خلف جدران أكثر بيوت الدعارة صخباً خلال السنوات المجنونة في بيروت

خلف جدران أكثر بيوت الدعارة صخباً خلال السنوات المجنونة في بيروت

أم وليد، ماريكا إسبريدون، عفاف، كوتشوك هانم... أسماءٌ يتذكرها تاريخ بيروت، الذي عرف الدعارة بكل أشكالها، واستقطب الباحثين عن الملذات من كل ثقافة. نساء احترفن مهن الباترونة وبنت القهاوي والخليلة والآرتيست، وأوقعن صفوفاً من الرجال تحت أقمشة تنانيرهن الناعمة.

قصص الجنس والحب والانتقام والسجن ما زالت تردّد على لسان من عاش حقبة الجنون في شارع المتنبي. حكايات فتيات اخترن مهنة الدعارة طوعاً، أو أجبرن عليها قسراً. ومنهن أيضاً من وقعن في شرك "الباترونة" أي الأم المديرة.

INSIDE_Mutanabbi-Prostitution_350 شارع المتنبي

منازل الدعارة غالباً ما كان يحميها ثلة من القوادين، يحملون تسمية "عرصات" بالعامية اللبنانية. ففي وقت تدير "الباترونة" الأعمال وتحافظ على البنات، وتدربهن وتوزع عليهن المهمات المنزلية خلال النهار، والزبائن خلال الليل، ينحصر عمل "العرصة" باستجلاب الزبائن من الحانات، والسكارى الهائمين في الطرقات، إضافة إلى تأمين الحماية للمنزل، وفض أي نزاع قد ينشأ بين زبون وآخر على فتاة أو دور في لائحة الانتظار.

ولدت الدعارة في شارع المتنبي بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، لتعود وتندثر مع بداية الحرب الأهلية، وبين الحرببين، عاصر الشارع "باترونات"  و"فتوات" صنعوا له تاريخاً يروى.

الدعارة المسرحية ورقصة "النحلة"

من المعلوم أن كوتشوك هانم المصرية هي التي اخترعت رقصة النحلة، التي تقوم على تجسيد مشهد فتاة دخلت نحلة تحت ثوبها، فتحاول التخلص منها عبر التعري من ثيابها، لينتهي المشهد ويسدل الستار على فتاة أمست عارية الصدر والجسد إلا من لباسها الداخلي. واستمرت هذه الرقصة كشكل للدعارة المسرحية عند العرب منذ أيام دولة محمد علي، حتى ظهور شملكان اللبنانية.

وشملكان الجنوبية الأصل، كانت تقدم عروضها في خيمة الترحال على الحدود اللبنانية الفلسطينية، قبل الحرب العالمية الأولى. ومع وفاة زوجها وقوادها، نزحت شملكان إلى بيروت واستقرت فيها تقدم عروضها في شارع المتنبي، وإن لم يكن قد حمل اسمه أو صيته الذائع بعد.

لكن من المعلوم أنها أدت رقصة النحلة بقيامها بالتخلي عن لباسها الداخلي، خصوصاً في عروض حصرية كانت تجري في بيوت الوجهاء، واستمرت شملكان تقدم عروضها إلى أن كبرت في السن، وانقطع عنها الزبائن، فشح مالها وتضورت جوعاً وماتت في المصيطبة خلال هجمات الجراد عام 1915.

توزيع المهمات في بيوت الدعارة

بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، انصاعت دوائر القرار في  الإدارات اللبنانية للضغوط، ورضخت لمطالب تشريع البغاء. فنظمت له قانوناً في العام 1931، ولما كان للأمر صدى سيئ لدى البيروتيين، بثت الدوائر الحكومية شائعة مفادها أن حصر الدعارة والسماح بها في شارع واحد من شأنه حماية الفتيات اللبنانيات "بنات البيوت" من شر نظرات ونزوات العسكر الفرنسي والسنغالي.

والحكاية هذه، وإن لم تحمل من الصدق شيئاً، وجدت مكاناً في عقل المواطن البيروتي، فأنس لها، بل اقتنع بضرورتها تحت شعار صون شرف العوائل وفضائل التربية والأصول.

صنّف قانون البغاء اللبناني عام 1931 بيوت الدعارة نوعين، بيوت الدعارة العمومية، وبيوت التلاقي. وحدد للفتاة التي أسماها "المومس" شروطاً للخروج والتنقل، وصنف الفتيات عاملات، وبنات القهاوي، والخليلة، والأرتيست.

بيوت الدعارة العمومية هي التي رخصتها الدولة لممارسة البغاء فيها، ويشترط أن يكون لها مدخل واحد فقط للدخول والخروج، ويحظر دخوله على من هم دون الثامنة عشرة. أما العاملات فيه فيشترط أن تتجاوز أعمارهن الخامسة والعشرين للحصول على الرخصة الشاملة، أو واحداً وعشرين للحصول على رخصة درجة ثانية، كما يحظر تماماً دخول البنات الأبكار إلى هذه المباني.

أقوال جاهزة

شارك غردتنافس الرجال على شرب الشامبانيا التي تسكبها لمعان في حذائها وأغرقها أحد ملوك الخليج بالمجوهرات والهدايا

شارك غردجاسوسة الموساد شولا كوهين كانت تنتقي أجمل عاملات منزل عفاف وتجندهن لاستخراج المعلومات من زبائنهن

أما بيوت التلاقي فهي التي تسكنها المومسات المصنفات "بنات القهاوي"، أي اللواتي يجالسن الزبائن في المقاهي ويضربن معهم موعداً للقاء لاحقاً. والخليلة الخاصة هي من وجدت لنفسها رجلاً واحداً، تنقطع عن ممارسة الدعارة مع أحد سواه. واشترط القانون عليه أن يؤمّن لها مردوداً مادياً يكفيها للانقطاع عن غيره.

أما "الأرتيست"، فهي التي ترقص أو تغني في الحانات وتخالط الزبائن وتجالسهم فقط، وأطلق عليها لقب "الفتاحة" لأن دورها الأساسي كان دفع الزبائن لطلب أكبر عدد ممكن من زجاجات الخمر.

كذلك حددت الحكومة شروطاً لمنح التراخيص للمومسات، وهي الحالة الصحية الجيدة للفتيات، والفحوص الدورية بحسب نوعية الرخصة، للتأكد من خلوهن من الأمراض التناسلية كالسفلس والزهري. وحدد القانون أيضاً مواقيت خروجهن من البيوت بين التاسعة صباحاً والرابعة عصراً، من دون أن يحق لهن الخروج أيام الآحاد والأعياد الرسمية، أو لبس غطاء للرأس.

الطريف في القانون أنه منع الرجال من امتلاك رخص البيوت العمومية وحصرها "بالباترونات" النساء، لكنه اشترط لحصول "الباترونة" على الرخصة اصطحابها موظفين عموميين اثنين يشهدان لها بحسن التدبير.

INFOGRAPHIC_Mutanabbi-Prostitution

عفاف وماء النار، نهضة شارع المتنبي

في الأربعينيات والخمسينيات، كانت الغلبة العددية للفتيات اللبنانيات، على حساب اليونانيات والتركيات والمصريات، وأصبح وجودهن طاغياً، وصارت للمتنبي وشارعه نهضة وحظوة، وأضحت مغامرات زواره على كل لسان، ومع نهضته هذه عدداً وتوسعاً عمرانياً، أخذ يُخرّج باترونات ذائعات الصيت، وأشهرهن بدور الداهوق.

بدأت بدور حياتها المهنية في الشارع، ثم مع انتقالها من بيت إلى آخر غيرت اسمها إلى يسرى لتفادي الغرامة المالية، وكانت ذات شخصية قوية، لم تقوَ عليها أعتى "الباترونات" في شارع المتنبي.

ولما اشتد عودها علمت أنه عليها أن تركن إلى من يحميها من المنافسة، فكادت تفقد جمالها بعد رميها مراراً بالبيض المملوء بالأسيد، أي "ماء النار" الذي يسبب حروقاً وتشوهات دائمة.

عمدت إلى الزواج من أحد زبائنها، المدعو سعيد خالد، الموظف في قسم التحقيقات في قصر عدل بيروت. ومع زواجه من بدور، طلق الوظيفة الحكومية، وأمّن لها ترخيصاً لبيتها، واستجلبا معاً عدداً من الفتيات عملن لديهما في البغاء، وتولى هو شخصياً تأمين الزبائن واستيفاء الرسوم. أما بدور الذي تعاظم دورها من عاملة إلى "باترونة" فارتأت أن تغير اسمها مجدداً وصار اسمها عفاف.

من المرويات عن القصص التي دارت خلف جدران منزل عفاف في شارع المتنبي، واحدة عن فتاة تدعى رنا، هربت من منزلها خوفاً من غضب أهلها بعدما رسبت في المدرسة، فوقعت في شرك عفاف التي لاطفتها في بداية الأمر، إلى أن "باعت بكارتها" إلى موظف حكومي.

أمست رنا من فتيات عفاف، وصار اسمها "لوليتا". وفي أحد الأيام، تعرف عليها جار أهلها فأبلغ أباها الذي حضر وتتبعها، ولما صعدت إلى منزل عفاف صعد خلفها، وطلب مقابلتها وكأنه زبون، وعندما دخل غرفتها ورآها عارية، قبض على صدره ومات بالسكتة القلبية.

من المرويات أيضاً أن الجاسوسة االلبنانية لإسرائيل شولا كوهين (شولاميت كوهين كشك)، كانت تنتقي أجمل العاملات من منزل عفاف، وتعيد تدريبهن وتجنيدهن لاستخراج المعلومات من ضيوفها، من دون معرفة عفاف بالأمر. وكانت شولا من سعى في أكثر من مرة للتغطية على عفاف ومنازلها المتعددة في بيروت والشام.

مع الحملة التي شنتها الدولة اللبنانية في نهاية الخمسينيات والستينيات لإضعاف نفوذ أصحاب بيوت الدعارة، تم مداهمة منازل عفاف وسيقت إلى المحكمة عام 1959 وحكم عليها بالسجن ثلاث سنوات.

أثناء وجودها في السجن، قادت عفاف إضراباً احتجاجياً على الازدحام في سجن النساء في بعبدا، ودام الاحتجاج خمسة أيام تحولت معه عفاف من "باترونة" إلى "مناضلة".

نساء المصاطب

امتهنت غالبية نساء شارع المتنبي الدعارة، ومن لم تفلح في أن تجد لها زوجاً أو مهنة بديلة قبل أن تتقدم في السن، ويعرض عنها الزبائن، كانت تعمد إلى مصطبة أمام بيتها تجلس فيها على كرسي، وتتعمد الجلوس من دون لباسها الداخلي فتغوي الزبائن مقابل سعر زهيد.

وفي حين كان سعر "الدخلة" في بيوت المتنبي يراوح بين 100 و200 ليرة في السبعينيات مثلاً، كانت أسعار نساء المصاطب أقل بكثير، وقد تنخفض إلى 15 ليرة أحياناً مقابل "الفرجة"، وهي التوجه مع الزبون إلى خلف مدخل المبنى لترفع تنورتها وتريه ما تحتها.

ماريكا إسبريدون، فتاة بيروت الذهبية

اليونانية ماريكا إسبريدون، أشهر بائعات الهوى في بيروت، لمع نجمها لحسنها وجمالها، والمدة التي قضتها في شارع المتنبي. ورثت ماريكا مهنة "الباترونة" من صاحبة البيت التي كانت تعمل به "كفتاة قهاوي"، لتصبح سيدة البيت بعد وفاة الأولى.

تمكنت ماريكا خلال بضع سنوات من شراء المبنى كاملاً، وحوّلته إلى فندق، وظلت تدير أعمال الدعارة منه. وبالرغم من أنها زعيمة المنزل والزقاق بأكمله، استمرت تمارس الدعارة بنفسها، وكانت تسعيرتها الأعلى في الشارع ولا يحظى بها سوى كبار الزوار.

كان لدى ماريكا أكثر من 100 فتاة و20 موظفاً بين الفندق وبيتها الذي يحتل الطبقة الأخيرة منه، وعلى عكس "باترونات" شارع المتنبي، لم تحظ ماريكا بحماية من شخصيات نافذة، ولا شاركت أحدهم سراً. إنما اعتمدت على الرشى لتسيير أمورها، وكانت تنتقي من يدخل بيتها وزبائنها بنفسها.

اللافت والمحير في شخصية ماريكا إسبيريدون أنها كانت المتبرع الأكبر للكنيسة الأرثودوكسية في بيروت، ويقال إنها أهدت الكنيسة ثريا كبيرة مرصعة بالذهب، وأنها كانت تواظب على حضور قداس الأحد فيها منذ بداياتها في شارع المتنبي، حتى وفاتها بعد الحرب في منزل بسيط في فرن الشباك عن عمر ناهز المئة.

نُسجت عن ماريكا حكايات كثيرة، غالبها درامي من خيال الكتاب، فماريكا بحسب من عرفها بسيطة لكنها حاسمة في أمور العمل. وعلى عكس المرويات، غادرت منزلها قبل اندلاع حرب الفنادق، ولم تعد إليه سوى مرة قبل هدمه خلال إعادة إعمار وسط المدينة، مع ذلك بقيت الأوسع شهرة بين قريناتها.

أم وليد، ست الستات خلال الحرب

ليس "أم وليد" اسمها الحقيقي، بل إن فيلماً لبنانياً حول بدايات الحرب الأهلية أكسبها هذا اللقب. غير أن بعضاً ممن عرفوها يسمونها لمعان، وهو على الأرجح ليس اسمها الحقيقي أيضاً.

حضرت إلى شارع المتنبي بعدما ضاقت بها السبل إثر وفاة والديها في فلسطين، هربت بعدها من منزل جدها، وتعرفت في وقت لاحق إلى حسين الكردي، وهو شاب أدمن المراهنات في سباق الخيل نهاراً، وعمل قواداً في شارع المتنبي ليلاً.

تزوجته لمعان وأنجبت منه ثلاثة أولاد، بعد ذلك بسنوات توفي الكردي وترك لها ثلاث شقق كبيرة كانت تعتاش من بدل إيجارها، إلى أن أتاها أحد أقاربه ونصحها بالغناء لأن لها صوتاً نادراً، وهكذا كان.

باتت لمعان أو "أم وليد" فنانة استعراضية، وقيل إن أحد ملوك الخليج أرسل بطلبها، وأغدق عليها الهدايا والمجوهرات، وفي إحدى الحفلات في بيروت، تنافس الرجال على شرب الشامبانيا التي سكبتها في حذائها.

مع اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، لم يعد باستطاعة "أم وليد" التنقل بين شطري المدينة، وزاد من حزنها فقدان صوتها بسبب شراهتها في تدخين النرجيلة، وحزنها على وفاة ابنيها، كل على جبهة مع المتحاربين. ففي وقت قضى الأول مقاتلاً مع الكتائب، قضى الآخر في صفوف أحد التنظيمات اليسارية.

بعدما ضاقت بها السبل بفعل الحرب، عمدت إلى إحدى الشقق التي كانت تملكها، وافتتحتها مركزاً للدعارة، ودعت العديد من فتيات شارع المتنبي للعمل فيه. ولأن منزلها على أحد خطوط التماس، كانت تستقبل فيه المتحاربين من الجهتين، وكان يحدث بالفعل أن تهدأ جبهات القتال القريبة من منزلها كلما أقامت حفلة أو مناسبة ما. ومن حياة لمعان أتت قصة "أم وليد" في فيلم "وست بيروت" (بيروت الغربية) للكاتب والمخرج زياد الدويري.

قيل إن تأثير "أم وليد" على جبهات القتال كان مدمراً بالنسبة لبعض قادة الميليشيات، فحاربوها وقصفوا محيط منزلها في أكثر من مناسبة ليمنعوا عناصرهم من الهروب عن الجبهات وتمضية الليل عندها.

ليس من المعلوم إن كانت قصص "باترونات" وفتايات شارع المتنبي متشابهة بالفعل، أو أنها حيكت لتتشابه في حبكة المظلومية والدراما ذاتها لاستدراج عطف الزبون، فأغلب القصص تبدأ من تعرض الفتاة للاغتصاب أو سوء المعاملة وهروبها أو اضطرارها للعمل، ومع أن عدداً كبيراً من هذه القصص حقيقي بالفعل، لم يكن ذلك ليغير في حياة الفتاة في الشارع، وما كان بالنسبة لطالبي الإثارة والجنس لحظات ومغامرات لا تنسى، كان بالنسبة لبائعات الحب أسلوب حياة بتفاصيله الحلوة والمرة.

ناشط إجتماعي وإعلامي، وخبير في تنقنيات المناصرة، مؤسس نظرية Empower للتدريب على كسب التأييد، له كتابين بعنوان "خلف أسوار بيروت" و "فوق أرض لبنان" .

التعليقات

المقال التالي