اتهامات بالجهل والدموية وحديث عن بشرية القرآن: كيف يدافع المسلمون عن دينهم؟

اتهامات بالجهل والدموية وحديث عن بشرية القرآن: كيف يدافع المسلمون عن دينهم؟

"الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟". بهذه العبارات المنسوبة إلى أعرابي مجهول يرد معظم الدعاة الإسلاميين على مَن ينكر وجود الله، وعلى وجوههم ابتسامات عريضة تنم عن شعورهم بالانتصار السهل.

غير أن الصراع الفكري بين الدعاة واللادينيين تجاوز مسألة إثبات وجود الله، كونها ليست مرتبطة بالإسلام فقط أو بأي من الأديان الأخرى، بل هي مرتبطة بفكرة الخلق.

وبينما تتجه إجابة الأعرابي المجهول إلى القول بوجود خالق خارق للعادة لهذا الكون، يقول الكثير من الملحدين بأن دفقة الطاقة الأولى تغني عن فكرة "الله"، وهكذا تتوقف المناقشات عند السؤال الشهير "أيهما أسبق وجوداً: البيضة أم الدجاجة؟".

ولكن يبقى السجال حول انتقادات كثيرة يوجهها اللادينيون للإسلام، فكيف يتعامل معها المسلمون؟

الإسلام والعلم

النظرية الأشهر التي يراها كثيرون من الدعاة التقليديين "ساذجة" مهما قدم الباحثون من أدلة على صحتها، هي نظرية النشوء والارتقاء (تطور الأنواع) التي أسس لها تشارلز داروين قبل قرنين من الزمان، ويكون الرد عادة من المصحف نفسه، وتحديداً بالآية القائلة "ولقد كرمنا بني آدم" ومن ثم فمن غير المعقول أن يكون الإنسان "أصله قرد".

وإن كان الداعية السعودي محمد العريفي، كغيره من السلفيين، يحصر نظرته في إطار العلوم الشرعية، كما هو واضح من الفيديو السابق، فإن الداعية الشيعي ياسر الحبيب يحاول أن يقدم تفصيلاً لمسألة التطور من خلال التأمل في البيئة، ويخلص إلى أنه يمكن قبول النظرية جملة، ولكن في التفاصيل لا يمكن قبول أن هناك أصلاً واحداً لكل الكائنات الحية، ويشير إلى أن داروين نفسه لم يكن ملحداً، وبالتالي فهناك إشكالية في الطرح.

أما المفكر الإسلامي المطلع على العلوم، الدكتور مصطفى محمود، فيحاول الابتعاد عن المنطق الديني، ظاهرياً على الأقل، وهو يعلق على نظرية التطور، ويقول إن الأساس الذي بنى داروين عليه نظريته وهو "البقاء للأصلح" غير صحيح، بدعوى أن هذا المبدأ لا يفسر تطور الكائنات على مستوى جمال المنظر، كانحدار الحصان من الحمار، وكتحول اليرقة من حشرة إلى فراشة، وخلص من ذلك إلى أن الكون يتعرض لـ"التطوير" بفعل الله، وليس "التطور" من تلقاء نفسه.

على الجانب الآخر، نجد من المفكرين مَن يحاول التوفيق بين ما جاء في المصحف وما يقوله العلم الحديث، ومنهم الداعية الجنوب إفريقي أحمد ديدات، الذي اشتهر في الأوساط الغربية، فهو يشير من بعيد إلى أن آية "وجعلنا من الماء كل شيء حي"، تتسق مع النشوء والارتقاء، كما أن نظرية "الانفجار العظيم" تتسق مع آية "أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما".

خارج كل هذه الأسراب، يحلق المفكر السوري محمد شحرور وحيداً، إذ يرى أن "التطور" حقيقة إيمانية بنص المصحف، وجمع آيات خلق آدم الذي يؤمن المسلمون بأنه أبو البشر وأن الله خلقه مباشرة، واستنبط منها أن "آدم" اسم جنس، وأن الله اصطفى من هذا الجنس ذكراً وأنثى "آدم وحواء" وأعطاهما المعرفة "نفخة الروح" ليتحولا من المملكة الحيوانية "البشرية" إلى الإنسانية.

بشرية القرآن vs الإعجاز العلمي في الوحي

أقصر طريق لانتقاد دين هو نقض كتابه المقدس، ولطالما جادل اللادينيون بأن القرآن هو كتاب بشري لا علاقة له بما يسميه المؤمنون "الوحي". فبعضهم ينسبه إلى النبي محمد نفسه، وبعضهم يقول إن قسماً كبيراً منه كتبه آخرون.

في المقابل، دأب دعاة كثيرون على الحديث عما أسموه "الإعجاز العلمي في القرآن" وربطوا آيات ومفردات قرآنية بنظريات واكتشافات علمية حديثة، للتدليل على أن القرآن وحي أنزله الله باعتباره العليم بكل الأمور.

