حسد وحمل وجنس، لماذا كان أجدادنا يدقون الأوشام؟

حسد وحمل وجنس، لماذا كان أجدادنا يدقون الأوشام؟

رغم تحريم الكثير من الأديان لعادة الوشم، فإن أجساد معظم الأجداد والجدات حملت وشوماً مع أنهم متدينون. تلونت أيديهم وأقدامهم بألوان لرسومات وعلامات، اعتقد البعض أنها ليست أكثر من أشكال هندسية وصور لحيوانات وطيور.

فهل كانت بالفعل كذلك أم أنها تضمنت رموزاً ومعاني باطنية؟

خرافات الوشم

تعددت أسباب الوشم وأشكاله عند القدماء. كانت السيدات يتبركن بالوشم للإنجاب ولجذب العرسان.

وإذا مات أبناء المرأة في سن صغيرة، تحرص على دق وشم للطفل التالي، على شكل نقطة زرقاء أو خضراء، في وجهه إن كان ولداً، وعند أسفل كعب القدم أو أعلى الجبهة إن كانت بنتاً.

كما يدق وشم لوحيد أبويه على الشفة العليا، وتُرسم علامة دائرية الشكل قرب أنفه للوقاية من الحسد.

ولكل مرض وشم معين للعلاج؛ فآلام الأسنان يشار لها بالوشم قرب أحد المنخارين، ومن أصيب في عينيه بضعف النظر تُدق ثلاثة خطوط صغيرة متوازية جانب جبهته.

أما المصاب بمرض البهاق، فتُدق ثلاث نقاط على إصبع الإبهام في إحدى يديه.

وفي الوشم أيضاً وقاية من الحسد. وهو ما تقول السيدة ثناء (80 عاماً) من محافظة المنيا في مصر، والتي رفضت ذكر اسم: "إحنا بنرسم الكف أو الخمسة كعلامة لآل البيت النبوي، يعني لما نعمل خمسة في وش حد يبقى كأننا بنقول له افتكر آل البيت وصلي ع النبي ومتحسدش".

Bg1lAnX

من أين جاء الوشم؟

استخدم الوشم في الحضارات البدائية بحافز الرغبة في تمييز القبائل بعضها عوضاً عن التشريط، وهو عمل عدد من الخطوط في الجلد، والذي يترك يترك جروحاً غائرة على البشرة يتعذر معها التحكم في الشكل المُراد تركه على الجسد.

ويسرد الباحث "حسيني علي محمد" في كتابه "رموز الوشم الشعبي" أن هناك بعض الرموز المُغرقة في الإباحية اتخذتها حضارات البحر المتوسط شكلاً شائعاً من أشكال الوشم على الجسد، أو النقش على البيوت وغيرها.

ويوضِّح حسيني أن الإباحية هنا غير مقصود منها الانغماس في الشهوات، إنما تستخدم ليغض الآخر بصره عن الشخص الموشوم، فلا يطيل النظر إليه "حياءً من الرسم الإباحي"، ومن هنا يسقط الحسد الذي يعتبر النظر أول خطوة فيه.

في مصر: لبن امرأة وهباب لدق الوشم

يقول ادوار وليم لين، الرحالة الإنجليزي الذي كتب عن عادات وأسلوب حياة المصريين أن السيدات في المجتمعات الشعبية حرصن على رسم وتجميل وجوههن بوشوم جميلة منها السهمان المتوازيان دلالة على الجرأة.

فيما رسمت أخريات خطاً يمتد من الشفاه حتى أسفل الذقن، وعلى جانبيه نقاط زرقاء أو خضراء، للإشارة إلى نضوجهن واستعدادهن للزواج.

كانت تقوم بالوشم عادة سيدات غجريات تحملن معدات من إبر الوخز، ومادة تُركب من السناج، أو الهباب الذي ينتج عن احتراق الأخشاب مع بعض الزيوت.

تمزج المادة بلبن امرأة ترضع طفلها، ليطلي المزيج المكان المراد الوشم به بعد وخزه. ثم تدلك المنطقة بعد أسبوع بأوراق نبات البنجر الأبيض، لتكتسب البشرة لوناً أزرق مائلاً إلى الأخضر، وهناك من يعتمد على نبات النيلة وصبغته.

أقوال جاهزة

شارك غرددقوا الوشم الإباحي لألا يطيل أحد النظر إليهم حياءً منه، فيسقط الحسد الذي يعتبر النظر أول خطوة فيه

شارك غردفي بعض قبائل أفريقيا الوشم وسيلة لعدم ارتخاء ثدي المرأة وفي أخرى للاحتفال ببلوغ الفتيان النضوج الجنسي

وقد عرف الأقباط رجلاً اسمه يعقوب رزُّوق، مصري قبطي أقام في القدس عام 1956، وعمل على دق الوشم على أطراف أجساد الحجاج الأقباط بعد زيارتهم بيت المقدس. وقد استخدم رزّوق مجموعة من البصمات الخشبية المُستقاة من الفن القبطي.

وسرد جون كارسول، في كتابه الذي ألَّفه عام 1958 بعنوان "وحدات الوشم عند الأقباط" أن بصمات الوشم لدى أقباط مصر تنوَّعت بين رسم الصليب، وصورة مار جرجس يقتل التنين، ومولد المسيح، وصورة الملاك ميخائيل يصارع الشيطان، والحمل المقدس، والسيدة العذراء.

