100ألف عرض مسرحي صامت في شوارع مصر. لماذا؟

تجوب صفاء محمدي وزوجها أحمد برعي شوارع القاهرة والمترو بملابس سوداء، طاليان وجهيهما باللون الأبيض لإبراز ملامحهما. لا يتحدثان، فلغتهما الصمت.

إذا لمحتهما حسبتهما مهرجَين، لكنهما ممثلا بانتومايم، أو إيماء صامت، حيث يستخدمون الوجه وحركات الجسد للتعبير عن قضية أو إيصال فكرة.

أسست محمدي وزوجها فريق "اسمه إيه" لأداء وتعليم هذا الفن ذي الشعبية المنخفضة في مصر. وقد أخذ الزوجان على عاتقهما تعريف الناس والشباب بفنهما، وبدءا يقدمان عروضهما في الشوارع والميادين.

"الإيماء بالنسبة لنا حياة، تزوجنا وحولنا جزءاً من منزلنا لاستوديو حتى نستطيع أن نقضي أكبر وقت في التدريب، لم نجد من يساعدنا في بداية حياتنا، لذلك قررنا مساعدة الراغبين في معرفة هذا الفن"، تقول محمدي لرصيف22.

تطرح محمدي وزوجها من خلال أعمالهما قضايا اجتماعية وسياسية، فناقشوا التحرش مثلاً دون كلام في عرض "بابا وماما".

واليوم، تشارك فرقتهما في دعوة أطلقت عالمياً لتشجيع الشباب على الدخول في هذا الفن، "اسمها 100ألف مايم".

هدفهما بلوغ 100ألف عرض بانتوميام في مصر، لجعله لغةً دولية يمكن من خلالها لفت أنظار العالم لقضايا معينة.

لكن ماهو البانتومايم؟

IMG_20170320_164018 أعضاء فرقة "اسمه إيه"

البانتومايم أو الإيماء هو التمثيل الذي يعتمد على إيهام الحركة، وعلى إيماءة الوجه واليدين والجذع كله، وفق دراسة أجرتها كلية الفنون الجميلة تحت عنوان "جماليّات العناصر البصرية والسمعية للعرض المسرحي الصامت".

فيعطي الممثل الانطباع بأنه يصعد السلالم أو يجري أو يركض، دافعاً المشاهد لاستخدام خياله، فيما يستخدم الفنان محيطه المباشر دون الاستعانة بأي أدوات خارجية أو ديكور.

أقوال جاهزة

شارك غردالبانتومايم أو الإيماء، التمثيل الذي يعتمد على الإيهام في الحركة وعلى إيماءة الوجه واليدين والجذع كلّه

شارك غردنور قررت خوض تجربة التمثيل الإيمائي مرتديةً حجابها: لم يعِقني الحجاب، بالعكس هو حريّة بالنسبة لي

ولا يلامس الممثل زميله المقابل على المسرح فعلياً، بل يتخذ مسافة هوائية تفصله عن جسده وجسد زميله بمقدار نصف انش، كما لو كـان الهواء المحيط به جزءاً من ذلك الجسد.

IMG_20170205_170527 أعضاء فرقة "اسمه إيه" في عروض في القاهرة

يقول فنان البانتومايم والمسرح الفلسطيني سعيد سلامة لرصيف22: "لغة الصمت نابعة من الجسد، وللجسد صدقه الخاص والمميز".

هو يرى أن هذا الف يمكن أن يعبر عن أية فكرة سياسية أو اجتماعية بأي أسلوب مسرحي، كوميدي كان أو تراجيدي، ليوصلها إلى الجمهور.

ويضيف سلامة، الذي قدم عدداً كبيرًا من العروض الإيمائية، كان آخرها "رجال في الشمس"، استقاها من رواية الأديب الفلسطيني غسان كنفاني: "يتفاعل المشاهد مع الفكرة بقوة غريبة، تخترق إحساس المتلقي، فالجسد جسدنا وإحساسنا واحد وروحنا متحدة، هكذا نتواصل".

13620943_1099824233407672_1909985285937804991_n أعضاء فرقة "اسمه إيه" في عروض الشارع

محجّبات صامتات

في فرقة محمدي ممثلات محجبات،  قد يرفض المجتمع دخولهن عالم التمثيل من حيث المبدأ، فكيف بدخولهن عالماً يعتمد على الأداء الحركي وتفاصيل الجسد؟

نور نصر هي إحدى الفتيات اللاتي قررن خوض تجربة التمثيل الإيمائي مرتدية حجابها.

