"كلمتين وبس"... المصريون يعيشون في الستينيات

"كلمتين وبس"... المصريون يعيشون في الستينيات

هل تصدقون أن أزمات المصريين هي نفسها التي كانت مطروحة في ستينيات القرن الماضي؟ كل ما تعيشه مصر حالياً من أزمات شبه مستعصية على الحل كانت موجودة في تلك الفترة وقد أضاء عليها الكوميدي الراحل فؤاد المهندس في برنامجه الإذاعي الشهير "كلمتين وبس".

على مدار عقود من الزمن تخصص المهندس في تعرية سلبيات المصريين. في الثامنة من صباح كل يوم، بأسلوب درامي.

أيام العصر الذهبي للإذاعة المصرية، كان يذاع البرنامج الذي استثمر مواهب الثلاثي فؤاد المهندس، والكاتب الصحفي أحمد بهجت، مؤلف الحلقات، والمخرج يوسف حجازي، لتناول جميع الأزمات، مع طرح حلول بسيطة في نفس الوقت.

تلك الحلول ربما كانت كافية لإيقاف استنزاف الشخصية المصرية التي تعرضت طوال العقود الماضية لحالة من التسخيف الشديد فكرياً وثقافياً واجتماعياً.

كلمتين وبس... السياحة

من الأخلاق في التعامل مع الآخر، إلى ثقافة التعامل مع السائحين القادمين إلى البلاد، أفرط المهندس في نقد ثقافة استغلال الأجنبي بطريقة منفرة تجعله يفكر مئات المرات قبل العودة مرة أخرى.

وهاجم المهندس تصرفات بعض المصريين في ابتزاز السائح، بدايةً من سائق التاكسي الذي يستغل "ضيف البلد"، ويقوم بتوصيله إلى أقرب مشوار له من طرق بعيدة لاستنزافه مادياً، مروراً بالنصب عليه عبر سماسرة العملة المضروبة المنتشرين بالقرب من إقامة السائحين، نهايةً بجشع التجار الذين يضاعفون الأسعار مرات عدة على أي أجنبي يرونه أمامهم.


وطالب المهندس بتعلم ثقافة الوعي السياحي، لا سيما أن هناك بلاداً تعتمد اعتماداً كلياً عليها، في حين أن مصر تمتلك مخزوناً هائلاً من الآثار، ما يمكن المصريين من العيش على مواردها لآلاف السنين.

أزمة جيل

عن "تأخر سن الزواج" في المجتمع المصري خلال العقود الماضية، حكى المهندس عن كيفية الزواج قديماً في مصر، وكيف كان يتم بطريقة سهلة، وميسرة على الطرفين، فلم تكن هناك حاجة إلى شقة تمليك كما هي اشتراطات الحاضر، وبالمقابل لم يكن هناك أي داعٍ إلى المتطلبات الكثيرة، وغير المنطقية التي تتحملها أسرة الفتاة.


وقبل ثورة 23 يوليو 1952، كان المصري الراغب في الزواج يمكنه أن يعيش حياته بشقة صغيرة، لا تزيد عن حجرتين، ولا يشمل أثاث المنزل في الغالب أكثر من حجرة النوم وبعض الاحتياجات البسيطة لفردين، وحسب الزيادة في عدد الأسرة تتوسع في مستلزمات الشقة.

وينتهي مقطع المهندس الذي حمل اسم "أزمة جيل"، إلى أنه لدى الأجيال الجديدة، نوع من الأنانية، ولا تريد بدء مشوار حياتها، إلا من حيث انتهت الأجيال السابقة، بسبب هشاشة ثقافتها في التعامل بواقعية، كانت ولا تزال مطلوبة، للتعايش مع قوانين الحياة.

