جولة على مدن آسيا الوسطى التي أنجبت أعلاماً مسلمين كثراً

جولة على مدن آسيا الوسطى التي أنجبت أعلاماً مسلمين كثراً

في منطقة آسيا الوسطى، وعلى مساحة تزيد على أربعة ملايين كيلومتر مربع، خمس دول تُعرف باسم الجمهوريات الإسلامية، وهي قيرغيستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزباكستان وكازخستان.

في تلك الدول الخمس يعيش نحو ستين مليوناً، الغالبية الغالبة منهم تعتنق الدين الإسلامي وفق المذهب السني، وتعود أصولهم إلى قبائل تركمانية وروسية وتتارية شتى.

كيف دخل الإسلام إلى هذه المنطقة؟ وما هي أهم حواضرها الإسلامية القديمة من جهة، وأهم مدنها وعواصمها الحديثة من جهة أخرى؟ وكيف تتعامل القوى الإقليمية الشرق أوسطية مع تلك المنطقة؟

بلاد ما وراء النهر والفتح الإسلامي

فتح المسلمون بلاد فارس في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، واتموا فتح تخومها والأراضي المتصلة بها في عهد عثمان بن عفان، وكان مخطط الخلافة يسير في اتجاه استكمال الفتوحات الإسلامية، غير أن الأحداث الدامية التي وقعت في دولة الإسلام بُعيد اغتيال الخليفة الثالث، عطلت تنفيذ تلك المخططات.

وبعد اعتلاء عبد الملك بن مروان كرسي الخلافة، بدأ يوجه جهوده لاستكمال عمليات الفتح، واختار القائد الشاب قتيبة بن مسلم الباهلي في عام 76هـ ليتولى إمارة اقليم خراسان، وأوكلت إليه مهمة استكمال فتح منطقة "ما وراء النهر"، وهي المنطقة التي تلي نهري جيحون وسيحون، وتقع فيها الجمهوريات الإسلامية حالياً.

وعلى مدى نحو عشرين عاماً، فتح قتيبة بن مسلم المنطقة الواقعة ما بين إيران والصين، وذلك عبر عدد من الحملات الكبرى التي كان يوجهها ضد القبائل التركية والفارسية القاطنة في تلك النواحي.

سمرقند وبخارى وطشقند: مدن التراث الإسلامي

في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، عمل الروس على إخضاع منطقة آسيا الوسطى لنفوذهم وعلى وضعها تحت سيطرتهم، فتم تقسيم منطقة تركستان (آسيا الوسطى) إلى خمس دول، وتم العمل على وضع المسلمين ليكونوا خاضعين للنفوذ الروسي، وبدأ الشيوعيون في محاولة طمس للمعالم الإسلامية في المنطقة، ولكن على الرغم من ذلك فقد ظلت بعض مدنها محتفظة بطابعها وإرثها الإسلاميين.

سمرقند (في أوزبكستان حالياً)، كانت واحدة من تلك المدن، فالمدينة التي وصفها الرحالة ابن بطوطة في رحلته بأنها "من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالاً... تضم قصوراً عظيمة تنبئ عن همم أهلها"، والتي كانت عاصمة لدولة تيمورلنك الواسعة، استطاعت أن تبقى ثابتة في وجه يد التغيير الروسي الذي حاول أن يطولها.

مثّلت أبنيتها المعمارية ذات الشكل المميز علامة على استمرار صبغتها الإسلامية، وهو الشيء الذي يظهر بشكل واضح في ضريحي قثم بن العباس والإمام البخاري، وكذلك في قبر تيمورلنك.

ومن أشهر أبناء مدينة سمرقند الإسلامية، العالم الكبير أبو منصور الماتريدي المتوفي عام 333هـ، وهو صاحب المذهب الماتريدي المعروف والذي يتبعه قسم كبير من أهل السنة والجماعة حول العالم الإسلامي.

وقد ظلت سمرقند حاضرة بقوة في الوعي الإسلامي، فنجد أنه قد تم تناولها في العديد من الأعمال الأدبية والدرامية التاريخية، ولعل من أشهرها رواية سمرقند لأمين معلوف، ومسلسل سمرقند الذي عرض على الشاشات الفضائية في عام 2016.

Inside_5-Islamic-Countries3 سمرقند

بخارى (في أوزبكستان) أيضاً من المدن التي لها تاريخ إسلامي عريق، يقول عنها ياقوت الحموي في معجم البلدان "وليس بما وراء النهر وخراسان بلدة أهلها أحسن قياماً بالعمارة على ضياعهم من أهل بخارى ولا أكثر عدداً على قدرها في المساحة... وليس بخراسان وما وراء النهر مدينة أشد اشتباكاً من بخارى ولا أكثر أهلاً على قدرها".

وقد بلغت بخارى أعظم منزلة في عهد السامانيين، حتى قال الثعالبي في كتابه يتيمة الدهر وهو يصفها "كانت بخارى في الدولة السامانية مثابة المجد وكعبة الملك، مجمع أفراد الزمان، ومطلع نجوم أدباء الأرض، وموسم فضلاء الدهر".

ويكفي أن نذكر أن اثنين من أبناء تلك المدينة، وهما الإمام البخاري والفيلسوف ابن سينا كان لهما دور كبير وأحدثا فارقاً في تطور الحضارة الإسلامية.

أقوال جاهزة

شارك غردجولة على مدن آسيا الوسطى التي أنجبت ابن سينا والبخاري وأعلاماً مسلمين كثراً

شارك غردقيرغيستان، طاجكستان، تركمانستان، أوزباكستان، كازخستان... هل تثير هذه البلدان حشريتكم؟

طشقند (عاصمة أوزبكستان حالياً)، هي إحدى أهم المدن التراثية كذلك، فالمدينة التي كان اسمها القديم هو "شاش"، عُرفت بأنها من أكبر المحطات الواقعة على طريق الحرير القديم، ذلك الذي كان يربط ما بين الصين وأوروبا.

وقد ذكر ياقوت الحموي شاش في معجمه فوصفها قائلاً "خرج منها العلماء ونسب إليها خلق من الرواة والفصحاء".

وكان من أبرز هؤلاء العلماء، أبو بكر الشاشي المعروف بفخر الإسلام، وكان كبير الشافعية في عصره كما يورد تاج الدين السبكي في كتابه طبقات الشافعية.

وبالإضافة لتلك المدن، فقد ضمت آسيا الوسطى مدناً أخرى كان لها مقام كبير في تاريخ الإسلام، منها مدينة ترمذ التي تقع في شرق أوزباكستان، وينسب لها الإمام الترمذي، ومدينة نسا التي تقع في تركمانستان وينسب إليها الإمام النسائي، ومدينة مرو التي تقع في تركمانستان كذلك، وينسب لها محمد بن نصر المروزي الذي يُعتبر واحداً من كبار علماء أهل السنة والجماعة.

عواصم آسيا الوسطى: التجديد والحداثة

إذا كانت أسيا الوسطى قد حافظت على صبغتها الإسلامية التاريخية في مدن مثل سمرقند وبخارى وطشقند، فإنها قد أظهرت نيتها الساعية للعصرنة والدخول في مرحلة الحداثة من خلال عواصمها الجديدة التي تحاول أن تُحاكي بها مثيلاتها في أميركا وأوروبا.

على رأس تلك المدن الواعدة، تأتي مدينة أستانا. فعاصمة كازخستان التي تم اعتبارها عاصمة رسمية في أواخر 1997، هي أكبر مركز تجاري في المنطقة، وصاحبة موقع إستراتيجي مهم بين آسيا وأوروبا.

ومن أهم معالم أستانا، المركز التجاري السياحي الضخم المعروف باسم "خيمة خان شاطر"، التي توصف بأنها أكبر خيمة في العالم، لامتدادها على مساحة 150 ألف متر مربع.

Inside_5-Islamic-Countries1 خيمة خان شاطر

وتشهد استانا حالياً المفاوضات التي تحاول أن تجد حلاً للأزمة السورية، فيما يمكن أن نعتبره حضوراً قوياً لكازخستان في المشهد السياسي الشرق أوسطي.

بشيكيك عاصمة دولة قرغيزستان الواقعة في القسم الشمالي منها، هي إحدى تلك المدن، إذ يوجد بها العديد من المصانع وأحد أهم مراكز التدريب على الطيران، وبالإضافة إلى كل هذا، فهي من أكبر المناطق السياحية في المنطقة.

أما دوشنبه عاصمة طاجيكستان، فتوجد بها الكثير من المصانع المعروفة بمنتجاتها الحريرية وبالمنسوجات ذات الجودة العالية. وفي أكتوبر عام 2016 شهدت دوشنبه حدثاً تنموياً ضخماً، عندما بدأت خطة بناء أعلى سد في العالم، تمهيداً لإنشاء محطة لتوليد الكهرباء، وقد بلغت الموازنة الإجمالية لهذا المشروع ما يقرب من 4 مليار دولار.

عشق أباد عاصمة تركمانستان، يعني اسمها مدينة الحب، وتُعتبر من أهم المزارات السياحية في آسيا الوسطى، خصوصاً مع إمكانية استخدام التلفريك للتنقل ومشاهدة الأماكن الطبيعية الساحرة الموجودة بها.

وبالإضافة إلى ذلك فإن المدينة تتباهى بكثر أبنيتها المغطاة بالرخام الأبيض، حتى دخلت في عام 2013 موسوعة غينيس للأرقام القياسية، لاستحواذها على أكبر نسبة من الرخام تحتويها مدينة واحدة على مستوى العالم.

Inside_5-Islamic-Countries4 مبنى من الرخام

العرق والتاريخ والمذهب: محددات العلاقة مع قوى الشرق الأوسط

نستطيع القول إن هناك ثلاث قوى شرق أوسطية تعمل جاهدة لتوسيع رقعة نفوذها في منطقة آسيا الوسطى، تلك القوى هي تركيا وإيران والسعودية.

تُعتبر تركيا صاحبة الفرصة الأكبر في المنطقة، ذلك أن الأتراك وسكان آسيا الوسطى يعودون إلى أصول عرقية مشتركة، العرق التركماني، كما تجمع بينهم اللغة التركية.

ليس ذلك فحسب، بل إن تركيا داعم رئيس لجمهوريات آسيا الوسطى، فقد كانت أولى الدول اعترافاً باستقلال كازخستان في 1991، كما أنها الشريك التجاري المفضل لتلك الدول، ويشهد على ذلك أن حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول المنطقة قد وصل إلى حدود 6.5 مليار دولار، كما تجاوز مجموع استثمارات الشركات التركية في المنطقة 4.7 مليار دولار في عام 2010م، وفي السياق نفسه فإن مجموع القروض التركية لآسيا الوسطى قد بلغ مليار دولار.

كل هذا جعل تركيا تفكر بشكل جدي في إقامة منظمة اقتصادية تجمعها مع تلك الدول، وذلك على غرار منظمة شنغهاي والاتحاد الأوروبي.

إيران هي الأخرى ذات نفوذ قوي في تلك المنطقة المهمة من العالم، وذلك لأن هناك علاقات تاريخية قوية ما بين الطرفين.

إيران تمثل قوة رئيسة في التبادل التجاري مع كازخستان وتركمانستان خصوصاً، كما أن حجم العلاقات الاقتصادية بين إيران وطاجيكستان يبلغ 300 مليون دولار، ما يجعل من طهران خامس أكبر شريك تجاري بالنسبة لدوشنبه، وكذلك  فإن خط السكك الحديدية الذي وصل بين كازخستان وإيران في أواخر 2014، زاد من الأهمية الإستراتيجية التي تلعبها طهران، فقد جعل القمح الكازاخي يجد طريقه للأسواق الإفريقية والآسيوية عبر الموانئ الإيرانية.

السعودية، هي ثالث القوى الإقليمية التي تحاول أن تجد لنفسها مكاناً على الساحة الوسط آسيوية، وتستند في ذلك إلى أن الأغلبية العظمى من مسلمي آسيا الوسطى، يتبعون المذهب السني، مما يوجد نقاط للتقارب مع دولهم، باعتبار أن السعودية هي زعيمة العالم السني.

المحور الاقتصادي يشغل مكاناً مهماً في العلاقة ما بين الطرفين، فالمملكة قدمت الكثير من المساعدات والمنح والقروض للجمهوريات الإسلامية، وفي مايو من 2014 شهدت العاصمة السعودية، توقيع "إعلان الرياض" الذي بموجبه سيتم تنمية التبادل التجاري ما بين السعودية والعرب من جهة ودول أسيا الوسطى من جهة أخرى، وفي السياق نفسه أعلن عدد من المسؤولين السعوديين في وقت سابق نيتهم في التوسع في استقدام العمالة الوسط آسيوية إلى بلادهم، وفي الوقت نفسه فإن الكثير من الوفود السياسية والتجارية السعودية قد ذهبت في السنين السابقة لعواصم آسيا الوسطى لبحث سبل تنمية التجارة.

كل تلك المجهودات، تمخضت عنها نتائج سياسية مهمة، منها أن طاجيكستان قد أعلنت في أواخر 2015 رغبتها في الانضمام للتحالف الذي دعت الرياض لعقده ضد الإرهاب.

كلمات مفتاحية
الإسلام التراث

التعليقات

المقال التالي