أين ذهب عازف مواويل صبر الفقراء ومادح الرسول؟

أين ذهب عازف مواويل صبر الفقراء ومادح الرسول؟

"لا بد من يوم معلوم تترد فيه المظالم"، على أنغام ربابة، يجوب بها الرجل الخمسيني شوارع القرية، وهو يغني.

في منتصف الشارع ينظر أحمد (25 عاماً) إلى منزل يقع بداية شارعه، حيث توجد الفتاة التي يحبها منذ صغرهما، ولخلاف عائلي يرفض أشقاؤها ارتباطهما. يقول له: "قول ربي يجمعني بالحبايب". فيرد عليه عازف الربابة: "يا رب من كل له حبيب ما تحرمه منه... ده الحبيب زي عود القصب ما يتشبعش منه".

فيعطيه أحمد جنيهات خمساً، ليغمره بالسعادة لحصوله على ذلك المبلغ رغم بساطته، فيظل يردد إلى نهاية الشارع "يا رب اجمع أحمد بحبيبه، واجمع من كل دعا ربه بحبيبه".

nubiorababah

هذا المشهد تكرر مئات المرات وربما الآلاف في شوارع الصعيد، خصوصاً في فصل الصيف، وفي مواسم جمع الحصاد، فبات مألوفاً للصغار والكبار.

رضي عازف الربابة أن يكون فنان الفقراء، الذين يذهب إليهم، بينما غابت عنهم المسارح والسينما وغيرها من الأماكن الثقافية. كان معهم من دون مقابل مادي، فيرضى أحياناً بكوز من الذرة، أو رغيف خبز، أو عدة جنيهات، في حين يملأ الشوارع بصوت ربابته الأصيلة، بمربعات إبن عروس، وأخرى ارتجالية، وحكم ومواويل صعيدية، رقصت قلوب أهل الصعيد كلما سمعوها.

 أين ذهب فنان الفقراء، وهل صارت الربابة من الماضي؟

"آلة الربابة"

بسيطة في شكلها، يتم تصنيعها من خشب الأشجار وجلد الماعز، ويصنع الوتر الخاص بها من شعر الحصان "الفرس"، ويتم ربط جميع أطرافها (القوس، الوتر، القب، الذراع) بالحرير. صنعها المصريون القدماء، وانتشرت في صعيد مصر، فكان لا يخلو منزل في الصعيد من هذه الآلة، حتى أنها صنعت منها شكلاً صغيراً كان يقوم أحد البائعين بالتجوال في شوارع الصعيد وبيعه للأطفال، وكان الجميع يحرصون على شرائها لأبنائهم.

يقول الباحث مسعود شومان رئيس تحرير سلسلة الدراسات الشعبية، إن الربابة آلة قديمة تصاحب الفنانين بالعزف المنفرد، وشاركوا بها في مناسبات مختلفة كالأفراح وحلقات الإنشاد الديني. يتغنى على أنغامها فن الواو والمربعات، وتختلف أشكالها، فهناك ربابة بوتر واحد، تعد رباب الشاعر وتسمى "الشاعر الشعبي"، ثم تطور صوتها حتى اقترب من صوت آلة الكمان.

أقوال جاهزة

شارك غرد"لا بد من يوم معلوم تترد فيه المظالم أبيض على كل مظلوم أسود على كل ظالم"

موسم الحصاد

تعد الأوقات التي يجمع المزراعون فيها المحصول، فترة العيد بالنسبة إلى فنان الربابة. يجوب الأراضي الزراعية أثناء جمعهم للقمح والقطن، ثم يجول على المنازل للحصول على حصته من المحصول مقابل عزفه. وكان أهالي الصعيد يستبشرون بإعطائه من المحصول، فيعتبره البعض صدقة، ويعتبره آخرون وجه خير عليهم.

اختلفت المواقف التي عبرت عنها كلمات فن الواو مربعات ابن عروس الشهيرة بالصعيد، والتي يتغنى بها عازف الربابة. فبعضها من الحكم التي تقدم النصح للصعايدة وتحثهم للحفاظ على كرامتهم:

"سرة من الزاد تكفيك

وتبقي نفسك عفيفة

والقبر بكرة يطويك

وتنام في جار الخليفة".

 للنساء كان نصيب كبير من غنائه، فيغني مادحاً جمالها:

"يا بت جمالك هبشني

والهبشة جت في العباية

رمان صدرك دوشني

وخلي فطوري عشايا".

 في الوقت الذي يحذر فيه الرجل منها، في تعبير عن التناقض في علاقة الرجل بالمرأة في الصعيد:

"كيد النسا يشبه الكي

من مكرهن عدت هارب

يتحزمن بالحنش حي

ويتعصبن بالعقارب".

كما يغني فنان الفقراء عن الحكام والظلم الذي يتعرض له المواطنون:

"لا بد من يوم معلوم

تترد فيه المظالم

أبيض على كل مظلوم

أسود على كل ظالم".

