قصة لاجئة "ناكرة للجميل": ليس لدينا دَيْن لسداده

قصة لاجئة "ناكرة للجميل": ليس لدينا دَيْن لسداده

هي دينا نايري، تلك الفتاة الإيرانية التي لجأت إلى الولايات المتحدة صغيرة مع عائلتها. بعدما كبرت هناك، وتنقلت بين "موطنها" الأمريكي الجديد وأوروبا، تكتب شهادتها في صحيفة "الغارديان" البريطانية.

شهادة مطولة تحكي فيها دينا عن صراعها من أجل التأقلم، ثم محاولاتها المستمرة لإثبات استحقاقها للوطن الجديد. لكن الأهم في شهادتها يبقى أفكارها الجديدة بخصوص ميل اللاجئين، كما مضيفيهم، إلى طمس كل ما يكشف هوياتهم السابقة التي حملوها من مواطنهم الأصلية، وصولاً إلى إحساسهم الدائم بضرورة إظهار الامتنان الأبدي لمن استضافهم.

قصة دينا تشبه قصة عشرات في تخبطهم بين الهويات، وفي محاولات اندماجهم في المجتمعات المضيفة وفي ديناميكيات العلاقة مع محيطهم. في تأرجحهم القلق بين ذكرياتهم السابقة وحياتهم الحالية. في إحساس النقص العميق الذي ينتابهم أمام سكان البلد المضيف، فيحاولون تمويهه بأشكال مختلفة.

مفاصل حياة دينا المتقلبة نقلتها في شهادة مهمة عنونتها بـ"اللاجئ الجاحد: لا دين علينا لنسدّه".

قبل أسابيع قليلة، نفضت الغبار عن صورة جواز سفري القديم، النسخة القديمة غير المبتسمة مني وأنا في الثامنة من العمر، مصدومة، غاضبة، ترتدي حجاباً رمادياً ضيقاً وتحدق إلى البعيد. لا يعكس الوجه الظاهر في الصورة حالة فتاة على وشك أن يتم إنقاذها، فقد كنا نستعد لمغادرة إيران قريباً.

لقد خبأت تلك الصورة، منذ أن تخلصت من آخر غطاء للرأس لدي، لكن ما خطف انتباهي اليوم كان ذلك الوجه الحائر وتلك الشفاه، وليس الحجاب. مهما أحاول جاهدة، لا أنجح في التوفيق بين صورة تلك الطفلة والصور الحديثة لتلك الكاتبة الأمريكية المتعبة.

في العام 1985، عندما كنت في سن السادسة، تركت العائلة أصفهان للعيش في لندن بضعة أشهر. الانتقال كان مؤقتاً وطعنة الهجرة كانت خفيفة. مع ذلك تمّ تسجيلي في المدرسة، بعد أن كنت قد ارتدت الحضانة في طهران فقط، ولا أتكلم سوى اللغة الفارسية.

في البداية، رحب الأطفال بي، حاولوا تعليمي بعض الكلمات الإنكليزية مستخدمين اللعب والصور، ولكن سرعان ما تغير الجو في غضون أيام. استغرقني الأمر سنوات، لأعرف أن فترة الترحيب الأولى كانت الفترة التي يستغرقها الأمر، ليعرف الأهل من أولادهم أن ثمة طفل إيراني يرتاد المدرسة معهم.

بعد ذلك، اعترضني مجموعة من الصبيان في الملعب، ادعوا أنهم يحاولون اللعب معي وبدأوا ضربي على معدتي، رمونني بشتائم إنكليزية وهزأوا من شكلي. بعد أسابيع من تلك الحادثة، اعترضني صبيّان أكبر سناً، أغلقا الباب على يدي، فتضرر جزء من إصبعي ضرراً بالغاً. هرعت إلى الطوارئ، حيث أعادوا تقطيبه.

لم أعد إلى تلك المدرسة، لكن ما سمعته من البالغين لاحقاً، من جدتي ووالدي، كان مجموعة من عبارات الامتنان. الله قد حماني ولا يجب أن أنظر للحادثة في إطار سلبي. لقد حان الوقت للتألق! عدا عن ذلك، ما الذي يؤكد نوايا الشباب؟ ربما كانوا يلعبون فقط، في محاولة لدمجي معهم حتى ولو لم أكن أعرف كلمة واحدة من لغتهم؟ أليس ذلك أمراً جيداً؟

أقوال جاهزة

شارك غردشهادة غير تقليدية للاجئة في أمريكا: ليس على اللاجئين أن يشعروا بضرورة إظهار الامتنان الأبدي لمن استضافهم

شارك غردعبر السنوات، تركت نفسي أؤمن بتلك الأفكار. خسرت لكنتي. خسرت هواياتي وذكرياتي. ونسيت أغاني طفولتي

في نهاية المطاف عدنا إلى إيران. أُدخلت تحت غطاء الرأس مجدداً، وتم إرسالي إلى مدرسة إسلامية للفتيات.