أقوال جاهزة

شارك غردهل تصدقون أن أزمات المصريين هي نفسها التي كانت مطروحة في ستينيات القرن الماضي؟ شاهدوا "كلمتين وبس"

شارك غرداستمعوا إلى برنامج فؤاد المهندس الشهير في الستينات والسبعينات "كلمتين وبس"... وكأنه يتحدث عن اليوم

وَحْش الامتحانات

تطرق المهندس لأزمة الامتحانات التي سيطرت على مصر منذ أعوام، وخاصة بعدما تمرست بعض الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي في تسريب الامتحانات، وخاصة الثانوية العامة. وتحدت تلك الصفحات الحكومة المصرية، التي توعدت بالقبض على المسؤولين عنها، ولكنها استمرت في تسريب الامتحانات.

ويكشف الكوميديان الكبير عن أصل الداء في الأزمة، ثقافة تخويف المجتمع من الامتحانات، بدايةً من الأسرة التي تعلن حالة الطوارئ وتجعل من المنزل ثكنة عسكرية، فيجد الطالب نفسه محاصراً في صنوف من العذاب والرعب قد تطول لأسابيع، إلى لجان الامتحانات التي تعقد في "صوّان" لاستيعاب الأعداد الكبيرة للطلاب، ما يترك في نفوسهم رهبة تؤدي إلى انهيار الأعصاب.


ودعا المهندس إلى تغيير ثقافة القائمين على شؤون العملية التعليمية، والابتعاد عن تصوير الامتحانات وكأنها أسئلة القبر، موضحاً أنها بالأساس آلية لمعرفة مدى فهم الطلاب للمقررات الدراسية، ودرجة ذكائهم واستيعابهم، وليس المطلوب اختبار قدرتهم على الحفظ والتلقين ليلجأ الطلاب في المقابل إلى استخدام التكنولوجيا في استحداث طرق الغش للتحايل على الأزمة.

وطالب بطمأنة الممتحنين، وإعلامهم أن الامتحان أمر سهل وبسيط، وليس أزمة كبرى، مؤكداً أن النظرة التقليدية للتعليم انتهت من العالم بأكمله.

التربية

وعن أخطاء التربية، وخلل منظومة القيم بين المصريين، تحدث المهندس عن إشكالية تربية الأطفال على الشتائم بتشجيع من بعض الآباء والأمهات لأطفالهم وبأحط الألفاظ، باعتبارها "دلع" أو خفة دم مطلوب إظهارها واستعراضها أمام الأصحاب والأقارب.

وانتقد الفنان الراحل هذه الظاهرة التي انتشرت بشدة خلال العقدين الماضيين في الثقافة المصرية، واعتبرها عملية ممنهجة لاغتيال براءة الأطفال وجريمة في حق مستقبلهم، من أجل مزيد من التسلية للآباء وأقاربهم وأصدقائهم، موضحاً أنها تجعل الأطفال يقبلون على الحياة، وهم مسلحون بقاموس من الشتائم، وبدوران حركة الزمن، يصبح الأطفال رجالاً وأمهات، ينقلون نفس الثقافة إلى أطفالهم، ما يخلق ثقافة سوقية لا تسمح لصاحبها بالتفاهم مع الآخر.

القراءة

وضع فؤاد المهندس يده على أكبر أزمات المصريين، وراح في إحدى حلقات البرنامج يحث على القراءة وأهميتها، وعدد مزاياها ودورها في التقدم والرقي وتهذيب التصرفات مع الملكيات العامة في البلاد، واعتبرها الفارق الوحيد بين الشعب المتقدم ونظيره الجاهل.


وانتقد عدم وجود مكتبات بالمنازل المصرية، بالإضافة إلى ضعف الإحساس بأهميتها، لا سيما أنها من أهم الضروريات اللازمة لاستمرار الحياة، وقال المهندس إن المنزل الذي تُشكل الكتب جزءاً من ثقافة أبنائه، مفتوح على العالم، ويشع بالفكر والرقي والمعلومات، بعكس الذين يرون الحياة مجرد طعام وشراب فقط.

الوعي المروري

في مقطع جريء في حقبة السبعينات، تطرق فؤاد المهندس إلى ثقافة المرور التي تمثل واحدة من كوارث مصر في الوقت الحالي، وشرح أهمية القرار الذي اتخذه وقتها ممدوح سالم، وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء، بإلزام مدارس الأطفال بتوفير نماذج مجسمة لميادين وشوارع القاهرة مزودة بالإشارات والعلامات الخاصة بالمرور لزرع ثقافة احترام المرور في النشء.


وفنّد الفنان الراحل أزمة المرور بشكل كامل، بدايةً من خطوط الرصيف البيضاء المتآكلة، وإشارات المرور التي لا تعمل، مروراً بشرطي المرور نفسه الذي لا يجيد في الغالب ثقافة التعامل بذوق مع المارة، وكذلك عدم احترام السيارات للمشاة والعكس، ومن هنا وجد المهندس ضالته في الخبر ليؤكد دعمه لقرار الوزير الأسبق في زرع الوعي بوجدان الأطفال، حتى يضمن للبلاد مستقبلاً أكثر انضباطاً وتحضراً.

المياه

ومن الصرف الصحي إلى انعدام ثقافة ترشيد المياه، تحدث المهندس في إحدى حلقات البرنامج عن حالة الإهمال الشديد، وعدّد أشكال التبذير في المياه، لدولة كان بعض رواد التنوير فيها، يتخوفون منذ عقود من احتمال تعرضها للوقوع في دوامة الفقر المائي، وهو ما تحقق اليوم. إذ باتت الدولة تلجأ إلى مطالبة المواطنين رسمياً بتحمل مسؤولياتهم تجاه الحفاظ على المياه في ظل أزمة سد النهضة واحتمالات تناقص حصة مصر من مياة النيل.

واعتبر الكوميديان الراحل أن ترك صنابير المياه دون إصلاح في المصالح الحكومية، تبذير غير مقبول.

انسداد المجاري

قبل أعوام قليلة، استفحلت أزمات الصرف الصحي، وخاصة في المدن الساحلية، بعدما باتت منظومة الصرف فيها شبه عاجزة عن معالجة آثار الأمطار، وتعوّد المصريون منذ ذلك الحين مشاهدة الشوارع غارقة في المياة، وحالة الشلل التام التي تصيب الشوارع بسبب انسداد المجاري.

ونقل المهندس رسالة أحد "غطاسي المجاري"، يوضح فيها تذمره من سوء ثقافة المواطن، في التعامل مع الصرف، والأهوال والغرائب التي تواجهه وهو يحاول تسليك المواسير، بسبب تكّوم الرمل والتراب، وغيرهما من المخلفات الصلبة، التي تنهي العمر الافتراضي للمنظومة قبل أوانها، وهو ما تقع فيه البلاد حالياً، وتتكبد بسببه المليارات في وقت شديد الصعوبة اقتصادياً، لتجديد شبكة الصرف بالمحافظات.

لماذا؟

يقول الدكتور جمال حماد، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن معظم مشاكل المصريين استوطنت مجتمعهم، منذ ستينيات القرن الماضي، ولا تزال كما هي، بل توحشت بفعل انفتاح استهلاكي يقابله ضعف في الإنتاج. وخاصة منذ اندلاع ثورة 25 يناير، التي أزاحت الستار عن عيوب طالت الشخصية المصرية من جراء الكبت والمحاصرة الأمنية والفكرية والسياسية.

وأشار أستاذ الاجتماع السياسي في حديث لرصيف22 إلى أن سياسة الانفتاح الاقتصادي التي اتبعتها مصر، منذ سبعينيات القرن الماضي، كانت حجر الزاوية في توحش قطاع خاص لا يهمه إلا الربح السريع، في ظل غياب شبه كامل لمؤسسات دولة تعمدت لسنوات طوال تجاهل الحلول.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي