مساجد تحت الأرض في تونس: تاريخ جربة المخفي

مساجد تحت الأرض في تونس: تاريخ جربة المخفي

تسمى جربة التونسية بجزيرة الأحلام لموقعها الجغرافي المميز ومناخها المتوسطي الجميل. كما تعرف بجزيرة المساجد، لكثرة المساجد الموجودة فيها والمبنية بطابع مختلف عن طرق بناء بقية المساجد في البلاد.

لكن ما لا يعرفه كثيرون أن فيها مساجد قديمة تحت الأرض يعود تاريخ بنائها إلى القرن العاشر الميلادي، وكانت تلعب أدواراً دينية وسياسية واجتماعية واقتصادية، منها ما زال موجوداً ومنها ما اندثر بسبب التوسع السكاني وعدم إدراك السكان لقيمته التاريخية.

مرت على الجزيرة الواقعة في أقصى الساحل الجنوبي الشرقي للبلاد التونسية العديد من الأمبراطوريات، فينيقية ورومانية وبيزنطية وغيرها، إلى أن دخلها المسلمون سنة 47 هجرياً على يد رويفع بن ثابت الأنصاري، والي بني أمية على طرابلس الغرب. ولكن تواصل وجود اليهود فيها بسلام.

تتميز الجزيرة بأن أغلب سكانها على المذهب الأباضي وأن بها 365 مسجداً، على عدد أيام السنة، موزعة على كل مناطق، وأشكالها مختلفة عن بقية مساجد البلاد، إذ تحافظ على شكل البناء البسيط الدال على التواضع. وهي عادة أغلب سكان جربة الذين يفضلون البساطة في البناء رغم أنهم ميسورو الحال.

يعود تاريخ مساجدها المبنية تحت الأرض، حسب أستاذ التاريخ في الجامعة التونسية رياض المرابط، إلى أواخر القرن العاشر ميلادياً في فترة حكم الموحدين، وكانت تجسد إمامة الكتمان التي تعتبر أحد أنواع الإمامة لدى الأباضية، وهي إمامة تعتمد على السرية خوفاً من ردة فعل المسلمين باعتبار المذهب السائد في ذلك الوقت هو المذهب السني.

وأضاف لرصيف22 أن المساجد تحت الأرض كانت مكاناً سرياً لنشر المذهب الأباضي بين سكان الجزيرة، إضافة إلى دورها الدفاعي من الأخطار الخارجية، إذ كانت الجزيرة تتعرض لهجمات عسكرية خلال "الحملة الصليبية" التي استغلت فترة ضعف الدولة الحفصية الحاكمة حينها في تونس (كانت تسمى إفريقيا).

وإن كانت عملية بناء المساجد في البداية تجري تحت الأرض تماماً، باستثناء قبابها الصغيرة وأبراجها، فإنه مع الزمن وبسبب التغيرات المناخية والرياح القوية التي تتميز بها المنطقة، أصبحت الأجزاء العلوية منها مكشوفة.

???? ?????? ?? سطح الأرض

الصادق بن مهني، وهو من أبناء جربة ومهتم بتاريخها ومعمارها، قال لرصيف22، إنها ذات أدوار اجتماعية، إذ كانت تبرم فيها عقود البيع والشراء وعقود الزواج، وفيها كان الأباضيون يعلمون أبناءهم باعتبارها حلقات للعلم والتدريس.

أقوال جاهزة

شارك غردمساجد تحت الأرض كانت مكاناً سرياً لنشر المذهب الأباضي بين سكان جزيرة جربة التونسية

واستخدمت كمواقع سياسية (عسكرية بالأساس)، إذ كانت فيها أبراج مراقبة يعرف من خلالها سكان الجزيرة الخطر القادم في فترة المعارك التي خاضتها، خاصة في الهجمات الأسبانية في القرنين 14 و15، أيام الحكم الحفصي لتونس.

وأضاف بن مهني أنه لا يُعرف العدد الرسمي للمساجد المبنية تحت الأرض في جربة، إذ أن بعض سكان الجزيرة يقولون إنها كانت نحو 20 مسجداً، لكن العدد المعروف إلى وقت قريب هو 5، اثنان ما زالا في حالة جيدة.

وأشار إلى أن الجوامع المعروفة هي جامع "الوطا" بمنطقة سدويكش وجامع "البرداوي" بمنطقة مزران وهما موجودان إلى اليوم وفي حالة جيدة. ويسمى جامع البرداوي أيضاً بجامع الوطا، وهذه التسمية الأقرب لكل الجوامع المبنية تحت الأرض، لأن الوطا عند أهل الجنوب الشرقي التونسي هو الأرض.

جامع سدويكش جامع الوطا

يضاف إليهما جامع سعيد بن صالح بين منطقة الماي وصدغيان وجامع ولحي بجهة حومة جعبيرة الذي يعتقد أنه كان مقر قيادة الجزيرة الدينية والعسكرية أيام هجمات الإسبان في القرنين الـ14 والـ15، ثم جامع "مقماق" في منطقة بازيم ويسمى أيضاً جامع "بن بيان"، وهو الذي اختلى فيه 7 من علماء الأباضية سنة 1013 ميلادية لضبط المذهب الأباضي وقاموا بتأليف موسوعة فقهية تمت تسميتها بديوان الأشياخ أو ديوان العزابة، ينظم الحياة الاجتماعية للناس إلى اليوم.

جامع البرداوي جامع البرداوي

مساجد بأدوار اجتماعية وسياسية

يزور الناس مسجدي الوطا والبرداوي في بعض الأيام ويذبحون فيهما الوعائد (الوعدة هي رأس غنم يعد بها شخص لفائدة ولي صالح أو مكان مقدس) ويتبركون بهما ويُقرأ فيهما القرآن وتشعل الشموع، كما أن جامع البرداوي حسب الصادق بن مهني ما زال إلى اليوم يقوم ببعض الوظائف الدينية والاجتماعية مثل إقامة صلاة الجنازة وتأبين بعض المتوفين.

جامع الوطا بسدويكش يقع على بعد 20 كيلومتراً عن وسط مدينة جربة من الشرق، مخبأ داخل غابات الزيتون، وهو عبارة عن غرفة كبيرة محفورة في الأرض مسقفة بقبتين، يتم النزول إليه عبر درج بعمق ثلاثة أمتار. وما يميزه أن به محرابين وهو أمر غير مألوف لدى المسلمين، إذ يكتفي كل مسجد بمحراب واحد.

يفسر بن مهني ذلك بأن جامع الوطا كان يجمع علماء الجزيرة ووجهاءها من المذهبين المالكي والأباضي أيام الاستعمار الفرنسي للتباحث حول خطط المقاومة، باعتبار الجزيرة كانت مركزاً رئيسياً في مواجهة الاستعمار الفرنسي في الجنوب، وعندما كان يحين وقت الصلاة كانت كل مجموعة تصلي وحدها بمحرابها الخاص، وهو مظهر من مظاهر التعايش الذي يميز جربة منذ مئات السنين، إضافة إلى تشاورهم حول المشاغل العامة للناس وكيفية إبرام الاتفاقات وتوفير الحاجيات الأساسية لهم.

أما جامع البرداوي، وهو الأكبر من حيث الشكل والمساحة، فيقع قرب مدينة حومة السوق، وسمي كذلك لأن من بناه هي عائلة عُرفت بذلك اللقب. ومعروف في جربة قديماً أن بعض العائلات تبني مساجد خاصة بها وتسمى باسمائها.

الجامع على عمق بضعة أمتار تحت الأرض ومحفور في "ظَهرة" لا تجعله ظاهراً إلا من مسافات قريبة (الظهرة هي الأرض المرتفعة بـ5 إلى 10 أمتار كحد أقصى) ومحاط بأشجار النخيل.

جامع البرداوي.. جامع البرداوي

ما يميزه أنه كثير الأعمدة وعلى شكل معماري يجعل كل المصلين يشاهدون محراب الإمام أينما جلسوا. ورغم عمقه ووجود باب واحد له، فإن الإضاءة فيه كافية.

في خارجه، يوجد درج كان يصعد عليه المؤذن للأذان، وكان مكاناً لمراقبة أي تحرك من جهة البحر، يتم من خلاله إعلام بقية السكان عبر إشعال النيران من فوق الدرج كشكل من أشكال الإنذار بوجود خطر يهدد الجزيرة.

لمساجد جربة التونسية الموجودة تحت الأرض قيمة كبرى تؤرخ لتاريخ الجزيرة الثقافي والاجتماعي والسياسي، لكن رغم المجهود الذي تبذله هيئة صيانة الجزيرة، التي تتواصل مع السلط المحلية للحفاظ على ما تبقى منها سواء عبر عمليات الترميم أو المراقبة المستمرة، فإن مشكلة هذه الجوامع تتمثل في احتمال اندثارها بسبب الزحف العمراني المستمر، وفي عمليات التخريب التي تقع من طرف عصابات ترى أن في هذه المساجد كنوزاً يجب البحث عنها والسطو عليها.

كما أن بروز التيارات السلفية المتطرفة ساهم في تغيير أشكال هذه المساجد والاعتداء على عمارتها بحجة مخالفتها القواعد الإسلامية للبناء أو التنظيم.

كلمات مفتاحية
المساجد تونس

التعليقات

المقال التالي