كيف تحول قذيفة إسرائيلية إلى لوحة فنية؟

كيف تحول قذيفة إسرائيلية إلى لوحة فنية؟

"لطالما فكرتُ بوسيلة لتحويل قذائف الموت الإسرائيلية، التي انهمرت على رؤوس المواطنين في قطاع غزة خلال الحروب الثلاث الماضية، من أداة للموت والدمار إلى طريقة لمواجهة الحروب بالحب والحياة".

هكذا يبدأ حاتم رمضان الهور(42 عاماً) حديثه مع رصيف22 في منزله في مخيم البريج للاجئين وسط مدينة غزة.

منذ أكثر من ثماني سنوات، بدأ الهور رحلة البحث عن القذائف غير المنفجرة التي أطلقها الطيران الإسرائيلي على القطاع. حينما يعثر على إحداها يقوم بإزالة المواد المتفجرة منها، ويحولها إلى لوحات فنية.

INSIDE_missile-art-gaza-1

يقول الهور إن الفكرة بدأت بعدما أثارت هذه القذائف الرعب في قلوب الغزيين، وشهدت على مقتل وإصابة المئات منهم وهدم منازلهم. فأراد أن يفرغها من أدوات القتل ويعيد غرسها كأداة زينة.

"بعد إزالة المواد الخطرة من القذائف أقوم بطلائها بألوان زاهية وجميلة، ومن ثم أضع كمية من الرمل بداخلها"، يقول الهور. ثم يزين بها الحدائق والأرصفة وأحواض الزهور.

تخليد المأساة عبر الجمال

يتعب المشاهد العربي من مناظر القتل والموت، فتجده ينفر مما يذكّره بالمآسي، وهذا أمرٌ طبيعي، لكنه يعني غياب من يخلد ذكرى من رحلوا ومن كانوا ضحايا ظلم.

لذا، يجد الناس بدائل يتقارب فيها الموت والحياة، وتصوير المأساة بقالب جميل، لا تؤذي المشاهد وتشيع في الوقت ذاته حضورها الدائم.

لعل هذا هو المنطق وراء الفن الذي يمارسه الهور بشغف. فهو يريد أن يذكّر الناس بحرب غزة على أرصفة الطرقات، وليقول إنه وشعبه رغم المأساة يحبان الحياة.

"طبيعة عملي في إدارة الإنقاذ بالدفاع المدني الفلسطيني مكنني من القيام بهذا المشروع، كمحاولة للقضاء على الخوف الذي سيطر على عقول وقلوب سكان القطاع من جراء هذه الصواريخ"، يقول الهور.

أقوال جاهزة

شارك غردلطالما فكرتُ بوسيلة لتحويل قذائف الموت الإسرائيلية، التي انهمرت على رؤوس المواطنين

شارك غردهكذا تصبح القذائف وسيلة للديكور

سعادة غامرة

فقد أحمد أبو عيشة (65 عاماً) أبناءه الثلاثة  بعد قصف منزله بعدة صواريخ من قبل الطائرات الاسرائيلية خلال الحرب التي شنتها إسرائيل على القطاع عام 2014.

وهو يسكن في مخيم البريج، ويقول إنه يشعر بسعادة ما حينما يرى القذائف التي كانت سبباً مباشراً في قتل أبنائه وهدم منزله.

"هذه الحديقة الفنية تُعبر عن رسائل ودلالات رمزية بأننا صامدون على هذه الأرض, ولن يزيدنا القصف الاسرائيلي إلا قوةً وثباتاً"، يقول أبو عيشة لرصيف22.

محاولات أخرى

Palestinian artist Mohammed al-Zamar displays adorned used and diffused ammunition rounds on September 24, 2014, in the Bureij refugee camp in central Gaza.

في المخيم ذاته، يعمل محمد الزمر (38 عاماً) على تلوين القذائف أيضاً، والشظايا وكل ما يخلفه القصف، وتركيبه لوحات.

ويذكر الموقع أن عمله هذا جذب انتباه الشرطة في غزة، فبدأ تعاون بينه وبين قسم هندسة المتفجرات الذي راح يزودوه بمخلفات القصف ليحولها إلى فن.

عن المخيم

يؤكد المهندس عمر مطر، رئيس قسم الحدائق والمنتزهات ببلدية البريج، لرصيف22 أنهم يشجعون مثل هذه المشاريع، التي تساعد على تحسين مظهر المخيم وشوارعه، خاصة في ظل ما يشهده من ازدياد للزحف العمراني الذي أثر نسبياً على المساحات الخضراء.

بحسب وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينين، الأونروا، يعاني المخيم الذي يسكنه ما يقارب الـ13,000 لاجئ وأنشئ منذ حوالي 60 عاماً، من البطالة ونقص المساكن وصعوبة الوصول إلى الكهرباء.

وقد تفاقمت مسألة السكن في المخيم بعدما ازداد النزوح إليه في الوقت الذي منعت فيه إسرائيل استيراد مواد البناء.

خطر المتفجرات

من جانبه أوضح النقيب ابراهيم العثماني، مدير هندسة المتفجرات في المحافظة الوسطى، أن الإدارة العامة لهندسة المتفجرات تتابع باهتمام بالغ القذائف غير المنفجرة والأجسام المشبوهة للتعامل معها بكفاءة من أجل حماية المواطنين، رغم قلة الموارد المالية لديهم.

"هناك متابعة دورية لمعالجة القذائف غير المتفجرة والتي أصبح اقتناؤها يتزايد بشكل كبير لدى سكان القطاع، برغم أنها باتت تشكل خطراً كبيراً على حياتهم بسبب فقدانهم الخبرة الكافية في التعامل معها، لاحتواء بعضها على مواد شديدة الانفجار تتطلب تدخلاً سريعاً لإتلافها والتخلص منها".

وأشار إلى "أن ما قام به المواطن رمضان من مشروع راقٍ لتحويل القذائف الإسرائيلية إلى منظر جمالي مُبدع قد تابعناه قبل البدء بهذا المشروع، للتأكد من خلو هذه القذائف من أي مواد خطرة من شأنها أن تُؤثر على أرواح المواطنين والسكان في المنطقة" .

وهو لا يمانع استخدام القذائف بشكل فني، لكن ذلك يكون بعد التعامل معها من قبل المختصين وإبطال خطرها.

لا تزال هذه القذائف تُمثل ليلاً مظلماً لعدد كبير من العوائل الغزية، ومحاولات الهور والزمر لتحويل رموز التخريب، إلى زينة هي مبادرة لبث الحياة، لكن أملهما هو أن تخلو مدينتهما من هذه الأدوات، وأن يزيناها كباقي مدن العالم، بما لا يمت بصلة للموت والحرب.

كلمات مفتاحية
غزة فلسطين

التعليقات

المقال التالي