بعد ثلاث سنوات، تركنا، والدتي وشقيقي وأنا، إيران بشكل حقيقي هذه المرة. كانت والدتي قد اعتنقت المسيحية وخضعت لاستجواب الشرطة الأخلاقية لثلاث مرات وتم تهديدها بالإعدام. أصبحنا طالبي لجوء، وتنقلنا بين فنادق اللجوء في دبي وروما.

قبلها، كنت قد قضيت سنواتي الثمانية الأولى في خضم الحرب العراقية - الإيرانية، في أجواء من الخوف وصفارات الإنذار والملاجئ. وعليه عندما كنا نتنقل بين فنادق اللجوء، شعرت بالسلام، أما والدتي فكانت تحثني على شكر الله في صلواتي.

في سن العاشرة حصلنا على اللجوء في الولايات المتحدة، وجرى إرسالنا إلى أوكلاهوما. كان ذلك مع بدء حرب الخليج الأولى. عندما وصلنا إلى الجنوب الأميركي، كان إصبعي قد عاد إلى طبيعته، شعري قد نما، وكنت (حسب والدتي) قد أصبحت فتاة جميلة وذكية ومرحة.

تتابع دينا قصتها موضحة المفاصل التي كان فيها الامتنان سيد الموقف، في وعي التعامل مع المضيف وفي لا وعي اللاجئ عند تعامله مع نفسه.

كان الأطفال بلا رحمة أثناء محاولتهم إغاظتي… في كل مرة كان يحدث فيها شيء سيء معي، كنت ألجأ لتكرار تعويذتي الخاصة، تلك الصيغة التي آمنت أنها سبب حظي السعيد، وبطاقتي إلى هروب آخر - ربما إلى حياة يمكنني أن أكون فيها سعيدة. كنت أرددها مراراً في رأسي، وأحياناً بصوت مرتفع:

أنا محظوظة. أنا ممتنة. أنا الأذكى في صفي.

أنا محظوظة. أنا ممتنة. أنا الأذكى في صفي.

… ولكن لماذا أكون محقة، أنا الإيرانية السخيفة (الضعيفة)، عندما أظن أنني أفضل من الآخرين؟

في هذا الوقت، كانت أمي تعاني أضعاف ذلك. في إيران، كانت طبيبة لكنها بدأت العمل في الولايات المتحدة في مصنع للمستحضرات الطبية، حيث كان مدراؤها وزملاؤها يشككون يومياً في معدل ذكائها، علماً أنهم لا يمتلكون سوى ربع ثقافتها. لكن لكنتها الأمريكية الركيكة كانت كافية لهذا التشكيك. عندما تأخذ وقتاً طويلاً للتعبير عن فكرتها، يتوقفون عن الاستماع ويتهمونها بعدم الذكاء... عندما يخطئ أحدهم، كانت أمي هدفاً مثالياً للومها.

في نهاية المطاف، اختفت الكراهية من الأجواء. ذبنا في المجتمع. لم يعد هناك وجود للغرباء الآتين من أرض الحروب، وفي مرحلة معينة لم نعد نخيفهم. ذهبنا إلى العمل، إلى المدرسة والكنيسة. كبرنا بوجوه مألوفة، آمنة، ولم نعد غرباء.

لا أؤمن بذلك التفسير. ما جرى في الواقع هو أننا تعلمنا ما يريدونه…

the beautiful women of my family, and my uncle... (my city side)
في النهاية، لم نكن بالنسبة لهؤلاء الأمريكيين إرهابيين أو إسلاميين متطرفين أو مجرمين عنيفين. منذ البداية، علموا أننا عائلة مسيحية هربت من أولئك المتطرفين. وهم، كمجموعة بروتستانتية، قبلونا وأنقذونا. ولكن كان ثمة شروط خفية لهذا القبول، كان ذلك هو السر الذي علينا أن نستخلصه بأنفسنا: كان علينا أن نكون ممتنين.

