حقائق عن فشل الحقائق في تغيير القناعات: سلطة الإيمان الأعمى

حقائق عن فشل الحقائق في تغيير القناعات: سلطة الإيمان الأعمى

"حتى الوارد أدناه لن يغيّر رأيك"، قد تكون هذه البداية الأنسب لعرض حقائق تناقش كيف أن الحقائق وحدها، مهما بلغ منسوب الدقة فيها، لا تمتلك القدرة على تغيير ما يخالفها جوهرياً من معتقدات لدى الناس.

هناك حقائق وهناك معتقدات، وهناك أمور يحتاج المرء في ظروف معينة إلى الإيمان بها بشدة، فتتحول إلى معتقدات لديه.

وقوة المعتقدات في رسوخها، وفي الأمان الذي تُشعر به من يحملها. الأمان المنبثق من فكرة الانتماء لجماعة في عالم مليء بالتحديات، وأمان المستقبل (الحياتي والماورائي) الذي لا يحتاج حامل المعتقدات إلى تحمل مسؤولية التفكير به والعمل عليه وحيداً.

يحاول هذا المقال جمع العديد من النظريات والتيارات الفكرية التي عملت على موضوع الصراع بين الحقائق والمعتقدات، الذي يشبه في أحد جوانبه صراع العلم مع الدين، لكنه يتوسع إلى تفاصيل أكثر تعقيداً تبدأ من صراع المعتقدات مع بعضها البعض داخل الفرد الواحد، ومن ما يُعرف بـ"الحقائق البديلة"، وحالة ما بعد الحقيقة وغيرها.

ويستند بشكل أساسي إلى بحث أجرته الكاتبة والباحثة جولي بيك، وتمّ نشره في مجلة The Atlantic، وهو يحمل العنوان نفسه "هذا المقال لن يغير معتقداتك"، ويتابع معتقدات المرء السياسية والدينية والحياتية، وكيفية تعامله مع الحقائق التي يصطدم بها، ويجدها مناقضة لمخزون قناعاته.

"التنافر المعرفي"

يُعتبر ليون فستنغر أول من طوّر نظرية "التنافر المعرفي" (Cognitive Dissonance) في الخمسينيات. وتشرح نظريته حال التوتر والإجهاد العقلي التي يمر بها من يحمل معتقدات أو قيم متناقضة في الآن نفسه، أو من يقوم بفعل يناقض معتقداته، أو من يصطدم بمعلومات جديدة تعارض ما يحمله.

في دراسة شهيرة، يستشهد فستنغر مع زملاء له بدوروثي مارتن التي جمعت أتباعاً حولها جعلتهم يؤمنون بأن "حراساً فضائيين" سيأتون عبر صحون طائرة لتخليصهم من الفيضان القادم. غني عن القول أن لا رجال فضائيين أتوا ولا صحون طائرة ولا فيضان مدمر، لكن مارتن أصرت على أفكارها.

اللافت كان في تمسك أتباعها بتلك الأفكار بدورهم، على الرغم من كل ما ظهر ليثبت خطأها، وتابعوا على الإيمان المطلق بأنها ستتحقق يوماً ما.

وفق المنطق العام، يسعى البشر بمعظمهم بشكل دؤوب، حسب فستنغر، إلى خلق حالة من الاتساق الداخلي، وعليه يواجهون أي طارئ يهدد قناعتهم بشكل حاد يقيهم من التنافر، كما يحصّنون أنفسهم من الانخراط أو الالتقاء بما يمكن أن يهدد اتساقهم.

وهكذا يمكن أن نرى المتحزبين، في العالم العربي كما في العالم بنسبة معينة، يواظبون على متابعة الوسائل الإعلامية التابعة لأحزابهم أو المنسجمة معها، وفي حال اطلعوا على أفكار أحزاب أخرى تعارضهم، فيكون ذلك في خانة "اعرف عدوكم"، أي التسليم جدلاً بخطئه قبل سماعه، وبالتالي لا يكون المجال مفتوحاً لاستيعاب ما يقول وهضمه، بل وحدها الشتيمة تكون معدة سلفاً ضد الآخر المختلف.

في مقال في "نيويورك تايمز" تحت عنوان "القصة الحقيقية حول الأخبار الكاذبة هي الحزبية"، حيث تبدو مشاركة حزبي لأخبار كاذبة عن الحزب الخصم كنوع من دعم لحزبه، وعلاقته في ذلك يمكن تسميتها بالقبلية المعلوماتية ولا تأتي نتيجة جهل أو نقص ذكاء بل تنبع من ممارسة فعل الولاء.

هو في ذلك كالمتدين الذي يرفض النقاش في نظرية التطور الطبيعي بالمطلق، مهما تعززت أدلتها، كنوع من تأكيد إيمانه.

أقوال جاهزة

شارك غرد"حتى الوارد أدناه لن يغير رأيك"، بداية ممتازة لعرض يناقش كيف أن الحقائق وحدها لا تستطيع تغيير المعتقدات

شارك غردامتلاك أدلة وحقائق ليس كافياً لإقناع الآخر بتغيير فكرته، فغريزة البقاء والانتماء أقوى من الحقيقة

"الاستدلال المدفوع"

تعززت نظرية "الاستدلال المدفوع" (Motivated Reasoning) في الستينات. وفق هذه النظرية، يبحث الناس عن المعلومات التي تؤكد ما يؤمنون به فعلاً، بدلاً من أن يبحثوا بشكل منطقي عن معلومات قد تؤكد قناعاتهم أو تنفيها بشكل علمي. وهكذا قد يقللون من قيمة، أو يتجاهلون أو يصارعون، المعلومات التي تهدد اتساقهم المعرفي والإيماني.

في أحد النقاشات التي شهدتها جامعة أوكسفورد عما إذا كان الإسلام عنيفاً في أساس تركيبته أم لا. استشرست آن ماري واترز في الدفاع عن فكرتها الراسخة بأن تركيبة الإسلام عنيفة من الجذور، واستحضرت حصراً كل الآيات القرآنية التي يمكن أن تخدم وجهة نظرها.

كما بحثت خلال مناظرتها في العالم العربي والإسلامي عن كل ما يدعم فكرتها من رجم للمرأة ومنعها من قيادة السيارات وقتل مرتد وسجن مثلي. ثم غضت نظرها عن كل ما هو لا عنفي.

في المقابل، خرج محمد حسن ليذكر واترز بكل ما خلفه العالم الغربي من عنف في المنطقة، مستحضراً العنف المسيحي في مراحل تاريخية، وبالطبع كل ما يشير إلى التسامح والمحبة ومآثر ابن رشد وابن سينا وصولاً إلى نبذ التطرف الإسلامي لدى المسلمين.

وبالطبع لعبت الشخصية وقوة الصوت وطريقة الكلام دوراً في المناظرة. ولم يبد في النهاية أي اقتناع لدى أحد الطرفين بما قاله الآخر.

في العام 1967، قام باحثون بجمع عدد من الأشخاص وطلبوا منهم سماع بعض التسجيلات المعدة سلفاً. وكانت التسجيلات غير واضحة تماماً بينما يمكن لكل مشترك أن يضغط زراً يتيح له انتقاء مقطع ما وسماعه بشكل أوضح.

ثمة حقائق وثمة معتقدات، وثمة أمور يحتاج المرء في ظروف معينة إلى الإيمان بها بشدة فتتحول إلى معتقدات لديه

كانت النتائج لافتة، فالمدخنين ضغطوا على الزر عندما وصلوا إلى مقطع يؤكد أن السجائر لا تتسبب حكماً بمرض السرطان، بينما ضغط غير المدخنين على زر الإيضاح عند الوصول إلى مقطع حول مضار التدخين.

وكذلك كان الحال مع المسيحيين المؤمنين الذين يرتادون الكنيسة، فقد تجاهل هؤلاء تماما المقطع الذي ينتقد المسيحية، بينما عمد الأقل تديناً إلى الضغط على زر التوضيح عند الوصول إلى المقطع نفسه.

الجدير ذكره هنا، أن هذا السلوك لا يظهر جلياً عندما يتعلق الأمر بتفاصيل يومية متغيرة كاللباس مثلاً أو الطعام، لكنه يصبح فاقعاً عندما يكون السلوك مرتبطاً بقناعات تمس الهوية أو النظرة إلى العالم الخارجي.

عندها يتحول الناس فجأة إلى سيمون بايلز (لاعبة الجمباز الشهيرة)، ويقومون بكل الرياضات الذهنية المناسبة، لحماية قناعاتهم وتأكيد صحتها. هكذا يمكن بناء وسادة وثيرة من "المعلومات الآمنة".

"أخلاقيات القناعة"

في العام 1877، كتب ويليام كليفورد تحت عنوان "أخلاقيات القناعة" ما مفاده أن "دائماً، وفي كل مكان، وبالنسبة لأي شخص, من الخطأ الإيمان بأي أمر اعتباطياً أو بأي فكرة تفتقر للأدلة". وفي العام 2015، وفي المنطق الأخلاقي نفسه، كتب لي ماكنتير قائلاً "العدو الحقيقي للحقيقة ليس الجهل، أو الشك أو عدم الإيمان، بل المعرفة المغلوطة".

في المقابل، يشير وليام جيمس إلى الإيمان الديني كعنصر أساسي في نقد نظرية كليفورد، قائلاً إن هذا الإيمان قائم أساساً على التسليم من دون أدلة مادية.

إضافة إلى الدين، تلعب نظريات المؤامرة والبروباغندا والخدع والأكاذيب الكلاسيكية دوراً في تشكيل قناعة الجماعات وتجذيرها في عقول الأفراد. المشكلة هنا أن المتواجدين خارج طرفي المعادلة وحدهم من يملكون ترف النظر إلى تلك الأفكار بموضوعية، أما من هم داخلها فتلك الأفكار تبقى الحقيقة المطلقة بالنسبة إليهم.

وفق هذا المنطق كذلك، تلعب القناعات دوراً في جمع الأفراد ومدهم بإحساس الأمان، فمن يتشاركون القناعة نفسها يمتلكون إحساساً بالقدرة على الثقة ببعضهم البعض، أما من يخالفم الرأي فهو لا يستحق تلك الثقة.

يضاف لذلك إحساس الدعم الجمعي الذي يعتبر أكثر أهمية من الحقيقة نفسها. هو الغلبة التي يمتلكها صراع الوجود على حساب الحقيقة نفسها.

كم مرة شعرتم بأنكم تملكون دليلاً ومع ذلك تجنبتم النقاش حوله مع شخص يخالفكم الرأي، إيماناً بأنه لن يغير من رأيه؟ اقرأوا هذا الموضوع

يعد مثال طرفي الصراع السوري جيداً وفق هذه النظرية. في الطرف الأول يوجد من يؤمن بأن ما حدث ولا يزال يحدث هو ثورة بالمعنى التام للكلمة، يحشد كل ما يدعم تلك الفكرة ويعادي مطلقاً من يناقضها، حتى أنه يتجاهل كل الحقائق التي تهدد فكرته.

في الطرف الآخر يظهر المؤمن بأنها مؤامرة كونية على سوريا، يدافع في مناسبات عدة عن النظام الحامي للبلاد من التطرف الإسلامي، ويصف من يدعم الثورة بالخائن. وبطبيعة الحال لدى هذا الفريق كل الأدلة التي تدعم فكرته.

وقد عززت هذا الفرز وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت نشر الأفكار بشكل مكثف وواسع، وكذلك لعبة "الترندينغ" التي تسمح للشخص بتأكيد انتمائه لفئة معينة وحظوته الاجتماعية ضد فئة أخرى.

وهنا بحسب ما يقوله الباحثون في النظرية إن حامل الفكرة يتخذ وضعية الدفاع عنها مهما كانت الأفكار المناقضة صحيحة، لأنه إذا لم يفعل ذلك يصبح مهدداً بخسارة عضويته في المجموعة (العائلة، الأصدقاء،…) التي تعد بنظره عنصراً يضمن وجوده الكلي.

"ما بعد الحقيقة"

في العام 2016، اختارت جامعة "أوكسفورد" مصطلح "Post-truth" ليكون كلمة العام. واعتبرته دلالة على الظروف التي تكون فيها الوقائع الموضوعية أقل تأثيراً على المشهد العام من المشاعر والقناعات الشخصية.

وقد حفل العام الماضي بادعاءات كثيرة بثتها الحملات الرئاسية الأميركية بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، وظهر معها مصطلح "الحقائق الرديفة/ البديلة" (Alternative facts)، والتي استخدمها لاحقاً مستشار ترامب في الحديث عن الكذب بشأن عدد المشاركين في حفل التنصيب. وقال بالحرف الواحد "أعتقد أنه يمكننا أحياناً رفض الحقائق".

اللافت هنا أن "الحقائق" التي يستخدمها السياسيون لا يتم محاسبتهم عليها فيما لو ظهر زيفها لاحقاً، وأي طرح يخالف "الترند" بعد مدة يعد من خارج السياق ولا ضرورة للبحث فيه. وهنا لا يعود واضحاً ما إذا كان المناصرون مقتنعون حقاً بما يقال، أو أنهم يعتبرون المعلومات المنتشرة الطريق الأقصر لتعزيز مواقعهم ضمن مجموعة معينة.

يعزز هذا الواقع غياب البدائل الموثوقة التي تعطي إحساس الاستقرار لمن يمكن أن يفكر بترك مجموعته ومعها شرنقة الأمان التي طالما غلفته. يظهر ذلك جلياً في المشهد العربي، فمع عمليات التغيير الجذرية التي رافقت موجة "الربيع العربي" بدا كثر مترددين في الانخراط في عملية التغيير لأن البديل المتين من الأفكار لم يكن متوفراً.

وسط ذلك، يؤمن كثر بأن الحقائق لن تغير شيئاً، فيعمد بعض من يمتلكون بينات وأدلة على تجنب النقاش حولها مع شخص يخالفهم الرأي، إيماناً منهم بأنها لن تغير من رأي الآخر، وبالتالي لا ضرورة من الدخول في حلقة مفرغة من النقاش.

"التخلي المشروط"

مقابل من يتمسكون بفكرتهم بشكل مطلق، تبرز الفئة التي يحصل أن تفقد إيمانها بفكرة ما مع الوقت، لكن ذلك يقودها إلى التخلي التام والابتعاد، من دون تبني فكرة أخرى تعد أكثر منطقية وإقناعاً. هي حالة من الكفر بكل شيء وانعدام الأمل المطلق.

من المنصف هنا، ذكر أهمية القناعات المطلقة في تحقيق المعجزات على ما يقوله المثل القديم "آمن بالحجر تشفى"، ولكن إزاء الحالة العامة الميالة إلى التطرف في كل شيء، وإلى إقصاء الآخر، يبدو الوضع شديد الخطورة.

ويبقى الأمل معلقاً على تلك القلة التي تمتلك ترف الاعتراف بخطئها، وتشكيل قناعات خارج أي سياق. الفئة التي ما زال لديها القدرة على سماع الآخر، والجرأة في تغيير قناعات إذا ما صادفت معلومات مقنعة تناقضها.

الفئة التي تصر على التموضع خارج أي لوحة، فترى جمالها وقبحها في آن، الفئة التي ترفض أن تكون جزءاً أعمى في أي لوحة، مهما تعاظم جمال الأخيرة في عين الرائي.


هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي