الصوم عن الديليفيري وفيسبوك والسيجار... هنا زمن المسيحية المعاصرة

الصوم عن الديليفيري وفيسبوك والسيجار... هنا زمن المسيحية المعاصرة

عندما أقلب صفحات الماضي وأعود بالذاكرة إلى الطفولة البريئة، لا يسعني سوى أن أتذكر كيف كنت أستعد لزمن الفصح المجيد من خلال الصوم، طوال 40 يوماً، عن بعض الأمور التي أحبها منها: الفاكهة.

ولكن لم أقل عصير الفاكهة...

كنت أمتنع عن تناول الفاكهة على أنواعها، وفي المقابل "أحلل" عصيرها، إذ أسمح لنفسي مثلاً بشرب عصير الليمون الطازج وأحرم نفسي من أكل الليمونة غير المعصورة، وكذلك مع باقي أنواع الفواكه.

قد ترون ذلك "طقساً" غريباَ، تماماً كما أنظر له اليوم، ولكن من حولنا أشخاص يصومون عن أمور معينة قد تتخطى حدود الطعام والشراب لتصل الى أمور حياتية تثير الغرابة والدهشة.
فكيف تطور مفهوم الصوم بمرور الوقت؟ وما هي أغرب حالات الصيام عند المسيحيين؟ وكيف قد تختلف طقوس الصوم بين الجنسين؟

تطور الصوم عبر التاريخ

تؤكد المخطوطات والقوانين الكنسية أن الصوم بدأ منذ القرون الأولى للمسيحية، بهدف الرجوع الى الله والانتصار على قوة الشر والتّغلب على الخطيئة.

ومنذ أيامها الأولى، صامت الكنيسة يومي الأربعاء والجمعة وذلك لاعتبارات معيّنة: الأربعاء تمّت فيه المؤامرة على المسيح عندما وعد يهوذا رؤساء الكهنة أن يسلّمه لهم مقابل ثلاثين من الفضة، في حين أن يوم الجمعة هو اليوم الذي صلب فيه المسيح ومات على الصليب.

وبالتالي يمكن القول إن الصوم في المسيحية هو صوم روحي يهدف إلى تهذيب النفس من الناحيتين الروحية والجسدية، وذلك من خلال وسائل مادية، مثل الانقطاع عن الطعام والشراب من الساعة الثانية عشرة ليلاً الى الثانية عشرة ظهراً، مع العلم أنه قديماً كان يستمر الصوم حتى الساعة التاسعة مساء، وفي أسبوع الآلام كان يسمح بتناول وجبة واحدة فقط، فضلاً عن الانقطاع التام عن الطعام أيام الخميس والجمعة والسبت حتى قداس الفصح، وهو أمر لم يعد مفروضاً على المؤمنين في عصرنا الحالي.

عندما يخرج الصوم عن المألوف

مع تطور الزمن، تغيّر مفهوم الصوم لدى المسيحيين وتساهلت الكنيسة أكثر في هذا الموضوع إذ أعطت حرية مطلقة لكل مؤمن ليصوم بالطريقة التي تناسب حياته اليومية والروحية، على اعتبار أنه "ليس ما يدخل الفم ينجّس الإنسان إنما ما يخرج منه".

وفي ظل غياب قوانين كنسية صارمة وضوابط معينة لجهة طقوس الصوم، بات كل شخص "يشرّع" لنفسه طقوساً خاصة به، فيقرر المرء أن يصوم مثلاً عن البياض أو الحلويات أو اللحوم على أنواعها، حتى أن البعض يحرمون أنفسهم من تناول أي شيء طوال فترة الصوم باستثناء الخبز والماء... والبعض الآخر أخذوا على عاتقهم مهمة "تغيير" مفهوم الصوم وإعطائه أبعاداً أخرى قد تخرج أحياناً عن المألوف.

أقوال جاهزة

شارك غردبإمكانكم الامتناع عن أي شيءٍ يهواكم في الصيام المسيحي، من فاست فود وسيجارة إلى الفيسبوك والعادة السرية

أغرب حالات صيام لدى المسيحيين، من تجارب أفراد يعيشون من حولنا:

الصوم عن الديليفيري

via GIPHY

تعشق زميلتي في العمل تناول ما يسمّى بـ"أكل السوق"، فهي تتلذذ مثلاً بطلب البرغر والبيتزا والسندويشات على أنواعها أثناء دوامها بهدف كسر الروتين والتغلب على ساعات العمل الطويلة، كما لا يحلو لها مشاهدة الأفلام من دون طلب الوجبات الجاهزة من الخارج.

