راقصات مراكب الرحلات النيلية... ترفيه الفقراء على حساب المُعدمين

راقصات مراكب الرحلات النيلية... ترفيه الفقراء على حساب المُعدمين

فتيات صديقات تراوح أعمارهن بين العشرين والثلاثين عاماً، وشباب في المرحلة العمرية نفسها، وقليل من الأسر، وبعض العشاق اجتمعوا نحو ربع ساعة في رحلة على مركب شراعي في نيل القاهرة عند المغيب.

على نغمات أغاني المهرجانات الشعبية تتمايل الأغلبية فيما الباقون جالسون: الفتيات المحجبات انخرطن في الرقص، غير مكترثات لمضايقات الشباب وتعليقاتهم.

تجلس أسرة مكونة من زوج وزوجة وطفلهما الرضيع على مقاعد المركب، لا يزعجهم الصخب لكنهم لا يرقصون، ويكتفون بالمشاهدة مبتسمين.

تظهر راقصة محترفة ترتدي عباءة سوداء مطرزة، لتحيي المشوار كجزء من البرنامج الترفيهي الذي تشمله الرحلة.

تعلو أصوات الشباب مهللين بوصولها، مصفقين ومطلقين عبارات التغزل بها، والتشجيع حتى يصل المركب إلى الشط وينتهي المشوار. ينزل الركاب، وتبقى الراقصة وسائق المركب بانتظار فوج آخر من الزبائن.

وسط الغلاء الذي فرض سطوته على مصر، وعدم قدرة الكثيرين على توفير الاحتياجات الأساسية من طعام ومسكن وعلاج وتعليم وملبس، تُدهس رغبة سكان القاهرة في الترويح عن النفس، إذ لا مجال للترفيه ولبعض اللهو، إلا مقابل جنيهات قليلة جداً. وهو ما توفره رحلة المراكب النيلية في العاصمة المصرية مقابل 10 جنيهات (ما يعادل نصف دولار). وهذا مبلغ يستطيع الكثير من الطبقات الوسطى والفقيرة دفعه.

لكن الفقر في مصر طبقات. فهناك من تجاوزهم بمراحل، وباتوا مُعدمين لا يملكون شيئاً. وهم الطبقة الكادحة التي يقبع معظم أفرادها تحت خط الفقر. إلى هذه الطبقة تنتمي راقصات المراكب.

هن "فتيات الشارع" المعدمات، يستأجرهن أصحاب المراكب لتسلية الزبائن.

راقصات بالأجرة

تسكن ميادة، وهذا ليس اسمها الحقيقي، في الشارع، وتعمل راقصة على أحد هذه المراكب. هي سمراء البشرة، في منتصف العشرين من عمرها، تطلّ بوجهها ذي الكثير من الندوب التي تسببت بها سكاكين رجال أرادوا تأديبها خلال السنوات التي قضتها في الشارع، بحسب قولها.

تقول لرصيف22: "إحنا بنرقص على المراكب النيلية دي، بيبدأ شغلنا معاهم من الساعة 8 أو 9 بالليل لغاية 3 أو 4 الفجر".

عملها مع زميلاتها في المراكب يقتصر أحياناً على الرحلات الليلية المتأخرة أو على الرحلات الخاصة. وأحياناً أخرى تعمل في رحلات العائلات لإضفاء جو من البهجة على النزهة.

التقى رصيف22 ميادة في مبنى جمعية نور الحياة لرعاية أطفال الشوارع، والتي تقدم للمتشردات بالقاهرة نزلاً مؤقتاً خلال النهار وتقع في شارع الوحدة في منطقة إمبابة.

تقول ميادة إنها تقضي يومها في المركز كلما أرادت أن تشعر بقليل من الدفء. ورغم صعوبة حياة الشارع التي اختارتها، فإن المركز أفضل من منزل خالتها.

بالنسبة لها، ليس الرقص على المراكب النيلية أقسى مما تتعرض له الفتيات في الشارع، تقول: "دي لقمة عيش حنيّنه، جاية من غير بهدلة وقلة قيمة".

أقوال جاهزة

شارك غردالرقص على مراكب الرحلات النيلية لكسب العيش... "دي لقمة عيش حنيّنه، جاية من غير بهدلة وقلة قيمة"

فتيات الشارع

تعترف ميادة أنها خرجت من بيتها للشارع بعدما توفي والدها. فقد تزوجت أمها وسافرت مع زوجها خارج مصر، وتركت ابنتها في منزل شقيقتها.

وهو ما لم تسطع الإبنة تحمله بسبب مضايقات زوج الخالة. فقررت، بحسب قولها، أن تخرج إلى الطريق وتحيا وهي في الرابعة عشرة مع "فتيات الشارع"، اللواتي تركن بيوتهن بسبب حوادث العنف اﻷسري من ضرب واعتداء لفظي أو فعلي، وأخريات بسبب الفقر وحالات التفكك اﻷسري.