في العراق: أم هرفي ومخدة ابن العم

في كتابه "الوشم ظاهرة جمالية في ريف الشرقاط"، يحكي الباحث العراقي محمد عجاج الجميلي عن الوشم في العراق فيقول: "يكون للوشم موسم معين هو موسم الربيع، حتى لا تتقيح الجروح من ناحية، ومن ناحية أخرى لأن في الربيع يكثر الخير من الزبد واللبن".

تقوم البنات، بحسب الكتاب، بحمل الزبد واللبن إلى المرأة التي يتبركون بها، والتي تسمى  "الدكَّاكة" لتقوم بوشمهن. وأطلق بسببها المثل العراقي "دكاكة وتدك لبتها، كدلالة على اهتمامها بتجميل البنات بكل الطرق فما بالك بتجميلها لابنتها.

ويضيف الكتاب أن المرأة الريفية في العراق تضع الوشم على ذراعيها بخطوط مستقيمة "في ما يُسمَّى "مخدة ابن العم" إيمانًا منها بأن ابن عمَّها سيتزوجها كما يحدث في مصر من زواج الأقارب في الريف والصعيد". وتعتقد أن ابن عمها عندما يتوسَّد ذراعها بعد الزواج سيزداد لها حباً ويهيم بها غراماً.

كذلك الهلال والهلال المنقوط وشكل رقم ٧ وفوقه نقطة وأسفله نقطة من أشهر الوشوم العراقية للنساء والرجال معاً.

ويطلق لقب "أم هرفي" على المرأة التي تقوم بالمهمة نفسها، لكن يعود أصلها للغجر، وكانت الأشهر في أسلوبها في جذب البنات، فيقال عنها: "دك أم هرفي مثل حروف القرآن وإبرتها مثل قلم السلطان".

في أفريقيا: الوشم بالحرق للاحتفال بالبلوغ

Algerian-tattooed-girl-1920_Library-of-Congress

يقول الباحث "دى راشولتس": "ارتبطت عادة الوشم لدى بعض القبائل الإفريقية بالدوافع الجنسية، فكان يوشم الطفل خلال الطقوس التي تقام للاحتفال ببلوغ الفتيان في فترة النضوج الجنسي، للدلالة على الجرأة والإقدام وبداية النشاط الجنسي.

وتقوم السيدات بوشم  للفتيات لضمان فتنة الرجال، يكون  بالتشريط أو الحرق، على البشرة. وتمزج بمقادير محددة من الرماد النباتي لجعل التئام البشرة يتخذ سمة بعينها، أو يلصق به بعض النباتات ليلتئم الجرح وتحرص بعض القبائل على وشم بطون فتياتها وأعلى أفخاذهن كعلامة من علامات الجمال.

وفى غينيا تعتبر النساء أن الوشم وسيلة تحول دون ارتخاء ثدي المرأة بعد الولادة والرضاعة. ولا تزال هذه التقاليد قائمة حتى الآن.

في تونس: أصل الوشم عبادات قديمة

الباحث الفرنسي "برتولون" يؤكد في دراسته التي نشرت عام 1904 تحت عنوان "أصول الوشم عند الشعوب الأصيلة في شمال أفريقيا" أن مرجع العديد من أشكال الوشم في شمال إفريقيا المنتشرة حتى اليوم في تونس وليبيا والجزائر، يعود إلى عبادات قديمة. الأمر الذي يؤكد ارتباطها بأصول حضارية ومعتقدات ارتبطت بشعوب بحر إيجه.

وتقول صابرين سعدني من تونس إن في بلادهم وشوماً مخصصة للرجال فقط، توضع إما على الساق أو اليد وهذه الأماكن لم تكن عشوائية، فلكل وشم ورمز ووظيفة في مكانه.

الوشم بوجه المرأة للجمال، وباليد للخصوبة، وآخر للذين لم يرزقوا بأطفال، والرمز + على وجه الفتاة هو الأكثر شهرة، ويعبر عن حرف التاء باللغة الأمازيغية، وهو أول حرف من كلمة تامتوت أي المرأة الجميلة.

وتسمى السيدة التي تدق الوشم "العداسية"، وقد انتقلن معظمهن إلى تونس من ليبيا والجزائر. وتعتبر امرأة فاضلة يتبارك بها الناس ويقدمون لها الهدايا.

بشكل عام، امتهن الأشخاص الذين يقومون بدق الوشم سواء لأنفسهم أو لغيرهم أعمالاً معينة. فكانوا إما نحَّاسون "مُبيضو النحاس"، أو غجر، أو حواة "ممتهنو السحر"، أو رفاعية "مروضو الثعابين"، أولاعبو الألعاب البهلوانية وألعاب القوى.

لكن عادة الوشم تكاد تختفي بسبب تحريم الإسلام تحديداً لها. فقد باتت غريبة لا شعبية لها في المدن الرئيسية في مصر. كما أن فريقاً من أهل العلم يضعونه في خانة الدجل والخرافات الشعبية.

لكن الوشم بلا شك بقي حاضراً في الثقافة الشعبية للقرى والمدن الصغيرة في الأرياف والصعيد، خصوصاً الذي يتصف بدلالة، ويرتبط بصد حسد، أو فك عمل. وهناك بلا شك من يؤمن به ويعتقد في قدرته.

التعليقات

المقال التالي