معمول في الشام والخليج، وكومب في تركيا، وكليجة في العراق، وأحياناً "خفيفي" إذا كانت الكليجة بدون حشوة.

وغالباً ما يصنع الكعك من دقيق القمح أو السميد أو من كليهما، وبعد العجن بالزبد يوضع في قوالب خاصة تمنحه النقوش التقليدية، مع رش ماء الزهر أو زهر البرتقال في الحشوة الخاصة به لتمنحه رائحة زكية، في حين تجهز الحشوة له من التمر أو العجوة - تسمى العجامية في مصر - والجوز والفستق، والملبن، بالإضافة إلى الدقيق والسميد والسمن أو الزبد.

Intext-Maamoul2

فلسفة ومعتقدات مرتبطة به

وكما أن حكمة الصيام تبدو شاقة لمن ينظر من الخارج ولكن في جوهرها الكثير من الفوائد والعبر، فالكعكة من الخارج تبدو غير محلاة لكن حشوتها طيبة المذاق، ويعتقد أن هذا سبب مكافأة الصائم بالمعمول، حسبما تقول أبو فرحة.

المجتمع اليهودي أيضاً في الشرق يحب المعمول ويرتبط لديه بـ"عيد المساخر" الذي يحتفل خلاله بنجاة الشعب اليهودي من مؤامرة هامان لإبادتهم في بلاد فارس القديمة، ويعتقد أن الملكة إستير بطلة القصة اضطرت لإخفاء أصلها اليهودي، لذا جرى العرف بين اليهود بتناول حبات المعمول التي تخفي حشوتها اللذيذة داخلها.

البداية فرعونية

وترجع صناعة المعمول إلى المصريين القدماء إذ وجدت رسوم موضحة لمراحل إعداده على جدران معابد منف وطيبة، وكانوا يقدمونه في المناسبات السعيدة وفي زيارة المقابر ويضعونه مع الميت، كزاد لاعتقادهم بالحياة بعد الموت.

يقول حجاجي إبراهيم، أستاذ التاريخ بجامعة طنطا والخبير الأثري، لرصيف22: "الفراعنة أول من صنعوا الكعك. لا تزال النقوش التي تُرسم عليها حتى الآن تشبه قرص الشمس، كما فعل الأجداد للإشارة إلى "أتن" أو "آتون" وهو إله الشمس أو الإله المنير كما كانوا يطلقون عليه".

ويضيف: هنالك رسوم ونصوص على جدران مقبرة رخنيرع بمقابر الأشراف بالأقصر خلف دير المدينة، توضح مراحل صناعة الكعك من عسل النحل.

ازدهار في العصر القبطي

استمر هذا الطقس في العصر القبطي، حتى أن كلمة "كعكة"، التي لا تزال تطلق عليه الآن، هي قبطية، وكان الكعك يقدم في اليوم الأول في شهر توت، أول الشهور القبطية، الذي يتزامن مع "عيد الشهداء" بحسب إبراهيم.

ويستطرد: كان هناك نوعان آخران من الكعك: "مابسوس" والكلمة قبطية تعني مكان يسوع، وهو يشبه الكعك لكن لا ترسم عليه الشمس بل كلمة "إيسوس" التي حرفت لمابسوس، وكعكة رُسمت عليها عين بطة سميت "هريسة"، أصلها الهيروغليفي "آريسا" وآري بمعنى عين، وسا بمعنى بطة.

أما في العصر الإسلامي، فكان أول ظهور للكعك في العهد الطولوني، فكتب عليه "كل واشكر" أي أشكر الحاكم، فكانت الأدعية تقال على جبل "تشكر"، الذي أسس عليه جامع "أحمد ابن طولون"، وكانت هناك قوالب خاصة له لا يزال بعضه في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة.

بعدها ظهرت "الأنطولة" في العصر الأخشيدي، وهي كعكة بها دينار من الذهب، وقد تأثر العثمانيون بهذا الطقس فيما بعد فوضعوا الذهب في كفتة "داود باشا" خلال فترة حكمه، بحسب قول إبراهيم.

والفاطمي أيضاً

إلا أن الازدهار الأوسع لذلك التقليد كان في عهد الدولة الفاطمية، فخُصص مبلغ 20 ألف دينار لصناعته، وعكفت المخابز والمصانع على صناعته وحده بدءاً من النصف من رجب، وتطور الأمر فأسست "دار الفطرة" لصناعة الكعك فقط.

اهتم الفاطميون بالحلوى والكعك بشكل خاص، فظهرت "كعكة العَبّاد" وكانت توزع عند الاحتفال بذكر الحسين شهيد كربلاء، وبعد أن قضى صلاح الدين الأيوبي على الدولة الشيعية سعى للقضاء على "البدع" التي نشروها. وعندما عجز عن القضاء على ارتباط المصريين بها، سعى لتغيير الاعتقادات بها، فجعل أطباق "العاشوراء" مظهراً للفرح وليس الحزن، ولم يؤثر على صنع الكعك، فانتقل هذا الطقس المتوارث للبلدان العربية والإسلامية، والكلام هنا لإبراهيم أيضاً.

لا يزال المصريون يحرصون على صناعة الكعك في الأعياد والأفراح، كما يعدون "القرص"، وهو نوع من الكعك، لكن أقل تكلفةً ودسامة، يتم توزيعه على رواد المقابر كما فعل أجدادهم الفراعنة، ويُعرف بـ"رحمة ونور".

سامية علام

محررة صحافية مصرية مهتمة بشؤون المرأة والمجتمع

التعليقات

المقال التالي