هكذا يعيش الأطفال والأموات على صفحات فيسبوك

هكذا يعيش الأطفال والأموات على صفحات فيسبوك

لحياتنا جانب افتراضي لا يمكن إنكاره، يبدأ اليوم منذ ولادة الطفل، ويستمر إلى ما بعد موتنا أيضاً

الأطفال وهم رمز البداية والحياة. عند ولادتهم اليوم، يبدأ بعض الأهل بتدوين يومياتهم على صفحات التواصل الاجتماعي، فتتحول إلى ألبوم صور لذكرياتهم يحفظ خطوات نموهم ومراحلها.

أما الموت، فهو رمز النهاية، وعلى الرغم من زوال الروح وغياب الجسد، لا يزول تواجد الأشخاص الافتراضي بعد موتهم.

فيبدأ الأصدقاء بتعزيتهم على صفحتهم تاركين الذكريات والصور عليها، كمن يترك ورداً على قبر. وقد ينشئ البعض صفحات تأبين للمتوفين، أو صدقات جارية على أرواحهم.

عن علاقة الفضاء الافتراضي بالطفولة والموت نتحدث هنا. العالم الافتراضي عند الولادة.

العالم الافتراضي عند الولادة

لم تجد الشابة الأردنية هبة بهاء زايد هدية أكثر رونقاً لطفلها، بحسب قولها، عند ولادته من تأسيس صفحة له على فيسبوك.

وبالرغم من أن سياسة الموقع تمنع الأطفال دون 13 عاماً من تسجيل دخولهم، إلا أن بهاء تحايلت على الأمر وسجلت معلومات خاطئة لكي تستطيع إنشاء حساب فيسبوكي لطفلها قصي.

بحسب دراسة لفادي سليم بكلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية بدبي، فإن 64% من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي في البلدان العربية هم تحت عمر الـ30. كما أوضحت الدراسة أن 76٪ من الناس يقولون إنهم يقدمون معلومات صحيحة ودقيقة، فيما يعطي 15٪ منهم معلومات كاذبة عن أسمائهم وأعمارهم على شبكات التواصل الاجتماعي.

وهو ما قامت به بهاء في سبيل إنشاء صفحة ابنها.

ولأنه الحفيد الأول لعائلة زوجها سارعت بنشر صوره وفيديوهات خاصة له منذ طفولته، وهي تستمر بذلك حتى اليوم بعدما بلغ ثلاث سنوات من عمره. كما تنوي إنشاء حساب خاص لمولودها الجديد، عمر، كهدية في عيد ميلاده الأول.

فالصفحة من وجهة نظرها ذكريات سيجدها عندما يكبر، وهي بديل عن ألبوم الصور، ووسيلة لتواصل كل أفراد العائلة.

أضافت مؤخراً بعض صديقاتها لصفحة إبنها، فقررت أن تنشر الصور بوضعية "خاص"، فلا يتمكنوا من رؤيتها، خشية أن "تصيبه عين".

فهل الحسد وحده ما يجب أن تخشاه هبة وأي أم مثلها عند نشرها صور طفلها على فيسبوك؟

الطفولة الفيسبوكية

وفقاً للدراسة التي نشرتها كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، فإن فيسبوك هو موقع التواصل الاجتماعي الأكثر رواجاً في البلدان العربية.

إذ تشير الإحصاءات بداية عام 2017 إلى وجود ما يقرب الـ156 مليون مستخدم "فعال ومتفاعل"، بزيادة 41 مليون مستخدم مقارنة بعام 2016، والذي كان فيه إجمالي عدد المستخدمين في الدول العربية 115 مليوناً.

منهم أطفال أدخلوهم أهلهم دون موافقتهم.

تضع هناء الرملي، الخبيرة الاستشارية في ثقافة استخدام الطفل والأسرة للإنترنت، عدة محاور لمخاطر نشر صور الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي.

فبرأيها، كثرة التحدث عن الطفل ومهاراته وهواياته وتميزه تشعره بأنه أفضل من غيره وتنمي لديه الشعور بالغرور وقد ينشأ أنانياً.

وإن كان الطفل خجولاً ويفضل أن تبقى أموره الخاصة ملكه الشخصي، فقد تنشأ فجوة نفسية بينه وبين أهله، تدفعه إلى التوقف عن ممارسة هواياته التي يتفاخر الأهل بها على الشبكات كنوع من الاعتراض الضمني على تصرف الأهل، وبالتالي قد يفقد مع الوقت هذا التميز وهذه الهواية، بحسب الرملي.

تضيف الرملي أن بعض التعليقات التي قد يكتبها المتابعون قد تسبب إساءة للطفل وجرح لمشاعره، ما يؤثر على شخصيته. وقد يتنامى ذلك ليصل إلى التنمر، أو البلطجة الإلكترونية، التي قد تهدد الحالة النفسية له.

بالإضافة لذلك، فإن ذكر معلومات عن الطفل، كإسم مدرسته والمناسبات التي يحضرها، قد يعرضه للخطر الفعلي من مرضى نفسيين يرغبون بإيذاء الأطفال والاعتداء عليهم. وقد ينسى الأهل خطر سرقة الصور واستخدامها في مواقع إباحية، أو في دعايات أو لخداع الأشخاص الراغبين بالتبني.