كلاجئين، كنا مدينين لهم بهوياتنا السابقة، كان علينا أن نقدمها كنذور على أبوابهم، ونحرص بكل سرور على كسب مكاننا في ذلك البلد الجديد…

كان ذلك المفتاح لاحتضاننا من قبل أهالي منطقتنا، تلك الجماعة التي يرجع إليها الفضل في أننا ما زلنا على قيد الحياة، لكنها لا تريد أن تعرف شيئاً عن ماضينا. شهر بعد آخر، كان يتكرر طلب والدتي لتقديم شهادتها في الكنائس وبين المجموعات النسائية، في المدارس وحتى خلال ولائم العشاء.

أذكر تلك اللحظة التي كانت تتوقف فيها الأحاديث ويطلب منها أن تعيد قصة هروبنا من إيران. المشكلة، بالتأكيد، أنهم كانوا يريدون سماع قصة هروبنا كما يتعاملون مع الطلسم الذي يجلب الحظ السعيد، لا أكثر.

أبداً، لم يسألنا أحد كيف كان يبدو منزلنا في إيران، وأي أشجار مثمرة كنا نزرعها في الحديقة، ما الكتب التي قرأناها، وما الموسيقى التي أحببنا سماعها، وما هو شعورنا عندما لا نفهم أي من الأغاني التي يجري بثها على المذياع.

لم يسألنا أحد ما إذا كنا نشتاق لأقربائنا وأصدقائنا المقربين، ولا عن نشاطاتنا في فصل الصيف أو ما إذا كنا نملك صوراً لبحر قزوين. "الرجال يعاملون المرأة بشكل سيء هناك، أليس كذلك؟"، قد تسأل إحدى النساء. وبشكل ما، لا تكون راضية إذا كان الجواب يتضمن قصصاً عن والدي المرح الذي تملأ جيوبه حبوب الكرز الحامضة، ولا عن جدي الذي كان يزيل طقم أسنانه عندما كان يخبرنا قصص الأشباح.

استحضار هذه الذكريات، بطبيعة الحال، يعني ضمناً الأمر الذي يصعب تصوره لديهم: إيران كانت جميلة، ومرحة وممتلئة حيوية ورومانسية، كما الحال مع أوكلاهوما أو مونتانا أو نيويورك.

4736

وتصل دينا في شهادتها إلى تلك اللحظة من "الامتنان الخالص" في يوم الحصول على الجنسية.

منذ ذلك الحين، وصلنا إلى تلك المرحلة التي نراعي فيها توقعات الآخرين عنا، حيث علينا طمس سحنتنا القديمة وهوياتنا السابقة - وكل سمة أو رغبة كانت قد صنعت منا ما نحن عليه - لصالح أمريكا التي كانت أفضل، لفكرة أننا محظوظين وأن علينا التواضع لكوننا فيها.

تابعت أمي تقديم شهادتها في الكنائس، حملت صليبها بالروح نفسها التي كانت تحمله فيه في إيران الإسلامية، خبزت الكعك الأمريكي واستبدلت ماء الورد في حلوياتها بالفانيليا. لكنني فعلت ما هو أسوأ من ذلك: عبر السنوات، تركت نفسي أؤمن بتلك الأفكار. خسرت لكنتي. خسرت هواياتي وذكرياتي. ونسيت أغاني طفولتي.

بعد سنوات عرفت أن فترة الترحيب الأولى كانت قبل معرفة الأهل من أولادهم أن ثمة طفل إيراني معهم في المدرسة

في عمر الخامسة عشر، أصبحنا مواطنين أمريكيين. لقد شعرت بالارتياح وبسعادة غامرة وامتنان حقيقي. كنا في حفل المواطنة… وكان ثمة الكثير ممن ينتظرون دورهم ليعلنوا أسماءهم ويؤدوا اليمين... لم أكن أعرف أن ثمة الكثير من ذوي البشرة السمراء والصفراء في أوكلاهوما… الكثير من الهنود؟ السيرلنكيين والبنغلادشيين والباكستانيين والصينيين والإيرانيين والأفغان؟ أين كانوا يختبئون كل هذا الوقت؟ (لا يعني ذلك أنني كنت أنظر حولي في السابق).

