الجاينية: الديانة اللاعنفية التي حرّمت قتل فراشة أو أكل بصلة

الجاينية: الديانة اللاعنفية التي حرّمت قتل فراشة أو أكل بصلة
معبد راناكبور للجاين، جنوب راجستان - تصوير وسام سعادة

ليسَ هناك كالجاينية ديانة أعطت كل هذا الحيّز، منذ تأسيسها الذي يرجع إلى ستة قرون قبل الميلاد، لفكرة اللاعنف.

مع هذا، كانت الجاينية ديانة ممالك كثيرة في التاريخ الهندي، وكان يبدو في الألف الأوّل بعد الميلاد أنّ ديانة البراهمة منحسرة لصالح الديانتين البوذية والجاينية اللتين نشأتا في وقت واحد، وتشابهتا في كثير من الملامح، إلا أنّ الأمور عادت وأنقلبت رأساً على عقب.

وفي حين انحسرت البوذية في شبه القارة الهندية وانتشرت في سيلان والهند الصينية واليابان وكوريا، فقد انكمشت الجاينية حول نفسها وتحوّلت إلى طائفة صغيرة يتعامل معها الهندوس كمتفرّعة عن ديانتهم.

الجاين اليوم يقدّرون بنحو خمسة ملايين نسمة في كل الهند، مع تركّزهم في ولايات راجستان وغوجارت ومهاراشترا، ونحو سبعة ملايين عبر العالم. وهم إلى حد كبير طائفة من التجّار، بل أنّ هذه السمة توقّف عندها ماكس فيبير تحديداً، معتبراً الجاين طائفة موازية في التاريخ الهندي للدور الذي لعبه اليهود في العصر الوسيط الأوروبي.

مصدر فكرة "اللاعنف"

تأثّر المهاتما غاندي كثيراً بتعاليم الجاين حول "الأهيمسا". وهذه لا تعني فقط "اللاعنف" بمعناه البحت. بل احترام وتبجيل كل الكائنات الحيّة، وطلب المغفرة طول الوقت من كل حيّ.

الأهيمسا تعني بالنسبة إلى الجاين الحرص الدائم، بالتصميم وبالتمرين، على تفادي إلحاق أذية للآخرين عن قصد، وبذل المستطاع لتفادي أي هفوة قد تتسبب بأذية، والأذية هنا بمعانيها الثلاثة: أذية النيّة السيئة في خاطرك، أو الكلمة السيئة على لسانك، أو الفعل السيىء الذي ترتكبه يدك. وهذا لا يقتصر فقط على علاقة الإنسان بالإنسان، بل حرفياً على علاقة الإنسان بكل أطياف الحيّ، الحيوانات، الحشرات، كما النباتات.

أقوال جاهزة

شارك غرد“الأهيمسا"، التي لا تعني فقط "اللاعنف"، بل احترام وتبجيل كل الكائنات الحيّة، وطلب المغفرة منها طول الوقت

شارك غردليس هناك في العالم ديانة أعطت كل هذا الحيّز لفكرة اللاعنف مثل الجاينية، فحرمت أذية أي كائن حي، لو كان برغشة

تحريم أكل الخضراوات الجذرية

وهكذا جاءت نباتية الجاين موافقة لهذا التحريم الجذري لأذية الكائنات الحيّة. هي بشكل عام "نباتية - حليبية" مثل النباتية الهندوسية، مع تحريم البيض بشكل أكثر تدقيقاً، والامتناع أيضاً عن تناول الخضراوات الجذرية، كالجزر والبطاطا والفجل والبصل والثوم، خصوصاً بالنسبة للأكثر تزهداً من بينهم.

والسبب أنّ اقتلاع هذه الخضراوات الجذرية يتسبّب بقتل ديدان تتغذى عليها تحت التراب، مثلما أنّه لأكل الخضراوات الجذرية يقتضى استئصال النبتة من جذورها، وليس قبول عطاياها أو ثمارها، كما في حال الفاكهة أو الخضراوات الأخرى.

الشيء نفسه بالنسبة للتعامل مع الحشرات داخل المنزل. عدم قتلها بل العمل على إبعادها. والأمور قد تتخذ عند الأكثر حرصاً أبعاداً أكثر تطرّفاً، كمثل الامتناع عن ركوب السيارة خشية دهس حيوان أو حشرة، أو التسامح حيال قملة في شعر الرأس.

لا يعني هذا أن الممالك الجاينية في التاريخ الهندي حين قامت، كانت لا تجاهد ولا تحارب. كانت تعطي الأولوية للسعي من أجل حل الأمور بالتي هي أحسن، أو بالديبلوماسية والتسويات، لكنها أسست أيضاً لفن الحرب على الطريقة الجاينية، المبني على كيفية تجنيب المقاتل أي أذية بحق نفسه أو بحق عدوه لا تخدم هدفه من كسب المعركة.

الموت الإرادي غير الانتحار

وإذا كانت الجاينية تحرّم الانتحار، فإنّها تعلّم أيضاً أنّه على المرء أن يعرف ليس فقط كيف يعيش، من دون إلحاق الأذية بكائنات حيّة أخرى، بل كيف يموت.