يتجمعن أسفل الجسور الضخمة، في العاصمة، وفي اﻷماكن المهجورة التي يخشى الكثيرون الاقتراب منها. وينطلقن في الشارع محاولات بيع أكياس المناديل الورقية أو التسول، ثم يعدن ليبتن في محطات المترو والحدائق العامة فرادى أو في المناطق أو المباني المهجورة إذا كن ضمن مجموعة.

لا يوجد إحصاء رسمي لعددهن لأنهن غير مثبتات لدى جهة ما، لكن عددهن في زيادة مستمرة بسبب حالات حمل السفاح وخروج فتيات جديدات للشارع يومياً، بحسب أحد إداريي جمعية نور الحياة لرعاية أطفال الشوارع بالقاهرة، والذي فضل عدم ذكر اسمه.

كثيراً ما يتعرضن ﻷسوأ استغلال ممكن، بدءاً من التسول وجمع التبرعات وصولاً إلى خطفهن وحجزهن فترات طويلة بغرض التناوب على اغتصابهن، وهو ما أكدته ثلاث فتيات قابلهن رصيف22.

الرقص على المركب

اختار أصحاب المراكب النيلية أن يكون لهم مرسى "مرتجل" على كورنيش النيل بالقاهرة. وقد وضعوا معابر خشبية تمكّن الركاب من تجاوز السور الحديدي الذي أقامته الدولة على ضفتي النهر، والصعود مباشرة إلى المركب.

تتوجه الكثير من فتيات الشارع إلى منطقة كورنيش النيل، وسط القاهرة، حيث الفنادق الفخمة، و"المراسي المرتجلة". وهناك يحاولن بيع المناديل الورقية وأحياناً الورود، وإذا توفر لهن القليل من رأس المال، يسعين إلى بيع زجاجات المياه الغازية.

هناك، يقابلن أصحاب المراكب ويتفقن معهم على الأجر المطلوب. لا يتطلب العمل الكثير من المواصفات، يكفي أن توافق الصبية على الأجر، وأن تعرف كيف تتمايل على وقع الألحان التي تصدح من سماعات المراكب.

كان أجر ميادة حينما بدأت الرقص منذ عشرة أعوام نحو عشرين جنيهاً، أي ما يساوي 3 دولارات، بحسب سعر الصرف حينها.

اليوم، هي سعيدة بمضاعفة أجرها ليصل إلى 60 جنيهاً. كل شيء، برأيها، زاد، وليس فقط أجرها، فحتى تكلفة رحلة المركب، التي كانت 3 جنيهات، تضاعفت. لكن في الحقيقة، أجر ميادة لم يرتفع فعلياً سوى دولار واحد، بعد الهبوط الحاد الذي تعرض له الجنيه المصري.

غابة الشارع

"أول ما نزلت الشارع من 15 سنة كانت الحياة فيه صعبة أوي، دلوقتي بقى غابة"، هكذا تصف نسرين، وهو اسم مستعار، حياتها التي تتغير يومياً بسبب موجات الغلاء التي تدفع بعض الفقراء إلى الشارع وتزيد الناس عنفاً، برأيها.

التقاها رصيف22 في جمعية نور الحياة. هي في آخر عقدها الثاني، بيضاء البشرة، ترتدي عباءة ملونة وتضع على رأسها غطاءً، ويظهر على النصف الأيسر من وجهها أثر لحرق من حادث قديم.

تقول نسرين إنه أصبح من المستحيل الحفاظ على نفسها يوماً كاملاً من دون أن تتعرض لحادثة ضرب أو اغتصاب أو تحرش. وهو ما تؤكده إحدى العاملات في المركز، لأنها تستمع دوماً لقصص الفتيات.

"الرقص على المراكب النيلية من أهون الحاجات اللي ممكن تحصل لنا، بنطلع نرقص كام ساعة وناخد قرشين ونمشي"، تقول نسرين.

فهذا العمل، برأيها، من أكثر الأعمال التي تتيح لها كسب رزقها مع الحفاظ على كرامتها وجسدها. فهي وزميلاتها يرقصن بعباءات سوداء من دون أن يسمحن لأحد بتجاوز الحدود معهن. لا يخلو عملهن من سماع تعليقات ومعاكسات من بعض الركاب، لكن هذا، بحسب قولها، أمر مقدور عليه.

وتختم "عندما تعيش في الشارع وتتعرض لحوادث التحرش والاغتصاب، يكون من الجنون أن تتضايق من التعليقات الكلامية. نحاول وقف المتحرش عند حدّه وكفى".

 

صحافية وكاتبة مصرية

كلمات مفتاحية
الرقص مصر

التعليقات

المقال التالي