خلال الاحتفال، وصل رجل هندي ثمانيني إلى المنصة، عندما أنهى قسمه، صرخ عالياً وهو يرفع يده في الهواء "أنا أمريكي"، "أخيراً أنا أمريكي". حياه الموجودون وصفقوا له… إنها ذكرى معقدة بالنسبة لي اليوم، لا أنكر جمالها العفوي والمشترك في ذلك اليوم، مع ذلك أعلم أن الجمهور لم يحتف بشخص الرجل العجوز، بل بالامتنان الذي أظهره، بإعلان تحوله إلى كائن جديد، إلى كائن منهم.

تتابع دينا كاشفة شعورها في كل مرة تصل فيها إلى المطار، في كل مرة تسمع فيها عبارة "Welcome Home" أو "أهلا بك في ربوع الوطن".

مرت السنوات. أصبحت أمريكية بالقدر الذي أستطيعه. ذهبت بعيداً في ذلك، وأحطت نفسي بأصدقاء مثقفين وناجحين. اختفت المشاعر السلبية. بدأت أحب العالم الغربي، وأشعر أنني جزء أساسي فيه. تنقلت بسهولة أتاحها لي جواز سفري الأمريكي… وعندما كنت أعود إلى مطار جيفري كينيدي كان يتم الترحيب بي في "الوطن" بشكل مهذب أو ابتسامة.

كتب كثر عن أثر تلك العبارة النفسي بعد رحلة طويلة… بالنسبة لي، في كل مرة كانت تخرج من لسان الموظف هناك كانت تجتاحني موجة من الامتنان. أرد بتأثر "شكراً لك". شكراً لأنك قلت أنه وطني. شكراً لأنك سمحت لي بالدخول مجدداً. في تلك اللحظة التي تسبق إعادة جواز سفري إلي، أصبح ذلك الثمانيني الهندي وهو يرفع يده صارخاً في الهواء.

تحكي دينا لاحقاً عن تجربة حصولها على جنسية أخرى، هي الجنسية الفرنسية التي نالتها بعد زواجها من فرنسي. عن حفل السفارة الذي ضم لبنانيين وأتراك وتونسيين ومغاربة، تصدح أصواتهم بالنشيد الفرنسي بكل سعادة. تحكي عن أناس كانوا يشتكون لها في أمستردام عن وجود "الكثير من المغاربة والأتراك".

تحكي عن الرجل الذي أحرق نفسه بعد عدم حصوله على تأشيرة سفر. عن الشك لدى الآخرين بأنه لم يقم بما يكفي ليندمج. لم يكن ممتناً كفاية. تحكي عن الطريقة التي ينظر فيها إلى اللاجئين اليوم في أمريكا وأوروبا، حيث يجرى إبراز قصص نجاحهم وسعادتهم، وامتنانهم لما يقدم لهم. كل ذلك لتخلص بعد سنوات من تجربتها وتعليمها في لندن وتجولها، إلى ما يلي:

تحكي عن الرجل الذي أحرق نفسه بعد عدم حصوله على تأشيرة سفر. عن الشك لدى الآخرين بأنه لم يقم بما يكفي ليندمج.

إنجازاتي يجب أن تُنسب لي وحدي. لا يجب سؤالي عما إذا كنت أستحق مكاني، عبر إظهاري كما لو كنت رهاناً جيداً. عائلتي وأنا كنا في وقت ما أناساً في حالة خطر، طرقنا أبواب سفارات كثيرة من بريطانيا وأمريكا وأستراليا وإيطاليا. فتحت أمريكا لنا الباب، وما زلت بعد عقود أشعر بالحاجة للانحناء لموظف المطار عندما يقول لي "أهلا بك في ربوع الوطن".

لكن ما قامت به أمريكا كان واجباً إنسانياً بديهياً، واجب كل إنسان وُجد في غرفة آمنة بفتح الباب لمن يهرب من الخطر. واجبه أن يفتح لنا، حتى ولو لم نقدم له قصص نجاح بطعم السكر، حتى لو بقينا لاجئين عاديين، في بعض الأحيان مزعجين أو نشعر بالإرباك.

… لأن حياة كل شخص لا يمكن أن تعد بمطلق الأحوال استثماراً سيئاً، وحتى لو لم يكن هناك دائنين يدقون الباب، فلا دين يجب أن يدفع. هناك فقط بقية من حياة، قصص تنتظر أن تعاش، الكثير من الأيام الفوضوية، الجشعة، العادية التي تنتظر هناك لتبديدها.

للاطلاع على الشهادة الكاملة زوروا موقع الغارديان على الرابط التالي.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
العالم اللاجئون

التعليقات

المقال التالي