وهكذا تتطوّرت في التراث الجايني دروس حول الموت الإرادي التدريجي (ساليكانا) الذي تميّز به رهبان الطائفة، لكن أيضاً البعض من تجّارها، على ما تظهره النقوش التي تبجّل هؤلاء في المعابد.

399564_4262935213548_1418009807_n معبد راناكبور للجاين، جنوب راجستان - تصوير وسام سعادة

لا تعتبر الجاينية هذا الموت الإرادي الزهديّ انتحاراً، بما أنه يتطلّب تقنيات صعبة مبنية على التحكّم بالذات قبل أي شيء آخر، مثلما أنها تربط هذا النوع من الموت الإراديّ بمواجهة الكوارث والمجاعات والتقدّم في السن أو حالة المرض العضال.

التحكّم بالذات والعفّة

الفكرة الأساسية في الأخلاقيات الدينية عند الجاين هي التحكّم بالذات. الأهواء تنتج الأذية. التحكّم بالذات يعني نظاماً توافقياً مع الكائنات الأخرى، مع الطبائع الأخرى، والتحكّم بالتبادلات مع هذه الكائنات، سواء على صعيد الأطعمة، أو على صعيد الاتصال الجنسي، الذي تشدّد المؤسس التاريخي للجاينية، مهافيرا، في التحذير منه، ومن تحريمه على الرهبان وأهل التقوى، والتبشير بالعفّة عند الكل، وربط الاتصال الجنسي بالإنجاب فقط، عند غير الرهبان.

الجاينية كالهندوسية أو البوذية أو السيخية، من الديانات القائمة على فكرة "الدارما"، فكرة أن ثمّة قانوناً كونياً أزلياً، وأن هذا القانون الأزلي يحكم كل الأشياء، مخلوقة كانت أو غير مخلوقة، إلهية أو بشرية أو حيوانية، كائنات حيّة أو جواهر غاسقة. المشترك بين الديانات الدارمية هو المسعى لتجاوز عالم التدفق والتكرار، عالم الموت وإعادة الانبعاث، نحو اليقظة والاستنارة والإفلات من الدائرة.

بناة الجسور ومهافيرا

"الجاين دارما" هي جزء من هذه المنظومة التي تشترك بها ديانات أربع، وبالنسبة إلى الجاين دارما فهذا العالم غير مخلوق، لا بداية له ولا نهاية، بل موجود من تلقاء طبيعته، وهو ممتلىء بالكائنات الحيّة (الجيفا)، التي يعتبر التصالح معها، ونبذ أذيتها، ممراً للتحرّر من العالم وبلوغ الكمال.

بما أن الجاينية ديانة لا تستند إلى مرجعية كتب "الفيدا" بخلاف الهندوسية، فإننا لن نجد فيها نفس الحضور للآلهة، وإن بقي التراث الجايني يحتفظ بعدد كبير من أنصاف الآلهة، والأرواح القدسية، إلا أن التبجيل الأساسي عنده هو على "بنائي الجسور" (التيرتانكاراس)، أي الذين أقاموا الجسور التي تسمح للإنسان بعبور عالم الكون والفساد هذا نحو الاستنارة والكمال.

المتشددون من ديانة الجاين يمتنعون عن ركوب السيارة خشية دهس حيوان أو حشرة، ويتسامحون مع القمل في الشعر

هم 720، بينهم 24 يحظون بالتبجيل، وتحتشد تماثيلهم المتوسطة الحجم في المعابد بعضها قرب بعض، مع كون آخر اثنين فقط من هؤلاء يحظون بشيء من التاريخية، أي بارشفاناتا في القرن السابع قبل الميلاد، الذي ترجع إليه تعاليم نبذ الأذية ونبذ الكذب والسرقة والاحتراس من حبّ التملّك والسيطرة، وفردامانا مهافيرا، "البطل العظيم"، المعاصر لبوذا، في القرن السادس قبل الميلاد، والذي يعتبر خاتم بناة الجسور، ومنظّم الأحوال الطقوسية والرهبانية للجاين، والمتشدّد في تعاليم صون العفّة.

الشكوى من الضرائب

"الجاين" من "جينا" وجينا تعني "الفاتح" أو "المنتصر على" هي لقب لفرادامانا مهافيرا، بمعنى أنّه استطاع التغلّب على الأهواء فيه بشكل كامل، فبلغ الكمال.

الجاينون هم إذاً المتغلبون على الأهواء داخلهم، نصرة للعلاقة الوفاقية بين كل أنواع الحي، وتحاشي أي أذية أو قتل لفراشة أو لبرغشة. المفارقة أنّ ثقافة عدم التعلّق بأشياء العالم عندهم، وتحريم السرقة الذي اتخذ عندهم معنى أوسع، أي ليس فقط اللصوصية أو السطو أو الاختلاس، بل أيضاً الابتعاد عن محاولات أخذ الأمور بالخبث والحيلة، قد أعطاهم رصيداً معنوياً كبيراً كتجار، وأسّس لنجاحهم الاقتصادي في المجتمع، بحيث أنّ بعض شكاوى الجاين المعاصرين، أنّهم كطائفة دينية صغيرة يدفعون الضرائب بشكل مضاعف نسبة إلى أي مجموعة دينية أو عرقية في الهند.

التعليقات

المقال التالي