لم يكتف عازف الربابة بمربعات ابن عروس فقط، بل كان هناك الكثير من المواويل التي عبّر عنها مغنو الصعيد على الربابة، منها ما جسد العادات والتقاليد العرقية التي يعيش عليها الصعيد حول الزواج والنسب والتفرقة بين العائلات، والحديث عن أصل العائلات:

"ياللي انت غاوي النسب

قوم أسال عن العائلات

ونقي لولدك خال وأستنضف العائلات

يا عيني على العايقه لما تفجر تربي في الحشا علات".

والعايقة هي المهتمة بمظهرها، أما الحشا فهي المعدة، والعلات هي مفرد علة وتعني المرض.

"اسمع كلامي ومعنى القول ومليح

وإن قعدت تتجوز خد بنت الأصول ومليحه

تعيش معاك على الحلوة والمرة في دي الأيام

تغور القبيحة لو من أحسن العائلات"؟

مدح الرسول

اشتهر الصعيد بحبه لقصائد وكلمات المديح للرسول والصحابة، وتغنت أجمل القصائد على الربابة في مدحهما:

"أنا باوحد اللي خلق الناس

خلق مسلمين ونصارى

ناس نايمة على فرش وكناس

وناس على المعايش حيارى".

 فنان الفقراء مجهول

على الرغم مما حققه سيد الضوي، الشهير بشيخ القوالين، الذي تغنى بالسيرة الهلالية، والفنان الريس متقال، الذي اشتهر بالغناء على الربابة منذ التاسعة من عمره وتمكن من تحقيق العالمية، فجاب بلاد العالم بفرقته الصغيرة لينشر فنه، إلا أن معظم فناني الربابة لم يحققوا نجاحاً خارج الصعيد. كانوا يتجولون في شوارع القرى ويحيون الأفراح، وحفلات الطهور التي يقيمها أعيان الصعيد.

وبحسب شومان لم يحقق فنانو الربابة شيوعاً، رغم أنهم تجولوا في القرى والمحافظات، فلم تقتصر الربابة على صعيد مصر فقط، بل امتدت إلى الدلتا أيضاً، وكفر الشيخ بقرية البكاتوش، ومحافظة المنوفية والغربية، حيث الربابة أشبه بالكمان الصغير ويسمونها "أرنبة"، ما جعل رواد هذا الفن مجهولين.

أسباب تخلي فنان الربابة عن تجواله

في السنوات الأخيرة، غاب رجل الربابة عن شوارع صعيد مصر، حتى أصبح مجهولاً لجيل الأطفال والشباب تحت العشرين عاماً، فلا يعرفون عنه شيئاً.

يقول شومان: "فنانو الربابة خصوصاً المنشدون منهم، الذين يقولون المديح في نبي الإسلام محمد وآل بيته، كان مسرحهم الشارع، وكانوا يقتاتون من الغناء بمقابل مادي ضعيف، تطور من بعض القروش إلى بضعة جنيهات. ومن إحياء بعض الأفراح والمناسبات الاجتماعية التي كان يقيمها أعيان الصعيد مقابل النفحة أو النقطة التي يعطيهم إياها الحاضرون، من دون أجر معين من صاحب المناسبة. فكان ينظر إليهم أهالي الصعيد نظرة دونية، ويعتبرونهم نوعاً من أنواع الحلب أو الغجر.

وترفض العائلات الزواج منهم والنسب إليهم، ما جعل أبناءهم يتركون العزف والغناء والتجوال في شوارع الصعيد، للانضمام إلى الفرق الموسيقية التي تستخدم آلات موسيقية أكثر تطوراً وحداثة. فهم يتطلعون إلى المستقبل ويرفضون البقاء في عباءة آبائهم، وما زالت هذه الفرق موجودة على وجه التحديد في جنوب محافظة سوهاج، وقنا، وأسيوط في صعيد مصر.

عاش عازف الربابة ومغني الكلمات على ألحانها ذات الصوت المميز حياة بسيطة، هدف منها إسعاد الآخرين بفن كانت رسالاته واضحة، وبكلمات غير مبتذلة جميلة بمعانيها، ترافق أهالي الصعيد، الذين أنهكتهم دوامة التجاهل والفقر والجهل، من دون النظر للمقابل المادي، واكتفى بتوفير قوت يومه فقط.

ربما اختفى هذا الفن من الشارع الصعيدي، لكنه سطر صفحة من أهم صفحات الفلكلور، حاضناً آلة مهمة كالربابة في التراث الشعبي المصري، وصورة ذهنية لشاعر الربابة الذي حرص بعض شعراء الصعيد إحياءها في حفلاتهم الشعرية وغيرها، كالشاعر هشام الجخ وسواه من أبناء الصعيد.

كلمات مفتاحية
موسيقى

التعليقات

المقال التالي