من هو المعلّم الهندوسي الذي ارتبط به كمال جنبلاط؟

من هو المعلّم الهندوسي الذي ارتبط به كمال جنبلاط؟

كمال جنبلاط قامة استثنائية في التاريخ السياسي اللبنانيّ، سواء كزعيم لإحدى عصبيتين تقليديتين داخل الطائفة الدرزية، أو كزعيم لليسار اللبناني، منذ تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي وحتى تأسيس الحركة الوطنية والتقدمية اللبنانية في سنين الحرب الأهلية، وصولاً إلى اغتياله بعد اصطدامه بالتدخل السوري في لبنان.

في الموازاة، واظب جنبلاط بدءاً من مطلع الخمسينيات على زيارة الهند، وقام عام 1952 برحلة برية إلى الهند مروراً بسوريا والعراق وإيران وباكستان. وكان يقصدها، وخصوصاً جنوبها، ولاية كيرالا، مرة كل سنة، لمدة شهرين أو ثلاثة يغيب فيها عن المسرح السياسي اللبناني.

جنبلاط وحكماء الهند

في كيرالا، كان "اليوغي" كمال جنبلاط مريداً عند "الغورو" (المعلّم، أو حرفياً المنير) شري أتمانندا من تريفندروم، وكثيراً ما استشهد به في كتاباته. وصفه بـ"الحكيم الرشيد المطمئن على الدوام على الحقيقة التي اكتشفها بذاته، فكأنه يقيم في صميم الحقيقة أو كأن الحقيقة وهو شيء واحد، فهو حكيم وفيلسوف وصوفي في آن واحد، كأن صفات الإنسانية كلّها فيه".

Screen Shot 2017-03-18 at 1.31.28 PM

قارن بين تعاليمه وبين ما جاء في"كتاب الكثيف واللطيف والبسيط"، أو كتاب الحكمة عند طائفة الموحدين الدروز.

شدّد جنبلاط على أنّ الهند هي المكان الوحيد الذي لا يزال ممكناً أن تلقى فيه أمثال أفلاطون من لحم ودم، وأنّ "الهند بالنسبة الي هي جوهرياً لقاءاتي مع الحكماء". وبالفعل تقاليد الفلسفة غير المؤطرة أكاديمياً تميل إلى الاندثار، بما فيها في الهند اليوم.

ضمن رؤيته لوحدة الأديان، انحاز إلى الهندوسية، لا البوذية (تبنى جنبلاط نقد ادي شانكارا للعدمية في البوذية)، وانحاز داخل الهندوسية إلى مدرسة "الأدفايتا فيدانتا"، أو "اللا-اثنينية"، وحاول المعادلة بينها وبين التوحيد الهرمسي-الدرزي كما تأوّله.

IMG_0537

بدا جنبلاط متأثراً بموجات "الهندوسية الجديدة" التي سعت للترويج لنظرة كونية يمكن لمريدين من بلدان أخرى النهل منها. تأثر أيضاً بنظرة هذه "الهندوسية الجديدة" عن نظام الطبقات (الكاست). اعتبره "فكرة سليمة وحقيقية، وعلى عكس ما تظنون، كان الهندوسي يمرّ من طبقة إلى طبقة أثناء حياته. وماذا في نظام الطبقات؟ كل شخص من محيط مهني معيّن يمارس ابنه مهنته بحكم التربية".

شري أتمانندا كريشنا مينون يعتبر من رواد هذه "الهندوسية الجديدة" في القرن الماضي. فمن هو أتمانندا؟ وما قصته؟

أقوال جاهزة

شارك غردقصة علاقة الزعيم اللبناني الدرزي كمال جنبلاط بأحد حكماء الهند.. واظب على زيارته سنوياً لمدة شهرين أو 3

شارك غردالمعلم الهندوسي الذي تتلمذ على يديه واحد من أبرز الزعماء اللبنانيين، كمال جنبلاط

تشديد أتمانندا على أن لا معرفة من دون معلّم

لطالما شدّد شري أتمانندا كريشنا مينون على أن المعرفة الحقّة تحتاج إلى نور من حكيم معلّم، وإلى التتلمذ الحيّ على يد هذا المعلّم. يتّصل ذلك بفكرته عن معرفة هذا الحق المطلق، فبما أنّها معرفة تتوجب تجاوز ليس فقط ما هو حسّي، بل تجاوز ما هو ذهني أيضاً، لا يمكن نيلها بواسطة الكلمات المكتوبة والمقروءة، وإنّما بواسطة التواصل المباشر مع المعلّم، ولهذا سيعرف مذهب أتمانندا مينون بـ"الاتصال المباشر".

فالمعلّم يمكنه أن يقول على مسمع تلميذه شيئاً ما، ويمكن لهذا التعليم أن يعصى على إدراك التلميذ، أو المريد، أو أن يضيّعه فيراجع المعلّم، وفي كل مرة سيتنزّل هذا التعليم بكلمات جديدة، ما يعني أنّ هذا التعليم في ذاته هو شيء آخر غير هذه الكلمات، وهذا الشيء الآخر هو من نور المعلّم نفسه، لا يمكن "حفظه" بمعزل عنه، في نص مفصول.

لا يلغي هذا أنّ أتمانندا كتب عدداً من الكتب بلغة المالايام، وترجمت إلى الإنكليزية وغيرها، وأخذت حيّزها ضمن رواد مدرسة "الأدفايتا فيدانتا" (اللا-اثنينية) في القرن الماضي بالهند. لكنه شدّد فيها جميعاً على هذه الصلة المباشرة بالمعلّم.

أتمانندا ومعلّمه يوغانندا الذي لم يلتق به إلا مرة واحدة

المفارقة أنّ أتمانندا نفسه لم ينشأ بشكل تقليديّ، تدريجيّ، متتابع دراسياً، في حضرة حكيم معلّم ينهل منه، بل أنّه لم يبدُ عليه في البدء هذا الميل للأشياء الروحية.

صحيح أنّه نشأ في كنف والد يعلّم الأدب الهندوسي التقليدي للأطفال، لكنه كان يتباهى بالإلحاد في شبابه، ويحاول أن يقنع به زملاءه.

دخل معهد الحقوق، وعمل كمحامٍ، وبعدها انخرط في جهاز الشرطة، ولم يشعر بهذه الحاجة إلى الأسئلة الروحية والماورائية إلا وهو يعمل في جهاز الشرطة، ومتزوج وربّ عائلة.

لم يترك الشرطة ولا هجر عائلته بحثاً عن "الحقيقة"، إنّما وصل المعلّم إليه، على ذمّة السيرة التي يتناقلها مريدو أتمانندا ومذهبه إلى اليوم.

بحسب هذه السيرة، قدم المعلّم سوامي يوغانندا من كالكوتا إلى أقصى جنوب شبه القارة بحثاً عن مريده المنشود، كريشنا مينون، وعرفه، وتعارفا، وأمضيا ليلة كاملة في الأسئلة والأجوبة، حتى كانت الانعطافة في حياة كريشنا مينون. أدرك حينذاك أن عليه أن يسلك طريق التحرّر من العالم الزائل، وأنّه معني تحديداً بسبيل "الجنانا"، العرفان، للتحقّق، أو "مشاهدة" الحقيقة.

بعبارات كمال جنبلاط، الجنانا يوغا هي "أشرف المسالك إطلاقاً وأرفع التوجهات حكماً، وأقرب إلى الكشف والشهود والحقيقة من "حبل الوتين" على حد التعبير الفرقاني".

لن يكون هناك إذاً إلا لقاء مباشر واحد بين كريشنا مينون الذي سيعرف بعد سنوات قليلة بـ"أتمانندا" وبين معلّمه يوغانندا. اللقاء "الثاني" كان قلبياً فقط، إذ سيظهر يوغانندا على مريده ويطلب منه الأخير أن يسمح له بالهجرة إليه، إلى كالكوتا، للنهل من علمه، فيجاب بأنّه عليك أن تبقى في مكانك، وبين عائلتك، وأنّه، أي يوغانندا، مائت بعد أيام قليلة.

حكيم فيلسوف ومفتش في جهاز الشرطة

سريعاً سيتحوّل أتمانندا إذاً من مريد لم يلتق بمعلّمه إلا لمرة واحدة، إلى معلّم روحي يتتلمذ على يديه مريدون لنيل الحكمة، و"التحقّق". كل هذا وهو مفتش في جهاز الشرطة، الذي لن يتقاعد منه إلا في فترة متأخرة، وبعد أن كوّن شبكة من الأتباع تجاوزت الهند نفسها إلى أوروبا وأميركا.