ولعل أكثر الدعاة شهرة في هذا المضمار الداعية السني الدكتور زغلول النجار، وهو يقول مثلاً إن القرآن تحدث عن سر الجاذبية العظمى التي هي مجموع الطاقات النووية الكبرى والصغرى والكهرباية والمغناطيسية إلى جانب طاقة الجاذبية، فيشير إلى أن الحديد هو سر هذه الطاقة، إذ إنه المكون الأكثر وجوداً في المادة الحمراء داخل الفصيلة الحيوانية، وفي المادة الخضراء داخل الفصائل النباتية، وكذلك في الكتل المادية الصماء داخل الكون بنجومه وكواكبه، ومن هنا يكشف عن وجه الإعجاز العلمي في الآية القرآنية "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز" (25 سورة الحديد).

ورداً على تهمة أخرى مفادها أن كثيراً من آيات القرآن جاءت تعقيباً على أحداث وقعت بالفعل أيام محمد، وبالتالي فالأولى أن يكون هو من كتبها، يقول الداعية الشيعي منير الخباز إن القرآن فيه آيات محكمات نزلت من بداية الوحي وتتضمن الأحكام العامة، ثم انتقى الله أحداثاً بعينها لا تتجاوز العشرين، من بين آلاف الأحداث التي شهدها النبي، ليفصّل من خلال التعقيب عليها ما كان قد أوجزه في الآيات المحكمات.

من "أدلة" اللادينيين أيضاً على بشرية القرآن، أنه يحمل الكثير من المتناقضات، كعدد أيام خلق السماوات والأرض التي جاء في مواضع أنها ستة، بينما جاء في مواضع أخرى أن الأرض وحدها استغرقت يومين، ثم استغرق صنع الجبال أربعة أيام، فتكون الأرض ومحتوياتها استغرقت ستة أيام، بينما استغرق خلق السماوات يومين، ومن ثم يكون مجموع الأيام ثمانية وليس ستة.

أقوال جاهزة

شارك غردانتقادات كثيرة يوجّهها العالم اليوم للإسلام، فكيف يتعامل معها المسلمون؟

شارك غردالصراع الفكري بين الدعاة واللادينيين اليوم... عرض لأبرز الاتهامات وأبرز الردود...

ويرد المفسر الصوفي المتخصص في البلاغة محمد متولي الشعراوي، بأن التفصيل في القرآن يكون حجة على الإجمال، بمعنى أن يومي خلق الأرض يدخلان في الأربعة أيام التي استغرقتها صناعة المحتويات، فتكون مدة خلق الأرض بمحتوياتها أربعة أيام وليس ستة، وبإضافة يومي خلق السماوات يكون المجموع النهائي ستة وليس ثمانية.

الخلفاء والمخالفون... تاريخ من الدماء

الإسلام انتشر بالسيف. هكذا يقول اللادينيون، وكثيرون من أتباع الديانات الأخرى، بل وكثيرون من المسلمين الإصلاحيين الذين يشككون في الحديث النبوي القائل "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله".

غير أن الداعية السلفي أبا إسحق الحويني يؤكد أن هذا الحديث صحيح، ويقدم له تفصيلاً مفاده أن القتال يكون فقط ضد المشركين، وفقط إذا منعوا الدعوة إلى الإسلام ورفضوا دفع الجزية.

في المقابل، فإن الشيخ محمد الغزالي، الصوفي الأشعري خريج الأزهر، يرى تأويل السلفيين لآيات وأحاديث الجهاد باطلاً وأحمق، إذ أخرجوها من سياقها الأساسي، وهو أن القتال لا يكون إلا لدفع الأذى أو لإغاثة المستضعفين في الأمم الأخرى.

أما الداعية الهندي ذو الشعبية العالمية، ذاكر نايك، فيبتعد عن التفاصيل ويتحدث عن فكرة أن "الإسلام" لغة يعني "السلام المكتسب" وهو ما لا يمكن معه أن يكون مقترناً بالسيف، ويستشهد بأن الإسلام حكموا الهند لمدة 1000 سنة، ومع ذلك فإن 80% من السكان ليسوا مسلمين، لأن أحداً لم يجبرهم على ذلك.

وأما الشيعة فيفرقون بين الجهاد الدفاعي، والجهاد الابتدائي (الهجوم) ويقولون إن النوع الثاني غير مسموح به في زمان غيبة الإمام، أي منذ اختفاء الإمام المهدي، وهو الرأي الشائع بينهم بحسب ما يؤكد الداعية صباح شبر.

"الفتوحات الإسلامية" كما يسميها المسلمون، لم تكن إلا حروباً استعمارية خاضها بنو أمية بعدما استولوا على الخلافة، منذ عهد معاوية بن أبي سفيان، وهو ما يجزم به الباحث الإسلامي السعودي في التاريخ وعلوم الحديث، حسن بن فرحان المالكي، الذي حمّل معاوية وأبناءه مسؤولية تحريف مقاصد وغايات الإسلام، من خلال إخراجها من سياقها التاريخي، واستغلالها للبحث عن المزيد من الأموال والسبايا، على خلاف ما أمر به الله.

رجم وبتر وجَلد: قسوة الشريعة الإسلامية؟

تطبيق حدود الشريعة، هو أول ما ينادي به الإسلاميون إذا أتيحت لهم فرصة التمكن من الحكم، ولذلك فهم يواجهون سيلاً من الاعتراضات، من اللادينيين ومن المسلمين العقلانيين على السواء، كون هذه الحدود تعني رجم الزاني، وبتر يد السارق، وجلد شارب الخمر، وقتل المرتد عن الإسلام.

السلفيون التقليديون يرون أن هذه العقوبات ضرورية لانضباط المجتمع، كما أنها تفيد مَن يرتكب أياً من هذه المعاصي، كونه يبعث أمام الله في الآخرة وقد أدى كفارة معصيته، بحسب تأويل الداعية السلفي مصطفى العدوي، الذي يتجنب كغيره من السلفيين الرد على اتهام الشريعة بالوحشية، معتبراً أن مَن يقول بذلك كافر ومن ثم لا يستحق أن يضيع معه الوقت، لأن هذه هي أوامر الله.

هذه الحدود أو العقوبات لا تختلف كثيراً عند الشيعة، لكنهم يقولون إن الدولة الإسلامية منوط بها، قبل تطبيق هذه العقوبات، أن توفر وسائل الكفاية للمواطنين أولاً، حتى لا تكون هناك فرصة لارتكاب الذنب، بحسب كتاب "تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة"، لمؤلفه محمد بن الحسن الحر العاملي، وهو من أهم المراجع الفقهية لدى الشيعة.

غير أن الإصلاحيين من الشيعة، مثل كمال الحيدري، يرون أن العقوبات بالشكل المنصوص عليه في التراث الإسلامي، إنما كانت تخص وقتها فقط، معتبراً أن لكل عصر قانونه، وفي العصر الحالي يجب تغيير هذه العقوبات، لأن هناك مجتمعاً دولياً يعيش فيه الجميع، وهو ما ينبغي على الفقهاء تفهمه.

ويزيد على هذه الرؤية، الداعية السني الإصلاحي عدنان إبراهيم أن الدولة الإسلامية، حتى في عهد النبي محمد، لم تكن حريصة على تطبيق عقوبات الرجم والجلد وقطع أيدي المذنبين، واستشهد على ذلك بالحديث النبوي "ادرؤوا الحدود بالشبهات".

الإخوان المسلمون بدورهم يأخذون خطوة إلى الوراء، خصوصاً إذا كانوا بصدد التسويق لأنفسهم في المحافل السياسية، وهو ما حدث عندما كان الرئيس المصري المعزول محمد مرسي في مرحلة الدعاية لنفسه قبل انتخابات الرئاسة التي فاز بها عام 2012، إذ قال في لقاء متلفز إن حديث الناس عن أن الإخوان سيقطعون يد السارق مجرد محاولة للتشويش على مشروع الجماعة، وأكد الاكتفاء بقانون العقوبات الوارد في دستور الدولة.

وإن كان كل محاولي الإصلاح لم يتحدثوا بشكل مباشر عن النصوص التي تشرع هذه العقوبات، فإن المفكر السوري محمد شحرور، وهو محسوب على القرآنيين، يثير الجدل مرة أخرى بقوله إن الأزمة ليست في النص القرآني، وإنما في الفهم اللغوي لها، فقطع يد السارق تعني كفها عن السرقة مرة أخرى بما يتراءى لصاحب السلطة، وليس إطلاقاً بترها، كما أن "سارق" في الميزان الصرفي تقع على وزن "فاعل" وهو وزن يسخدم للتصنيف، أي أن مستحق عقوبة قطع اليد هو مَن اعتاد السرقة وأصبح مشتغلاً بها.

أما الزنا وفقاً لفهم شحرور فهو ليس ممارسة الجنس في غير إطار الزواج، بل هو ممارسة الجنس أمام الناس علناً، ولو كان طرفاه متزوجين. ولأن الرجل ككل القرآنيين لا يثقون في نصوص السنة، فهو لا يؤمن بما يقال عن قتل المرتد عن الإسلام.

محمد حمدي أبو السعود

محمد حمدي أبو السعود، صحفي وشاعر وقاص وناقد أدبي مصري. باحث في الفكر الإسلامي والأديان، ومهتم بالعلوم الاجتماعية واللغوية.

كلمات مفتاحية
الإسلام

التعليقات

المقال التالي