جثة تطير وديك يختفي... عن قصص الأسماء الغريبة لأحياء غزة نتحدث

جثة تطير وديك يختفي... عن قصص الأسماء الغريبة لأحياء غزة نتحدث

هل خُيّل إليك أن جثة تطير ثم يحمل مستقرها اسمها؟

أو أن يدخل ديك في أحد القرى إلى جحر دب ويختفي، لتحمل القرية اسمه؟

هل قُدّر لرجل مثلاً أن يمشي في شارعٍ للحوامل؟ أو أن يقطن أحدنا بالقرب من شارع المحطة لعقود، ولا يسمع بوقاً لقطار؟

هذه روايات نقلت عن السلَف حول التسميات الغريبة لبعض الأماكن في قطاع غزة. فهنالك أمكنة تتضمن أسماؤها دلالة واقعية على المكان، وأخرى تبدو قريبة جداً من اللا منطق، وأحياناً تبدو قصة التسمية ضرباً من ضروب الخيال.

في ما يلي عدد من أبرز الأسماء التي أطلقت على قرى وتلال وشوارع في غزة منذ عشرات السنين.

جثة طائرة

تل المنطار، الواقع إلى الشرق من مركز مدينة غزة ضمن حدود حي الشجاعية، والمرتفع نحو 90 متراً عن مستوى سطح البحر، تحمل حكاية تسميته شيئاً من اللا منطق.

السكان هنا لا يعرفون إلا سبباً واحداً للتسمية، وهي الرواية التي نقلها الحاج محمد حرارة عن والده، بأن رجلاً صالحاً كان يدعى الشيخ "ألمُن" وافته المنية في مدينة غزة، وأثناء تشييع جثمانه طارت جثته واستقرت فوق التل، ومنذ ذلك الحين وهو يعرف بـ"تل المنطار".

فوق هذا التل، يقبع قبر أسفل في قبو مغلق بأمر من جهاز الشرطة في غزة، وعلل هذا الإجراء الأمني الحاج حرارة، بقوله: "إن القرار جاء تلافياً لانتشار الخزعبلات لأن الكثير من الناس كانوا يترددون بشكل يومي على هذا القبر لنيل البركات بزعم أنه قبر لرجل صالح".

بموازاة هذه الرواية لتسمية التل بالمنطار، يقول الكاتب والمؤرخ الفلسطيني سليم المبيض: "ما قيل عن إن الاسم عائد لرجل صالح اسمه "ألمُن" وقد طارت جثته أثناء تشييع جنازته واستقرت فوق التل، فهذا محض هراء تناقلته العامة وهو عار عن الصحة تماماً".

ومع مجيء الفتح الاسلامي مع بداية القرن السابع الميلادي، وتحرير الأرض الفلسطينية من الاحتلال البيزنطي، أكد المؤرخ المبيض أن الخلفاء الراشدين اتخذوا من التلال والجبال المشرفة على المدن نقاطاً للحراسة أطلقوا عليها اسم "منطار" أي مكان مخصص للنظر، مشدداً على أن هذا هو الأسم الحقيقي لتل المنطار، وما عدا ذلك "روايات كاذبة" كما وصفها.

اختفاء ديك

لقرية وادي غزة المعروفة باسم، جحر الديك، الواقعة وسط قطاع غزة، حكاية مساوية في الغرابة.

تسميتها ترجع خمسين عاماً للوراء، ونشأت من حكاية الديك الذي هرب من أحد التجار ممن كانوا يمرون بالقرية متجهين إلى سوق محاذية لها، وتخفى في أحد جحور تلة تسمى أم عزيز واختفى، وفق إفادة السكان. منذ ذلك الوقت والناس ينعتون القرية باسم جحر الديك.

وهو ما يؤكده خليل أبو عيادة (60 عاماً)، أحد سكان القرية التي يغلب عليها طابع البداوة، مضيفاً أن اعتياد التاجر على زيارة الجحر بين فترة وآخرى لتتبع أثر الديك الهارب، هو الذي عزز هذا المسمى.

أقوال جاهزة

شارك غردلم تغير اسم شارع البغاء إلى شارع النزهة؟ ولم رفض السكان إبقاء اسم "النَور" على أحد الشوارع؟

شارك غردهل قُدّر لرجل مثلاً أن يمشي في شارعٍ للحوامل؟ أو أن نقطن بالقرب من شارع المحطة ليس فيه قطار واحد؟

بالمطلق لا يتخذ الديك كأحد أنواع الطيور المستأنسة، أمكنة للاختباء، حيث تعد الجحور حكراً على الدب، وهو حيوان يعيش في الصحراء. وهذا ربما ما يباعد بين التسمية وواقعيتها.

وبصرف النظر عن واقعية التسمية، يقول المؤرخ المبيض: تظل هذه الأسماء محلية، وليس لها تأصيل في كتب، لهذا لا سبيل لاستقصاء المعلومة الدقيقة إلا عبر ما نقل من رواية عن السكان الأوائل لتلك المناطق.

عدس وطين

انسجاماً مع ما روي عن السكان الأوائل لقرية خربة العدس، الواقعة أقصى جنوب القطاع، فإن أصل التسمية يعود إلى ما قبل مئة عام.