تخبر "لينا"( 24 عاماً) وهي تعمل في شركة هندسة:" لم أكن أعلم أن الامتناع عن الديليفيري أمر شاق حتى جربت ذلك"، وتشرح قائلة:" أعشق البيتزا والبرغر وال"فاست فود" على أنواعه ولا يكاد يمر يوم واحد دون أن أتناول هذه الأطعمة الجاهزة".

وعن سبب طقسها الغريب في الصو تقول لينا مبتسمةً:" في الحقيقة يطلق عليّ أصدقائي لقب "فودي" أي هاوية تجربة المطاعم والمأكولات الجديدة، من هنا قررت في فترة الصوم أن أمتنع عن طلب الديليفيري بهدف التغلب على ملذاتي، إضافة الى توفير المال لمساعدة الفقراء".

الامتناع عن السوشال ميديا

via GIPHY

"قررت أن أصوم هذا العام عن الفيسبوك وتويتر وكافة وسائل التواصل الإجتماعي"، هذا ما قاله ناهي (30 عاماً) بعدما شعر بأنه أصبح أسير السوشال ميديا.

فقد لاحظ هذا الشاب أنه بات مدمناً على وسائل التواصل الاجتماعي وبشكل خاص فيسبوك، يقول:" بات فيسبوك شغلي الشاغل، فعندما أنهض من النوم، وقبل أن أقوم بأي شيء، أدخل الى حسابي وأبدأ بمتابعة آخر البوستات والستايتس وصور أصدقائي... وحتى أثناء العمل لا تفوتني شاردة على فيسبوك وتويتر وإنستاغرام".

ويشير ناهي الى أنه في السنة الماضية وقبل بدء الصوم بأيام قليلة، خطرت له فكرة الامتناع عن السوشال ميديا، وذلك رغبة منه في التحرر من كل القيود وإيجاد وقت أكثر للتواصل المباشر مع الناس: "أستطيع أن أؤكد أن هذه الفترة كانت الأهم في حياتي لأنني، بعد أن انعزلت عن العالم الافتراضي، بت أكثر اختلاطاً بالناس وأقرب إلى الله".

مقاطعة "الكوافير" وإرخاء اللحى في الصوم

via GIPHY

في زمن الصوم، قد نصادف بعض الرجال الذين يمتنعون عن حلق لحاهم أو قص شعرهم لاعتقادهم أن الحلاقة تبطل الصيام، وهذا حال رولان (25 عاماً) الذي يحرص على ترك لحيته تطول خلال مدة الصوم، قائلاً:" في كل سنة أمتنع عن حلق لحيتي طوال 40 يوماً بهدف التعبير عن حالة الحزن على آلام وموت المسيح.

ويضيف:"عندما يموت أحد أفراد العائلة، يصاب الجميع بحالة من اليأس فيعيش كل شخص الحداد على طريقته، وغالباً ما يترك الرجل لحيته تطول تعبيراً عن الحزن على الميّت، فكيف إذا كان هذا الأخير هو سيدنا؟".

ويكشف رولان، وهو موظف إداري، أن هذا الموضوع يعرّضه لمضايقات في العمل خاصة أن قانون الشركة صارم لناحية منع الموظفين من إطالة لحاهم:"أجد نفسي مضطراً لتبرير الموضوع أمام زملائي في العمل وخاصة أن الموظفين في قسم الموارد البشرية لا ينفكون يطلبون مني حلق لحيتي، غير أنني أرفض ذلك رفضاً قاطعاً، فهذا الموضوع خيار شخصي يجب تقبّله كونه إستثنائياً".

لا للموسيقى نعم للتراتيل الدينية

via GIPHY

"خلال فترة الصوم، أمتنع عن الذهاب الى الحفلات الراقصة وحتى عن الاستماع إلى الموسيقى على أنواعها، وأستعيض عنها بالتراتيل الدينية التي تقربني أكثر من الله".

