هل كانت مشاهد الحب أكثر رومانسية في دراما الأسود والأبيض؟

هل كانت مشاهد الحب أكثر رومانسية في دراما الأسود والأبيض؟

تبدأ الأفلام المصرية بموسيقى رقيقة، تتردد في خلفية المشهد، بينما يندفع البطل في اتجاه البطلة بحركة تصوير بطيئة، وكل منهما ينادي الآخر حتى يلتقيا، ويتعانقا.

هذا هو المشهد الرومانسي الأيقوني، الذي تربت عليه الأجيال القديمة، حتى ارتبطت الأفلام الرومانسية في المخيلة بالموسيقى الرقيقة، وجري الحبيبين على شاطئ البحر، أو في حديقة، والنداءات التي تتردد بصوت ذي صدى يعبر الشاشة ليستقر في قلوب المشاهدين.

كما ارتبطت تلك الأفلام بموت أحد الحبيبين، ليظل الآخر وحيداً وفياً حتى آخر العمر. تكررت هذه النهاية على مر عقود كثيرة، حتى صارت أشبه بقانون حتمي للأفلام الرومانسية.

فهل كان طعم الرومانسية ألذّ أيام الأسود والأبيض؟ وهل الابتذال الجسدي هو الشكل الحديث للرومانسية كما عرفناها يوماً؟

تطور الرومانسية

اعتبر الناقد السينمائي طارق الشناوي أن هذا الاختلاف في التناول الدرامي لقصص الحب، يرجع إلى تطورات كل عصر، ويتلاءم مع الجمهور المتلقي. ورأى أن السينما، وإن كانت في حالة انحدار، فذلك بسبب تدخل الإنتاج في النص المكتوب وتوجيهه. وأعطى مثالاً علي السبكي، وهو أكبر منتج في السينما المصرية حالياً، معتبراً زنه "يتحكم في العمل الفني حسب أفكاره ومعتقداته الشخصية، وليس حسب السياق الاجتماعي المصري".

في المقابل، يرى الناقد السينمائي كمال القاضي أن الإنسان بطبيعته يحن إلى الماضي، لأنه لا يتذكر منه إلا ما هو جميل. ولكنه يقول: "لو ألقينا الضوء على بعض الأفلام القديمة، لوجدنا أن فيها قدراً من السذاجة في طريقة التناول والأداء التمثيلي".

لكن عرفت السينما المصرية عدداً لابأس به من الأفلام الجميلة والمهمة، ومنها فيلم "الحرام" و"الزوجة الثانية" و"ثرثرة فوق النيل" و"دعاء الكروان" و"شباب امرأة".

يشار إلى أن الفارق المهم في المستوى التقني بين أفلام الأمس وأفلام اليوم، هو حتمي بحكم التطور الطبيعي في كاميرات التصوير، ومعامل التحميض، وتقنيات الإضاءة والديكور. وهي فوارق لمصلحة الفيلم الحديث بلا شك، فضلاً عن أن طريقة أداء الممثل الآن أكثر تلقائية وإقناعاً، بحكم وجود معاهد فنية متخصصة، وخبرات متراكمة لدى الممثل تم الحصول عليها من روافد متعددة.

مرّت السينما المصرية بأربع مراحل مهمة، مرحلة التجريب في الأربعينيات وما قبلها، مرحلة الازدهار في الخمسينيات والستينيات، مرحلة التمرس والنضج في الثمانينيات والتسعينيات، أما المرحلة الحالية فيمكن اعتبارها مرحلة التمرد على كل الأشكال التقليدية.

وهذا واضح من نوعية الأفلام التي قدمت، ومنها فيلم "الفيل الأزرق"، "هيبتا"، "اشتباك"، "لف ودوران"، "قبل زحمة الصيف"، "فتاة المصنع"، و"نواره"، وغيرها.

سراب الأسود والأبيض

يعتبر الناقد السينمائي أشرف بيدس إن بداية الرومانسية تترسخ في أذهان الناس مع أبطال سينما الأبيض والأسود، الذين ضفروا حياتنا بالحلم، ونسجوا قصصهم الجميلة في ذاكرتنا. يقول "تلقينا منهم أول دروس العشق، وتحلقنا حولهم، وارتبطنا بهم حتى كدنا نصدق أنهم خارج السياق الذي نعيشه. وتمنينا جميعاً أن يملك أحباؤنا بعضاً من ملامحهم".

منذ عهد بعيد، اتسمت السينما المصرية بظاهرة الثنائيات الفنية، وظلت كذلك حتى أوائل الثمانينيات. وإذا كانت هذه الثنائيات حققت شهرة واسعة لأبطالها، نتيجة ارتباط الجماهير بها، فإن الكثير من هذه الثنائيات راجت حولها شائعات. فظن البعض أن نجاح أبطالها وبطلاتها كان تبريراً لوجود علاقات عاطفية في ما بينهم، وحالات زواج.

يأتي على رأس هذه الثنائيات حسين صدقي وليلي مراد، عماد حمدي ومديحة يسري، كمال الشناوي وشادية، فاتن حمامة وعمر الشريف، عبد الحليم حافظ ونادية لطفي، سعاد حسني وحسن يوسف، ثم جاء محمود ياسين ونجلاء فتحي، ونور الشريف وبوسي، وحسين فهمي وميرفت أمين، ثم تبعهما عادل إمام ويسرا، ليلي علوي ومحمود حميدة. ومن الجيل الشاب ظهر أحمد السقا بصحبة منى زكي في أكثر من فيلم.

لكن هذه الثنائيات كانت لها استثناءات، فمثلاً رشدي اباظة وشكري سرحان وأحمد زكي يمثلون حالات إبداعية متوهجة لا تشترط وجود عنصر نسائي من النجمات المشهورات، وجودهم يكفي لما يملكونه من كاريزما وشهرة وقبول جماهيري منقطع النظير.

أيضاً كانت هناك بعض الفنانات اللواتي مثلن اسثتناء من هذه القاعدة، مثل فاتن حمامة وهند رستم وشادية وسعاد حسني. فوجودهن أيضاً كان عامل جذب جماهيري، من دون التعويل على النجم الذي يقف أمامهن.

أقوال جاهزة

شارك غردبطبيعته يحن الإنسان إلى الماضي لأنه لا يتذكر منه إلا ما هو جميل... هذا ما يرمز له الأسود والأبيض

شارك غرداتسام السينما بظاهرة الثنائيات الفنية حتى أوائل الثمانينات، ساهم بترسيخ الرومانسية في خيال المشاهد القديم

رصد الحب السينمائي

إن مهمة رصد الأعمال الرومانسية التي جسدت على شاشة السينما عملية شاقة جداً، فأكثر من نصف إنتاج السينما في مائة عام يدور حول العلاقات العاطفية بين الرجل والمرأة. لكننا سنركز فقط على الأعمال الخالدة.

هل تغيرت أشكال الحب في الأربعينيات والخمسينيات؟ أو ظل العشق يحمل تفاصيل خاصة ومفردات ثابتة لم تغيرها الأيام؟

بقي الوله في البدايات ملتهباً، وإن كانت تحكمه بعض العادات والتقاليد السائدة آنذاك، لكن عبارات العشق كانت نقية. أما العاشقة أو الحبيبة فأكثر ما كان بوسعها أن تفعله هو الارتباط في علاقة عاطفية، فكان ذلك تضحية كبيرة وخرقاً للمألوف، في ذلك الزمن.

لم تكن الدراما التليفزيونية بعيدة عن الرومانسية، وقدمت أعمالاً عظيمة لا تزال الجماهير تتذكرها، وتحفظ مشاهدها. هناك مثلاً مسلسل "الحب وأشياء أخرى" لآثار الحكيم وممدوح عبد العليم، و"المال والبنون" لفايزة كمال وأحمد عبد العزيز، و"الضوء الشارد" لممدوح عبد العليم ومنى زكي، و"خالتي صفية والدير" لبوسي وممدوح عبد العليم، وأعمال أخرى عظيمة.

لا شك أن التناول اختلف باختلاف العصر وثقافته، والتطور الذي حدث في كافة مناحي الحياة. واختفت تلك الثنائيات، وحل محلها أشباه عشاق، واقتحمت المشهد الرومانسي أنماط من البشر، كانت تمثل استثناءً في الماضي، وأصبحت الآن تحتل المشهد بكل ما تملكه من تناقضات، عدا أن مفهوم الحب اختلف اختلافاً كبيراً، لذا بات تصويره فنياً شيئاً صعباً.