أخيراً، ماذا يحصل حينما ينضج الطفل ويكتشف أنه لا يحب الصور التي نُشرت له خلال طفولته دون إذنه أو موافقته؟ لا يمكن هنا أن يمحي ذاكرة الانترنت ويزيل كل ما حفظه محرك البحث، جوجل، وما شاهده الناس. فبأي حق يفرض الأهل على أبنائهم هذا النوع من الشهرة أو الظهور؟

العالم الافتراضي والموت

لا يغيب عنا أحباؤنا بمجرد وفاتهم. نحاول أن نبقي ذكراهم حية بشتى الطرق: صورهم، سيرهم، أشيائهم، أقوالهم، نبقي ما نستطيع من أثرهم.

وفي الجزء الافتراضي من عالمنا، نبقي على صفحاتهم أو وجودهم "الفيسبوكي".

وهو ما قامت به أميرة متولي بعد وفاة شقيقها إسلام نتيجة حادث في أثناء توجهه إلى المستشفى حيث يعمل طبيباً، منذ عامين تقريباً. 

أقوال جاهزة

شارك غردالسرقة، الاعتداء، الاستباحة، انعدام الثقة.. بعض مخاطر نشر صور الأطفال ومعلومات عنهم على فيسبوك

شارك غردوصلت الصدقة الجارية إلى العالم الافتراضي، فيقيم أهل الميت صفحات ينشرون عليها أدعية عن روحه

"أصبحنا يومياً ننشر على صفحته (على فيسوك) مواقف حدثت لنا معه أو أحداث وقعت بعد وفاته.. مازلنا ننشر وسنستمر في ذلك، وربما تكون الصفحة أداة دعم مستقبلي لأبنائه ليعرفوا من خلالها من هو والدهم"، تقول متولي لرصيف22.

طريقة أخرى لتكريم الموتى هي الصدقات الجارية، وهي عُرف في المجتمعات الإسلامية التي يؤمن الناس فيها بأن الأجر والثواب يصلان للميت بعد وفاته إذا ما أقيم شيء فيه منفعة للناس على روحه.

وقد تكون الصدقة بسيطة كمصحف أو كتاب أدعية، وقد تكون أكبر كبناء مسجد أو مدرسة أو مستشفى أو بئر ماء.

اليوم، وصلت الصدقة الجارية إلى العالم الافتراضي. فيقيم أهل الميت صفحات ينشرون عليها أدعية أو أحاديث، بهدف إفادة القارئ.

وهناك من ينشئ صفحات لنشر قصص عن أخلاق المتوفى وفضائله من باب العرفان بالجميل.
وهو ما تقوم به ماجي جبر، الفنانة التشكيلية المصرية لروح أستاذها الذي اعتبرته والدها الروحي.

"بعد وفاته لم أتخل عن العلاقة بيني وبينه، فأنشأت حساباً خاصاً كصدقة جارية له أنشر به جزءاً من أعماله صدقة جارية له، وأحياناً أنشر لوحات فنية لي، كعلم نافع للناس"، تقول جبر لرصيف22.

هل نهتم بتوريث صفحاتنا؟

لم يكن لزوج ناهد علي (65 عاماً) حساب على الفيسبوك عند وفاته، لكن زوجته أدخلته العالم الافتراضي بعد موته "تخليداً لذكراه".

فبعد زواج دام لأكثر من 34 عاماً، لم يسفر عن أبناء، وجدت ناهد في فيسبوك وسيلة للإبقاء على سيرته.

"الصدقة الجارية أيضا يمكن أن تكون بالدعاء الصالح من أحد المقربين، فلأننا لم ننجب وجدت في الفيسبوك وسيلة للإبقاء على ذكرى زوجي، وبعد مماتي سأورث الصفحة لأحد أبناء شقيقاتي"، تقول ناهد لرصيف22.

تسمح إداراتي فيسبوك وتويتر بتعين وريث للصفحة بعد وفاة صاحبها أو ما يسمى بالـ Legacy Contact. وبإمكان الوريث نشر بعض المعلومات على الصفحة كخبر الوفاة والنعوة وموعد الدفن والجنازة. لكن لا يمكنه الدخول للبريد الخاص أو تغيير الصور أو إزالتها.

وهو ما قررت القيام به رشا عبد الغني، التي تعمل مدرسة في التعليم المفتوح بجامعة القاهرة، والتي أوصت بأن يرث زوجها صفحتها حال وفاتها. "لعله يتذكرني بعد وفاتي"، تقول لرصيف22.

كما يتيح فيسبوك خيار إلغاء الصفحة الشخصية كلياً وإزالتها بعد الوفاة.

آخرون لا يستخدمون التطبيق، بل يقومون بذلك ودياً عبر منح كلمة المرور لأحد أقاربهم. وقد يكون لدى البعض الكثير من المتابعين، فيرغبون بأن يحصل شخص معين على هذا الحضور والاستفادة منه. 

وهو ما يرغب فيه حمادة أبو المجد مصري (30 عاماً)، إذ قرر أن يمنح صفحته لشقيقته كهدية منه لها، إذ يتابعه يومياً ما لا يقل عن 10 آلاف شخص.

وبين الحياة والممات، نعيش حياة واقعية وأخرى افتراضية بات من الصعب إنكارها، لكن بيدنا رسم حدود كل منها.

التعليقات

المقال التالي