هذه حال سينتيا التي تشرح أنها تعشق الموسيقى وتحب الاستماع إلى الأغاني في السيارة أو حتى في العمل حيث تضع السماعات طوال الوقت، فالأغاني تنقلها الى عالم مختلف مليء بالفرح والأحلام.

لكنها في فترة الصيام وتحديدا في أسبوع الآلام، ترفض السهر في الخارج وتحرص على الاستماع إلى التراتيل الدينية طوال الوقت:" في سيارتي "سي دي" مخصص للتراتيل المتعلقة بالصوم وبأسبوع اللآلام، فأنا في هذه الفترة لا أطيق سماع أغنية واحدة إنما أفضل تهذيب روحي بأناشيد دينية".

الصوم عن الفودكا لكن النبيذ "مقدّس"

via GIPHY

ورد في الإنجيل المقدس "قليل من الخمر يفرح قلب الإنسان". هذه العبارة دفعت موريس (30 عاماً) لمقاطعة جميع أنواع المشروبات الكحولية في زمن الصوم، ما عدا النبيذ لأنه "مبارك" من المسيح.

وفي هذا السياق، يعتبر "موريس" أن شرب النبيذ باعتدال هو أمر مقبول في زمن الصوم، في حين أنه يمتنع عن احتساء حبيبته الفودكا حين يكون بصحبة بعض الأصدقاء، وهذا ما يثير استغراب هؤلاء ودهشتهم من الموضوع.

الامتناع عن الكلام

via GIPHY

قد يعتبر البعض أن الصوم عن الكلام هو ضرب من ضروب الجنون وقصة مقتبسة من نسج الخيال، إلا أن هذا النوع من الصوم موجود بالفعل.

ففي إحدى المدارس الواقعة في المتن الشمالي من لبنان، يُحكى عن ناظرة تعمد في كل سنة إلى الصوم عن الكلام، فتكتفي بالإشارات للتواصل مع التلاميذ والهيئة الإدارية.

وفي هذا السياق، يروي أحد التلامذة أنه في إحدى المرات جرى تحدّ بينه وبين أصدقائه على من يجعل هذه الناظرة "تبطل" صيامها، وتتكلم:" قررنا أن نختبر مدى صبرها، فحاول كل واحد أن يجعلها تتكلم على طريقته، إنما من دون فائدة، حتى خطرت برأسي فكرة الإدّعاء بأنني لا أفهم ملاحظاتها، فكانت تحاول جاهدة تفسير ما يزعجها بالحركات لحين سئمت وخرجت عن طورها وتكلمت، وهكذا ربحت التحدي، مع العلم أنني اعتذرت منها في وقت لاحق".

الصيام الجندري

via GIPHY

على ما يبدو، فإن طقوس الصوم قد تختلف بين الجنسين نظراً للأذواق المتضاربة بين الرجال والنساء. فسليم، وهو رب عائلة، يعشق السيجار الفاخر، ويقول:"عندما أسافر الى الخارج، أسارع إلى شراء السيجار، وفي الجلسات العائلية أستطيب تدخينه مع كأس ويسكي".

وبالنسبة الى امتناعه عن تدخينه في فترة الصوم، يقول:" تدخين السيجار يعد رفاهية، وفي فترة الصيام يجب أن يمتنع المرء عن كل مظاهر الرفاهية والترف. لذا قررت الابتعاد عن "رفيقي" الدائم خلال هذه الفترة بهدف اختبار مدى صلابة إرادتي".

في المقابل، هناك بعض الشابات اللواتي يستفدن من فترة الصوم لإنقاص وزنهنّ، فيتحول الصوم إلى ريجيم صارم بغية الحصول على جسم رشيق قبل حلول موسم الصيف والسباحة.

وهذا الأمر لا تخفيه "رانيا" التي تعترف ضمنياً بأنها تنتظر في كل سنة فترة الصوم لتبتعد عن الأطعمة التي تحبها وتكسبها وزناً:"أصوم عن السكاكر والحلويات خاصة الكنافة والشوكولا... ولا أخفي أنني أستغل هذا الموضوع لتحسين جسمي وإنقاص وزني خاصة أنه خلال الصوم تكون عزيمة المرء وإرادته أقوى من أي وقت مضى، وبالتالي تنجح مسألة إنقاص الوزن أكثر من إتّباع حمية غذائية معيّنة".

كلمات مفتاحية
المسيحية

التعليقات

المقال التالي