لاحقاً، سينقل عن أتمانندا، أنّه لو سئل أيّ المهن أو الوظائف الأفضل بالنسبة إلى من ينشد الحقيقة، لنصح بالانخراط في جهاز الشرطة أو في العسكر، لأنّ فيهما من المغريات والعراقيل، بحيث يصير الالتزام بالعمل على الكشف الروحي في ظلّهما أكثر صلابة ولا رجعة فيه.

لسنا أمام نموذج لحكيم متألّه منعزل عن العالم إذاً. هو زاهد صاحب مكاشفات ورياضات، لكنه في نفس الوقت صاحب وظيفة في جهاز الشرطة، وزوج وأب، وخريج معهد حقوقي، ويتكلم الإنكليزية إلى جانب لغته الأم، المالايالام.

كذلك قام هذا الحكيم برحلات وسفرات داخل الهند، إلى بومباي وحيدر آباد وغيرها، كما أنّه سافر خارج الهند، منها زيارتان إلى سويسرا، وواحدة إلى القاهرة، التي كان عنده فيها مجموعة من المريدين.

ورغم حماسة هؤلاء له في الخمسينيات، وكذلك كمال جنبلاط الذي ما انفك يستعيده في الكثير من كتاباته، والذي واظب على السفر إلى الهند مرة كل سنة، لمدة تراوح بين شهر وثلاثة أشهر، حتى بدايات الحرب الأهلية واغتياله، فإنّ أعمال أتامنندا الكتابية كما معظم أعمال مدرسة "الأدفايتا فيدانتا" لا تزال مجهولة في اللغة العربية.

انشغلت تعاليم أتامنندا وكتبه بكيفية الإفلات من"شرك الأنا": فكلما حاولت أن تلغي أناك زادت هذه الأنا حدّة، والمسعى يكون بتجاهلها بالحكمة العرفانية التي تنهل من معلّم، بالاتصال المباشر معه، والحب اللامحدود له، والإنصات الكلي لكل ما يصدر عنه. الحاجة إلى "غورو" ينير لك السبيل.

يعتبر معلّمو "الأدفايتا فيدانتا" أنّ كل الرياضات التي هدفها التحكّم بالذات، التحكّم بالتنفس، السيطرة على الإنفعال، على الشعور، الزهد والتحرّر من الحاجات، والتثبيت على صورة لإله، تبقى على أهميّتها ثانوية، نسبة لطريقتهم الرامية إلى تدمير الأفكار التي تعترض سبيل تلاشي الأنا في الكلّ، الأفكار التي تفصل بين "حقيقتين". فالحقيقة -التمهيدية: "أنا لست جسدي" والحقيقة-الكلية: أنا والمطلق، أو الذات المفردة والمطلق الكلي، ليسا شيئين إثنين، بل لا فاصل بينهما.

وصل الدروز بالهند: فرادة جنبلاط

الأدفايتا تعني اللا-اثنينية، لكنّ كل روادها منذ شانكاراشايا في القرن الثامن الميلادي اهتموا بتمييز لغوي ومفهومي لمذهبهم، بأن قولهم بأن المفرد والمطلق ليسا شيئين منفصلين، وبأنّه ليس في الوجود من ازدواجية، لا يعني مع ذلك القول بالواحدية (التي وجد لها أنصار آخرون في تاريخ الهندوسية وفلسفاتها).

ولا شكّ أن كمال جنبلاط كان يدرك هذا التمييز في "الأدفايتا فيدانتا"، غير أنه جهد للربط بين التوحيد الدرزي وبين هذه المدرسة الفلسفية الروحية الهندوسية، وخصوصاً ما ناله من تعليم حي في حضرة معلّمه أتامنندا، ولا يزال الربط الذي أحدثه جنبلاط بين طريقته في تأوّل الحكمة الدرزية، وبين طريقته في توظيف تعاليم أتامنندا والأدفايتا فيدانتا أثره على الدروز، وعلى صورة الدروز، في عالم اليوم.

ولا يبدو أن هذا الموضوع يعطى قسطه عند الكلام عن تحوّلات المذهب الدرزي ومآله، ومعنى أن تكون درزياً في عالم اليوم، سواء في بلاد الشام، موطن المذهب، أو في الشتات الدرزي ما وراء البحار.


كلمات مفتاحية
شيفرة دينية لبنان

التعليقات

المقال التالي