أحبت نصر الإيماء بعد مشاهدة عرض في الشارع لفريق "اسمو إيه"، فتواصلت معهم و تدربت، ثم قدمت بعد أسبوعين عرضها الخاص.

13620215_1099824590074303_2012206318169461918_n صفاء محمدي وأحمد برعي خلال عروض الشارع

تقول نصر لرصيف22: "لم يعِقني الحجاب، بالعكس هو حرية بالنسبة لي، لكن وضعت حدود للتقارب الجسدي بيني وبين شريكي في العرض، وهم احترموا ذلك".

البانتومايم عربياً

الاهتمام العربي بهذا الفن محدود والعائد المادي منه قليل جداً ولا "يفتح بيت"،كما نوه برعي قائلاً: "لا يوجد أي دعم مادي من الدول العربية له، وهو ماجعل هناك ندرة في فنّانيه".

وأشار برعي بأن الاتحاد العربي للبانتوميم تأسس وعقدت أول دوراته بالكويت في يناير 2016، ولكن حتى الآن لم يقدم أي جديد لدعم هذا الفن عربياً، فكانت مجرد ندوة.

كما حاول فنانون عرب تعليم الشباب البانتومايم، منهم سلامة الذي أسس معهداً خاصاً يُدرس فيه حوالي 60 شاباً فلسطيناً قواعد هذا الفن. وفي لبنان، لايزال المسرح يشهد عروضاً إيمائية من تمثيل فائق حميصي وإخراج موريس معلوف.

13592320_1099822963407799_1922883413631264270_n أحمد برعي في عرض في القاهرة

تاريخياً، ظهر فن الإيماء في العالم العربي إثر عرض مسرحية "فدعوس يكتشف بيروت" في عام 1972 في لبنان، بحسب الحميصي. وقد أنشأ رياض عصمت، وزير الثقافة الأسبق في سوريا، في الثمانينات "مركز دمشق للإيماء"، وقدم عروضاً متنوعة، اشتهرت من خلالها الفنانة ندى حمصي، لكنها هاجرت إلى خارج سوريا ومازالت تساهم في عروض متنوعة في كندا.

كما يقدم إيمائيو المغرب العربي عروضهم في أوروبا.

البانتومايم في مصر اليوم

13392168_1099830160073746_3542608882884817201_o الزوجان صفاء محمدي وأحمد برعي

قليل من يعلم أن مصر الفرعونية هي أول من مارس فن الإيماء في التاريخ الإنساني.

فالمقابر الفرعونية في إدفو والمنيا، والتي تحوي جدرانها رسوماً لحركات إيمائية، خير شاهد على اهتمام الفراعنة بهذا الفن.

ويعتبر اليوم الفنان المصري أحمد نبيل أحد أبرز الفنانين العرب بفن البانتوميم، وبالرغم من تقديمه قرابة 42 فيلماً و50 مسرحية، إلا أنه فضل الابتعاد عن التمثيل في مصر والسفر لتقديم هذا الفن عالمياً، فأصبح أحمد من أبرز 20 ممثلاً إيمائياً في العالم.

ولعلّ كثيرون لا يعرفون أن الفنان المصري هشام عبدالحميد كان في بداياته ممثلاً إيمائياً.

وقد أخرج فيلماً صامتا يحمل اسم "لا"، عرض من خلاله الأسباب التي أدت إلى قيام ثورات الربيع العربي، حيث اعتمد على التعبير الحركي، وفاز الفيلم بجائزة "أندى" للسينما المستقلة فى لوس أنجلوس.

اليوم، تشهد مصر هبة باتجاه العروض الإيمائية يقوم بها فنانون شباب كثر، بحسب الحميصي. فهناك محاولات شبابية على غرار فريق "إسمو إيه" كفرقة "الزرقاني" التي تأسست عام 2009 وغيرها من المجموعات التي تتناول قضايا اجتماعية وسياسية.

ويمكن حضور عروضهم في الشارع أو في ساقية الصاوي مقابل دولار واحد تقريباً.

الصمت والمجتمع

يرى الحميصي على وجه العموم، أن المسرح الإيمائي عانى عالمياً حتى السبعينات من هيمنة نمط الممثل الواحد، أو "الحكواتي"، سواء كان على المسرح أو في الشارع، وكان ذلك بمثابة الحاجز الذي منع الفن من معالجة موضوعات ذات بعد درامي.

لكن انفتاح الإيماء على الرقص الدرامي، أو تفاعلهما، فتح الآفاق أمام نوع من الأداء الحركي وحرر البانتومايم من القواعد الصارمة، فسمح باستخدام عناصر صامتة أخرى غير جسد الممثل كالديكور والملابس والأقنعة المتنوعة.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي