زيارة إلى طنطا بعد التفجير: كيف تبدلت حياة أقباط المدينة الهادئة؟

زيارة إلى طنطا بعد التفجير: كيف تبدلت حياة أقباط المدينة الهادئة؟

استيقظ مدحت موسى (63 عاماً) في الساعات الأولى من صباح أحد الشعانين أو (السعف). ارتدى ملابسه سريعاً، وتعجل النزول للحاق بالصفوف الأولى بكنيسة مار جرجس، أكبر كنائس مدينة طنطا المصرية.

تَمهُّل زوجته نبيلة جعلهم يتحركون بعد الثامنة صباحاً، ليعاتبها على التأخير أكثر من ساعتين، فترد عليه أنه ليس ضروري الجلوس في مكانه المعتاد.

في المعتاد، تُفتَّش حقائبهم ويمرون عبر البوابات الإلكترونية الضيقة، ولكنهم تعجبوا أن الأمن لم يوقفهم لدى الوصول.

لكنهم مروا من باب الكتروني عرضه متر، جعلهم يطمئنون إلى استحالة دخول أي أذى عبر تلك الفتحة الضيقة دون لفت الانتباه.

دخل الزوجان الكنيسة عند الثامنة والنصف، واستطاع موسى أن يجد مكاناً في الصفوف الأمامية كما يحب. لم تكتمل الساعة حتى تبدل جزء من المدينة الهادئة إلى خراب.

عند الانفجار

عند الساعة التاسعة وخمس دقائق انفجر المكان. تطايرت المقاعد ولم تبق إلا رائحة الدماء والأشلاء على جدران الكنيسة.

في منزلها الواقع بمنطقة متفرعة من شارع البحر، تحكي نبيلة عن يوم العيد الحزين.

_MG_6521 السيدة نبيلة في منزلها. تصوير: مصطفى عيد

ما زال الموقف حاضراً في ذهنها، لم يمض عليه سوى أربع أيام. تتذكر زوجها وهو يشكو ليلاً قلة حيلته بعد سنوات التقاعد من عمله، إذ كان رائداً بالقوات المسلحة المصرية.

ليلة الحادث كانا يتحدثان عن حال الأسرة، وكيف سيؤمنا مستقبل طفلهما الصغير وابنهما المتخرج.

_MG_6533 صورة مدحت موسى في منزله. تصوير مصطفى عيد

تذكر كيف هرعت يميناً ويساراً تبحث عن زوجها، دون أن تجد ما يطمئن قلبها. استمرت في الركض حتى لمحت قميص موسى أسفل السجادة. لم تجد رأسه، ولم يبقٓ منه سوى جزء من ذراعه وقدميه.

المدينة الهادئة

لم تُعرف طنطا بالعنف أو تصدير تكفيريين إرهابيين من قبل. قلما عرفت خلال السنوات الماضية أحداثاً طائفية.

المدينة الهادئة، كما يُطلق عليها، هي عاصمة محافظة الغربية المصرية، تقع في قلب دلتا مصر وتبلغ مساحتها نحو 25كم²، وتبعد عن القاهرة نحو 93كم².

TANTA

يُقدر عدد سكانها بنحو نصف مليون وفقاً لآخر إحصائية، لا يتجاوز نسبة الأقباط منهم الـ10%، حسب تقديرات محافظ الغربية، أحمد ضيف في حديث هاتفي مع رصيف22.

الأقباط هنا ليسوا وافدين، إنهم في الدلتا منذ القرن الأول الميلادي، خاصة بعد تمركز الدولة القبطية شمال مصر ووسطها، وفقاً للباحث في شؤون الأقباط، إسحاق إبراهيم، في مداخلة هاتفية مع رصيف22.

يقول بعض السكان إنهم لم يسمعوا في الماضي عن أي حادث اضطهاد أو فتنة طائفية، وهذا ما جعل المدينة أكثر استحقاقاً للقب المدينة الهادئة.

مزار ومقام لكل دين

من يرغب في تناول حلاوة المولد النبوي المحمد، يذهب إلى طنطا، وفي مصانعها يعمل الأقباط والمسلمون على حد سواء.

تجمع هذه المدينة بين معالم الدينين: المسلم بمسجد السيد البدوي، الذي يأتيه المصريون من جميع المحافظات، وكنيسة مار جرجس التاريخية التي تحظى بأهمية لدى مسيحيي الدلتا، لتخليدها ذكرى الشهيد الروماني مار جرجس في مصر، بعدما أصدر الملك فؤاد عام 1934 مرسوماً قضى بإنشائها.

بُنيت من الخشب في طرازها الأول عام 1939، وأولى الصلوات سُمِعَت يوم أحد السعف، وظلت مدة 15 عاماً. وفي عام 1940 قام المطران الأنبا توماس، مطران البحيرة والغربية وكفر الشيخ، بوضع حجر الأساس للكاتدرائية.

توقف العمل بها حتى عام 1945 بسبب الحرب العالمية الثانية، وفي عام 1952 كُرّسَت الكنيسة بواسطة الأنبا يوأنس.

"الأمن لم يفعل شيئاً سوى النظر إلى البنات"

في طنطا اليوم، نحو 12 كنيسة، حسب تقدير الأهالي. لكن بناء كنائس جديدة ليس سهلاً. يقول خيري سلامة (70 عاماً) إن هناك مشاكل تتجدد كلما أرادوا بناءها، مشيراً إلى أن مسؤولي الكنيسة هم من يتحدثون مع الدولة في هذا الشأن، وهناك تضييق على بناء كنائس جديدة.

_MG_6529 خيري سلامة، تصوير مصطفى عيد

يُجمع سلامة ورفاقه على أن الأزمة الأكبر ليست كامنة في بناء الكنائس أو في عدمه، بل في بناء الوطن من جديد للحد من الهجوم على الأقباط بسبب دينهم.

وقد طرأت على مدينتهم مستجدات لم يعتادوها خلال الأشهر الأخيرة. فقد لاحظوا صوراً وعبارات مسيئة للمسيحية على الجدار الخلفي لسور كنيسة مار جرجس مثل: "إن شاء الله هانخلص عليكو". ولم يتم التعامل مع هذه التهديدات بالرغم من شكوى القوات المسؤولة عن حماية الكنيسة.

لفت مبارك موسى، وهو أحد سكان طنطا، إلى أن واقعة مشابهة حدثت في كنيسة العذراء، حينما حاول أحد الشباب التسلل إلى داخلها بعد منتصف الليل، مدعياً أنه أحد القساوسة، ليجد المصلين عبارات مسيئة في اليوم التالي على الجدران. ولم يتم التحرك، على حد وصفه.

"الأمن لم يفعل شيئاً سوى النظر إلى البنات ومعاكستهم ولا دور أمنياً لهم"، قالت مريم تادرس (27 عاماً) لرصيف22، وأضافت "إن أقمنا الصلوات في بيوتنا فسيأتي من يقتلنا لأن المشكلة ليست في الكنائس، بل في العقول التي تعمل على تكفيرنا". 

أقوال جاهزة

شارك غردالأقباط في طنطا... تعداد مرصود وتأمين محدود

شارك غرد"الأزمة ليست في بناء الكنائس أو عدمه، بل في بناء الوطن من جديد للحد من الهجوم على الأقباط"

ليست المدينة على حالها

لم تعد المدينة الهادئة إلى حالها، فالشك والريبة يقيمان في قلوب الأهالي، واكتسى محيط الكنيسة والشوارع بقوات الأمن. فقد فُرضت الحواجز ودوريات سيارات الأمن المركزي منذ إعلان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي حالة الطوارئ يوم الانفجار. لا يمر أحد دون إبراز هويته والتأكد من خط سيره.

يتحدث السائقون عن حملات اعتقال لشباب جامعيين يشتبه فيهم لمجرد حضورهم تجمعات أو محاضرات.

في منطقة متفرعة من شارع الكنيسة، جلس أبانوب عادل (25 عاماً) في محل عمله، ورشة خراطة، رافضاً الإقامة في منزله بعد رحيل أحد جيرانه، وصديقه. وقد استهل كلامه: "عايشين في خراب".

_MG_6517 أبانوب عادل، تصوير مصطفى عيد

يقول إنه في لمح البصر فقد أشخاصاً مقربين لقلبه، وإن آخرين سيعيشون بقية عمرهم عاجزين بعد إصابات نالت من قلوبهم قبل أجسادهم.

يؤكد عادل أن الحواجز انتشرت قبل يوم الحادث، وفي الأيام العادية، يعرف أفراد الأمن الأهالي المترددين على الكنيسة، ومن يجدونه غريباً يسألونه عن وجهته ويطلبون هويته.

في كل عام كان المؤمنون يحضرون القداس والصلاة، ويرددون الترانيم ويبدأون العيد بالتنزه والاحتفالات، لكن هذا العام "لم يكن العيد عيداً"

وأضاف عادل لرصيفــ22 أنهم لن يثقوا في قوات الأمن بعد الآن، وتدابير الحماية ستكون في كل عيد أو مناسبة من مهمة شباب الأقباط.

بعد الجنازة وفي كل مساء منذ الحادث، تنسحب قوات الحراسة وسيارات الأمن المركزي، وتظل الحواجز وضابطان فقط. "ينتظران المصائب كي يتحركا ويؤديا دوريهما"، يقول عادل.

قنبلة قديمة وخوف مستمر

قبل أسبوعين من الحادث، اكتشف رجال الأمن عبوة ناسفة بجوار الكنيسة المستهدفة، وبعد إبطال مفعولها، قالوا للأهالي إنها أداة مدرسية تحوي أقلاماً.

ولكن أبانوب جرجس (27 عاماً) يقول أنه رآها هو وأسرته بأم العين، وتأكدوا أن ما يُقال لهم هو لطمأنتهم أو "لدواعي أمنية".

مع اقتراب العيد، توقعوا ألا تكون هناك محاولة أخرى، واثقين بقوى الأمن، إلى أن حدث ما لم يتوقعوه.

سيحضر هو وأسرته احتفالات الأعياد المقبلة من قداسات وصلوات في كنائس أخرى أو بمدخل الكنيسة المدمرة، لكن تحت حماية شبابهم وليس العساكر والضباط، لانعدام الثقة في قدراتهم.

منال، إحدى الساكنات قرب الكنيسة رفضت استخدام اسمها الكامل، قاطعت جرجس وقالت إنها مع الوجود الأمني حتى لا ينال الأذى أو الإرهاب منهم مرة أخرى، متوقعةً كارثة أكبر في أثناء الأيام المقبلة.

رد عليها جرجس بأنهم لم يمنعوا ما سبق، فكيف يمنعون ما سيطرأ، قائلاً: "كنيستنا مبنية على الشهداء، كل بيت فيه حالة حزن".

عناء المشرحة

MAIN_Coptic-Tanta منزل مدحت موسى في طنطا، تصوير مصطفى عيد

بالرغم من تعرف نبيلة وولديها وابنتها على جثمان أبيهم، لم يتمكنوا من إثبات هويته، خاصة بعدما أعلمهم وكيل النيابة زعم السلطات أن الجثمان عائد للانتحاري من شدة تشوهه واختفاء الملامح.

في الثانية والنصف ظهرًا، طلبت منهم النيابة إجراء تحليل الحمض النووي (DND) من أحد أبنائه، على أن يتأكدوا من هويته بعد ساعة.

ظلوا منتظرين حتى السابعة مساءً، ثم ذهبوا إلى مصلحة الطب الشرعي، ففوجئوا بعدم وجود اسم الابن ضمن العيّنات المنتظرة نتائجها. أعادوا الفحص وانتظروا ثم تأكدوا أنه مدحت موسى.

استخرجوا تصريح الدفن، وذهبوا إلى المستشفى الجامعي، ليجدوا جميع ضحايا الحادث مُكفَّنين وملقين على الأرض منذ نحو 10 ساعات.

في البدء، مُنعت الزوجة وأفراد الأسرة من الحضور لوداع فقديهم أثناء الجنازة، إلى أن سُمح لبعضهم بالدخول لحضور المراسم بعد البكاء والعويل، بحسب نبيلة.

يسكن مشهد الجثمان بعد الانفجار خاطر الزوجة. تقول أن كان لها أمنيتان. تمنت أن تحضر الصلاة كاملة، و تمنت أن يبقى جثمانه كاملاً لتُلقي النظرة الأخيرة على وجهه قبل دفنه. رجال الأمن منعوها من الأولى، فيما منعها تشوه الجثة بسبب التفجير من الثانية.

 

أحمد فتحي

صحافي حر وكاتب مصري، يعمل بموقع البداية ويكتب لساسة بوست والمنصة وزائد18، مهتم بالشئون الاجتماعية وكتابة القصص الإنسانية

كلمات مفتاحية
الإرهاب مصر

التعليقات

المقال التالي