اشتهرت القرية الطينية هذه بزراعة العدس حينها، وهو ما دعا لتسميتها بين السكان بهذا الإسم، وفق ما أوردته المواطنة الستينية أمينة النحال، مؤكدة أن أصل التسمية هو الـ"عزبة"، ولكن جرى تحويله إلى الـ"خربة".

وما بين الاسمين اللذين أوردتهما السيدة النحال، فارق كبير في التشبيه؛ فالأول يرمز إلى المزرعة التي يقام عليها قصر الملك، والثاني يعطي دلالة على المنطقة البالية.

ولم يستطع أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بالجامعة الإسلامية بغزة، زكريا السنوار، معرفة تفصيل تبديل الأسماء من الخربة إلى العزبة، لكنه أرجع ما اسماه "التشتت" إلى اهتمام الباحثين بالبعد السياسي للقضية الفلسطينية على حساب البعد التراثي زمانياً ومكانياً.

وبذلك يتفق السنوار مع المؤرخ المبيض، في التأكيد على وجود ندرة في الأبحاث التي توثق حقائق المسميات التي أطلقت في حقبات زمنية سابقة على مختلف الأماكن، مُرجعاً الأمر إلى ضعف في الإمكانات البحثية.

ميلاد في الشارع

بالولوج إلى الشوارع، نجد أن بعضها يحمل أسماءً أقرب للطرفة، كشارع الحوامل مثلاً، الواصل بين مخيمي المغازي والبريج وسط قطاع غزة.

كان الشارع مسلكاً للنساء الحوامل اللواتي يعتقدن أن في المشي تسهيلاً للمخاض، فيسلكن هذا الطريق الترابي حيث تترامى الأشجار على جانبيه، والذي يعد واحداً من أكثر الشوارع هدوءاً.

غير أن اعتياد النساء الحوامل على السير بين جنباته لا يعد السبب الرئيسي للتسمية، إذ تشير السيدة فاطمة الصوري القاطنة بالقرب من الشارع، إلى أن أصل التسمية يعود إلى حادثة تمخض إحدى السيدات في الشارع أثناء سيرها ذهاباً وإياباً في ثمانينات القرن الماضي. ولم يشكك في هذه الرواية أي من السكان أو المؤرخين.

شارعة السكة

لا يحمل هذا الشارع اسماً غريباً كالبقية. فأقل ما يمكن أن يطلق على شارع السكة، الممتد شرقاً على طول قطاع غزة (41 كلم)، إنه "اسم على مسمى".

آثار قضبان السكة الحديدية لا تزال خير شاهدٍ على أن قطاراً مر من هنا يوماً حتى خفت صدى بوقه وتلاشى دخانه.

ويؤرخ سليم المبيض لهذه القصة في كتابه "غزة وقطاعها"، فيشير إلى أن بريطانيا هي التي أقامت سكة الحديد شرق قطاع غزة في العام 1917، وامتد القطار في تلك الحقبة من مصر إلى لبنان مروراً بغزة في فلسطين.

وهذا ما أكده أيضاً المواطن محمد الأسطل، وهو من سكان محافظة خانيونس ويقطن بالقرب من شارع السكة، أو ما يصطلح عليه بالمحطة، إذ أشار بيده إلى بقايا قضبان حديدة في الأرض قائلاً: "من هنا كان يمر القطار، قبل احتلال غزة عام 1967، غير أن اسرائيل قامت بإزالة بقايا هذه السكة من معظم الأحياء التي مرت بها".

استبدال مسميات

ومن بين الشوارع التي لم يحبذ سكانها الخوض في أصول تسميتها هما شارعا البغاء، والنَوّر اللذان كانا يحملان صفتين قبيحتين، وجرى تغيير اسميهما لاحقاً، فحمل الأول أسم شارع النزهة، أما الآخر فصار شارع عباد الرحمن، مطلع القرن العشرين.

ويعود هذا التحفظ من قبل السكان القاطنين شمال قطاع غزة، لأن المجتمع الفلسطيني عموماً مجتمع مسلم محافظ، يلفظ صفة البغاء.

أما النَوّر أو الغجر فهم الجماعات الذين سنوا الأطراف على مستوى العالم، ووصلوا إلى غزة حيث اشتهروا بالرقص في حفلات الزفاف. وقد عتزلوا هذه المهنة بعد دخول انتفاضة الحجارة عام 1987.

ولتدارك مشكلة أسماء بعض الأمكنة التي ينتاب سكانها حرج من جراء التسمية، اقترح أستاذ التاريخ "السنوار"، تشكيل لجنة متنوعة التخصصات تشمل كلاً من: التاريخ، والجغرافيا، والتراث الشعبي، والتربية، لصياغة مسميات تعطي تصوراً ثقافياً حقيقياً عن المجتمع.

ووجه السنوار دعوة لوضع لوحات على مداخل المناطق والطرقات تحمل تفسيراً للتسمية، مشدداً على أهمية أن تُسمى المناطق وفق رؤية وطنية شاملة، لا وفق "اجتهاد شعبي عشوائي"، بحسب وصفه.

لكن ما لا شك فيه هو أن المناطق ستبقى تحمل أسماءها الأولى حتى لو لم تكن أصول التسمية مقنعة جداً. فكل محاولات تبديل اسم حي تل الهوا جنوب مدينة غزة، إلى تل الإسلام، باءت بالفشل، لغلبة الطبع على التطبع.

كلمات مفتاحية
التراث فلسطين

التعليقات

المقال التالي