هل تظنون أن كل متسوّل هو محتاج؟

هل تظنون أن كل متسوّل هو محتاج؟

"حسنة قليلة تمنع بلاوي كتيرة". كنا نسمعها سابقاً على استحياء وبصوت يحاول أن يبدو منغماً تستلطفه الآذان. وبعد أن صار الجنيه أقل من ثُمن دولار، لم يعد أحد يبالي بالصوت المنغم الرقيق، ولم تعد فئة الجنيه كافية. فكانت وسائل التسول الأكثر تطوراً وإلحاحاً وطلباً لما هو أكثر من جنيه، وإلا فالسباب والدعاء عليك بأقذع الأدعية.

تدفع الحالة الاقتصادية وصعوبة إيجاد فرص العمل بالكثيرين إلى الشارع. أمام الأبواب المغلقة، يصبح التسول الفرصة الوحيدة والأخيرة.

ولكن في الجانب الآخر، أصبحت إثارة مشاعر الناس لابتزازهم مادياً مهنة، لها مدربون محترفون يتقاضون أجورهم بشكل يومي من خلال التسول، الذي أضحى مورداً يدر أرقاماً خيالية، تحديداً إن تم دراسة طبيعة المكان الذي سيتم التسول فيه، والشكل الأنسب للمتسول. هل يفضل أن يكون من ذوي الاحتياجات الخاصة أو شاباً أنيقاً يرتدي زياً رسمياً؟ أو سيدة تحمل طفلاً على كتفها وتبكي؟

القاهرة الأكثر جذباً للتسول تليها الاسكندرية والجيزة

رصد قسم الجريمة في المركزي القومي للبحوث، إحصائيات التسول في المحافظات، فاحتلت محافظات الوجه البحري الصدارة في أعداد المتسولين، وتربعت القاهرة على قائمتها. فيتركز بها العدد الأكبر من حالات التسول، إذ بلغ عدد المتسولين فيها 41 آلفاً و400. تأتي بعد ذلك بفارق كبير، محافظة الإسكندرية، بـ9 آلاف متسول، ثم الجيزة بـ7 آلاف و600، والغربية بـ5 آلاف و800، والدقهلية 3000.

أقوال جاهزة

شارك غردمهنة التسول المعاصرة هي أن تكون ممثلاً ماهراً كل يوم في شارع جديد

شارك غردمئات ملايين الدولارات تذهب سنوياً لجماعات يتقنون فن التسول، قكيف لا تصبح إذاً مهنة قائمة بذاتها؟

ينتشر المتسولون في كل وسائل المواصلات، حتى تلك التي تكون تحت حراسة رجال الأمن. يقول اللواء محمد يوسف مساعد وزير الداخلية لشرطة النقل والمواصلات: "نواجه أشكالاً من التسول لا حصر لها، ومعظمها غير أهل للمساعدة".

جاء تصريحه بعدما اكتشفت الخدمات الأمنية في محطة مترو جمال عبد الناصر وجود متسول (38 سنة) برصيف المرج، يسير بـ"عكازين" ويربط رباطاً طبياً حول قدمه اليسرى، يستجدي المارة، وتبين أن بحوزته أكثر من 1000 جنيه (57 دولاراً) حصيلة يوم واحد فقط.

وقد تمكن من خلال علاقاته ببعض الممرضين في المستشفيات، إقناعهم بتحرير الأوراق الطبية التي تفيد مرضه واحتياجه للأدوية، وتساعده أدواته في جمع أكثر من 21 ألف جنيه (1200 دولار) شهرياً.

المتاجرة بالموت

أحمد منير، شاب ينتقل بالمواصلات العامة يومياً، يروي كيف يصادف كل فترة شابين يركبان الأوتوبيس، يرتديان ملابس تنم عن حالتهما الميسورة، ويستجديان من الركاب بكل جدية وأسف، المساعدة المادية لتكفين سيدة مسنة توفيت بعد عملية جراحية بالقصر العيني. بالطبع يتأثر معظم الركاب ويساهمون بأرقام لا تقل فئتها عن 10 جنيهات.

كيفية انتقاء البقعة المثالية

يُلاحظ أن المتسولين يفضلون الأماكن الأكثر ازدحاماً، التي تكثر فيها حركتا البيع والشراء. فتراهم في كبرى شوارع وسط البلد، وأمام المقاهي والمولات التجارية، والسينمات والفنادق الكبرى، وعند مواقف المواصلات العامة والقطارات، وقرب الأماكن ذات الطابع الديني، وحول الكورنيش، حيث يتفننون في التضييق على الأزواج والمخطوبين.

تجد البعض منهم ممسكاً بورود ذابلة ليستحلفك بكل ما هو غالٍ لديك، أن تشتري منه الوردة لحبيبتك، والتي يمكن أن يصل ثمنها إلى 15 جنيهاً (دولار واحد). وقد تجد أطفالاً يصرون على التمسك بطرف فستان أو تنورة امرأة كي لا ترحل إن لم تعطهم ما يريدون.

وقد تطور الأمر حتى أخذ شكلاً أكثر جرأة وإقداماً، في غياب رجال الأمن. تقول هالة عمر إنه بات طبيعياً سماع صوت امرأة تتحدث بمكبر صوت فى تاكسي، تجوب به شوارع ضاحية مصر الجديدة، لتعالج طفلها من مرض السرطان، وتدعي أن المستشفى رفض قبوله.

لم تنجُ براءة الأطفال من التسليع والاستغلال في هذه الأعمال، فكثيراً ما تجد طفلاً لا يتعدى عمره 13 عاماً، يجثو على ركبتيه جانب إحدى محطات المترو، وأمامه طبق من البيض المكسور، يبكي خائفاً مما سيحدث له من "المعلم" بعدما أوقع البيض كله، ليستجدي من المارة المال لشراء طبق آخر. والطفلة التي تقف خلف زجاج أحد المطاعم تنتظر إحدى الأسر أن تخرج مع طفلها، تعدو خلفهم باكية تطلب نقوداً لتأكل. وغيرهم الكثير من الأطفال.

يقترح الدكتور سامي العوضي، الأستاذ بجامعة الأزهر، المسؤول عن لجنة الزكاة بطحانوب، أنه يجب إجراء مسح شامل لكل منطقة، وحصر عدد وأسماء الفقراء والمحتاجين، وإلحاقهم بفرع الجمعية التابعة له المنطقة، بما يجعل جميع الفقراء المستحقين تحت طائلة الانتفاع. ووضع قاعدة بيانات عامة على مستوى الجمهورية، يتم تحديثها كل عام أو عامين، يدرج فيها اسم مستحق الصدقة والجهة التي يصرف من خلالها، ورقم كودي موحد. هكذا يسهل تجريم المتسولين والمحتاجين، الذين يثبت تحايلهم، بعقوبات رادعة.

تجربة مؤسسة الوليد في مكافحة التسول بالسعودية

في سنة واحدة فقط، حصل المتسولون المقبوض عليهم داخل السعودية على 700 مليون ريال (نحو 187 مليون دولار)، ما دفع مؤسسة الوليد للإنسانية، إلى إطلاق حملة لمكافحة التسول بهدف توعية المجتمع، وإيصال المتسولين إلى الجمعيات الخيرية، من خلال عرض حِيَلهم المستخدمة لابتزاز الناس.

Inside_Beggars_Ikhlasul-Amal Flickr

تبيّن أيضاً أن حالات التسول ترتفع في شهر رمضان لتتجاوز الـ50% مقارنة بالأشهر الأخرى، كما أوضحت دراسة سابقة أن مال التسول عادةً ما يستخدم في تعاطي المخدرات والإدمان.

ومن الأسباب الرئيسية في انتشار التسول هو البطالة والظروف العائلية، وتعاطف أفراد المجتمع مع حالة المتسولين. لذا هدفت المؤسسة لجمع التبرعات لخدمة المرضى المحتاجين، وتطوير مراكز الرعاية الصحية المنزلية في المملكة. كما عرضت المؤسسة تجربة حية عن حقيقة المتسولين وحِيَلهم من خلال محاكاة لمختلف شخصيات المتسولين وأساليب الخداع، من خلال الاستعانة بالأطفال، أو تقمص الرجال مظهر النساء، وتقمص دور ذوي الاحتياجات الخاصة.

وأخيراً يعرض الجهاز أسماء الجمعيات الخيرية الموثوق بها ليتبرع المواطن لها بالطريقة السليمة.

التعليقات

المقال التالي