حقبة النبضات السريعة

نسترجع من تلك الحقبة، أكثر المشاهد الرومانسية من الشاشة الذهبية، التي لن تخرج من ذاكرتنا.

فيلم "إني راحلة" (1955) قصة يوسف السباعي وبطولة مديحة يسري وعماد حمدي. يحكي عن فتاة مدللة من أسرة أرستقراطية، تحب ابن خالتها الضابط الفقير، لكن والدها يجبرها على الزواج من شخص من طبقتها لتكتشف أنه يخونها.

تهرب منه لابن خالتها، الذي يصطحبها لمنزل أحد أصدقائه المطل على البحر، ثم يمرض ويموت لتقرر بعدها أن ترحل عن الحياة وراءه، فتحرق المنزل وتموت تاركةً رسالة تحكي قصتهما التي عنوانها "إني راحلة".

"دعاء الكروان" (1959)، قصة طه حسين، الذي تحول لواحد من أفضل عشرة أفلام في تاريخ السينما المصرية. وهو من بطولة فاتن حمامة وأحمد مظهر وزهرة العلا. يحكي عن المهندس الذي يراود خادمته عن نفسها، حتى تستسلم له فيقتلها خالها. فتعود أختها "آمنة" لتنتقم منه، لكنها تقع في حبه.

بين الكراهية والرغبة والحب، تدور الأحداث التي يقف فيها شبح الماضي العائق بين الحبيبين، ولا ينزاح هذا العائق إلا بدماء المهندس، الذي يقتل على يد الخال، لتصبح "آمنة" وحيدة إلا من صوت الكروان.

"نهر الحب" (1960) النسخة المصرية لرواية "آنا كارنينا" لتولستوي. قامت ببطولتها فاتن حمامة وعمر الشريف. "نوال" سيدة متزوجة من رجل سياسي قاسٍ، لا يربطها به سوى ولدها الصغير. ثم يظهر في حياتها الضابط "خالد" فيتحابان، وتترك زوجها وابنها، ثم يموت الضابط في حرب 48، فتموت هي بعده محققة كابوسها بالانتحار تحت عجلات القطار.

"حبيبي دائماً" إخراج حسين كمال. بطله إبراهيم (نور الشريف) طبيب شاب بسيط ومكافح، يحب فريدة (بوسي) سليلة الحسب والنسب. تحول الفوارق الطبقية دون زواجهما. ثم تضطر فريدة إلى أن تتزوج رجلاً آخر لا تحبه، تسافر معه إلى باريس. وفي حياة مليئة بالترف والانحلال والمجون، ترفض فريدة الزواج وتحصل على الطلاق، وتعود إلى مصر لتلتقي مرة أخرى بإبراهيم الذي ما زال يحبها، بعد أن أصبح طبيباً مرموقاً.

في هذه الفترة، تصاب فريدة بمرض خبيث يكتشفه إبراهيم نفسه، لكنه يخفي حقيقة هذا المرض عنها، ويصر على أن يتزوجها ويسافر بها إلى لندن للعلاج محاولاً إنقاذها من المرض. تعرف فريدة بأمر مرضها، فترجع مع حبيبها إلى مصر لتنتظر الموت. وفي النهاية تموت بين أحضانه.

وقد تناولت العديد من الأعمال التلفزيونية المصرية  في المسلسلات، قصص الحب منها قصة "وردة"، التي مثلتها الفنانة سماح أنور، و"حاتم" الذي مثله الفنان شريف منير في مسلسل ذئاب الجبل.

كما أن مسلسل ليالي الحلمية يعتبر من أبرز المسلسلات التي تركت أثراً لدى المشاهد. واكتظت دراما المسلسل بقصص الحب، كان أبرزها بين "سماسم"، الشخصية المعقدة التي جسدتها الفنانة سهير المرشدي، والمعلم "زنهم" الذي جسد دوره الفنان سيد عبد الكريم، ابن الحي الشعبي، الذي دفعه الحب إلى الزواج من راقصة في الأفراح، تتنازل هي عن موهبتها في الغناء والرقص مقابل الحب وتتزوج منه.

كلمات مفتاحية
سينما

التعليقات

المقال التالي