سعوديون بُترت أطرافهم... لماذا يزداد عددهم كل عام؟

سعوديون بُترت أطرافهم... لماذا يزداد عددهم كل عام؟

جرح صغير في باطن قدم محمد الرشيدي(47عاماً) غيّر حياته. كان قد تعايش مع داء السكري عشر سنوات، وظن أنه قد تصالح مع المرض، حتى أُصيب بالغرغرينا السامة.

أهمل الجرح ولم يتابع إرشادات الطبيب المختص، فانتهى به الحال بعد تسعة أشهر من المعاناة بقدم واحدة.

"لم يدر بخلدي أن الأمر خطير لهذا الدرجة"، يقول الرشيدي الذي لم يكن يتوقع أن جرجاً صغيراً لا يتجاوز السنتمترين سيتسبب له بالكثير من المعاناة.

ويضيف لرصيف22: "الأمر لم يتوقف عند إصابتي بالغرغرينا وبتر قدمي من مفصل الركبة، بل بات يهدد حياتي بشكل جدي، إذا وصل تسمم الجرح للدم".

هو حزين لم آلت إليه صحته، لكنه يأمل أن يتجنب مصير عبدالحميد المجيدي.

تعرض المجيدي لغرغرينا في القدم، كواحدة من مضاعفات مرض السكري الذي عانى منه نحو 13 عاماً. ومع أنه تعرض لعمليتي بتر، الأولى لأصابع القدم والثانية للمشط، بقيت الغرغرينا تلاحقه، حتى تسببت له بتسمم الدم.

وفي نهاية المطاف، كان بحاجة لعملية بتر أكبر، ولكن تأخره في الخضوع، بسبب تأخر مشفى المجمعة وسط السعودية في تحويله لمشفى متخصص في الرياض جعل السم يسري في دمائه، حتى وافته المنية قبل عامين وهو لم يتجاوز الأربعين عاماً، مُخلفاً طفلة صغيرة في السادسة من عمرها وزوجة تصغره بسبع سنوات.

4980 حالة بتر

الرشيدي والمجيدي مجرد إثنين من آلاف السعوديين الذين فقدوا أطرافهم خلال العقد الأخير. فقد بلغ عدد عمليات بتر الأطراف في المملكة 4980 حالة عام 2013، بحسب بيانات لوزارة الصحة، أجري معظمها لشباب بين عمر الـ21 والـ30.

وقد أجرت المستشفيات التابعة لوزارة الصحة، 2638 عملية بتر، في إحصائية نشرتها وزارة الصحة عام 2013 حصل رصيف22 على نسخة منها، ولم تشمل الأرقام عمليات المستشفيات العسكرية أو التابعة للجامعات.

وقد ثار الرأي العام السعودي الشهر الماضي بعدما بتر طبيب تجميل في الرياض يدي فتاة وقدمها، كانت دخلت لتجري عملية شفط دهون من البطن، فخرجت فاقدة بعض أطرافها بسبب خطأ طبي.

تسببت، بحسب الاحصائية، غرغرينا السكري بـ41.2% من حالات البتر، فيما كانت التشوهات الخلقية والسرطان وحوادث الحريق سبباً في 27.3% من الحالات، وأدت الحوادث المرورية لحدوث 31.8% منها.

وفي عام 2015، نشر موقع العربية تصريحاً لرئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية لجراحة الأوعية الدموية، مفاده أن 60% من عمليات بتر الأطراف في المملكة سببها غرغرينا السكري.

أي أنها، بحسب العربية، تؤدي إلى 11 عملية بتر يومياً، أو حوالي 4000 كل عام.

أقوال جاهزة

شارك غردهل من الممكن تفادي يعض حالات بتر الأطراف التي يسببها مرض السكري في السعودية؟

السعوديون والسكري والسمنة

يؤكد الدكتور ماجد الخيبري، طبيب الغدد في مستشفى الملك خالد في الرياض، أن مرضى السكري هم الأكثر عرضة لعمليات البتر قائلاً لرصيف22: "يتعرض مريض السكري لخطر البتر بمعدل 15 إلى 25 مرة أكثر من الشخص العادي نتيجة لمضاعفات الغرغرينا".

وتأتي السعودية في مقدمة دول العالم التي ينتشر فيها مرض السكري، بحسب تقرير نشرته صحيفة الإيكونومست، تليها الكويت وقطر. حيث يعاني حالياً 25% من السكان منه، فيما يتوقع أن يرتفع العدد ليصل إلى 50% مع حلول 2030، بحسب الاتحاد الدولي للسكري.

كما تأتي السعودية في المركز الخامس عالمياً والثالث خليجياً في السمنة، التي تُربط بداء السكري، إذ يعاني 36% من المواطنين من زيادة الوزن، وغالبيتهم من النساء.

البتر شائع جداً

يرى الدكتور محمد الزهراني، استشاري جراحة الأوعية الدموية في جدة، أن ثمة علاقة طردية بين مضاعفات مرض السكري، بما فيها بتر الأطراف، وبين المدة التي عاشها المريض مع السكري، خاصة عندما لا يتابع المريض مرضه بشكل جيد.

ويقول الزهراني لرصيف22 :"كلما زادت مدة الإصابة بالمرض، زادت خطورة الإصابة بتصلب الشرايين، والغرغرينا. علماً أن نسبة الإصابة بالغرغرينا هي أكثر بـ60% عند الذين تجاوزت مدة إصابتهم بالسكري عشرين عاماً".

لكن الإصابة بالسكري لا تعني دائماً حتمية بتر أحد الأطراف في مرحلة ما. فكثرٌ حول العالم يقضون عقوداً من حياتهم مصابين بالمرض ويموتون دون الحاجة للبتر أو الإصابة بالغرغرينا.

هناك عوامل مختلفة، أهمها الإهمال والجهل، توصل بالمريض إلى البتر.

ويرى الدكتور ماجد الجبي، استشاري التأهيل والعلاج الطبيعي بمستشفى قوى الأمن، والذي يعمل على بحث عن علاقة السكري ببتر الأطراف، أن شيوعه سببه الجهل الكبير بمخاطر الإصابات المتعلقة بالسكري من قبل المرضى، والأطباء أحياناً.

ويضيف قائلاً: "عدم تنظيف الجرح باستمرار، يتسببان بزيادة المخاطر ويحولان الجرح لغرغرينا قاتلة، إذ تسمم الدم، فتقضي على أنسجة العضلات والأعصاب، وعندها لا بد من البتر، كي لا ينتشر التسمم أكثر فأكثر".

وقد تسبب الإهمال بمضاعفة أكثر من 80% من الحالات التي بدأت بقرح بسيط أو جرح صغير في القدم، بحسب الخيبري.

المُقلق، برأي الجبي، هو أن عدداً لا يُستهان به من حالات البتر، كان يمكن علاجه، ولكن تقاعس بعض الأطباء في إجراء الفحوص اللازمة وجهل بعضهم بتقنيات القسطرة، أوصلا المريض لآخر الطريق.

فربما بقيت قدم الرشيدي سالمة لو أنه اعتنى بعض الشيء بالجرح الصغير الذي غيّر حياته. وربما كذلك بقي المجيدي على قيد الحياة لو أنه تلقى العلاج الصحيح في الوقت المناسب.

آلام ما بعد البتر

المعاناة التي يعيشها المرضى لا تتمثل في ألم البتر فقط، بل تشمل أيضاً فترة التأهيل التي تلي العملية.

وهي مرحلة مُجهدة ومُكلفة، حتى يتم التعود على استخدام الأطراف الصناعية إن وجدت، بالإضافة للعلاج النفسي الذي يحتاجه المريض.

"تحتاج عملية التأهيل من ستة أشهر إلى عام، بحسب تجاوب المريض، وهي عملية مكلفة ومتعبة، عدا ألم البتر ذاته"، يقول لرصيف22 محمد الماجد، الاختصاصي في العلاج الطبيعي والتأهيل.

وقد تكلف هذه الأطراف أكثر من 30 ألف دولار في المتوسط، خاصة تلك التي يتم استيرادها من الخارج.

بدأ الرشيدي قبل أشهر هذه الرحلة المؤلمة. يخوض معارك يومية ليتعايش مع وضعه الحالي بعد فقدان رجله. يتذكر دائماً ذاك الجرح الصغير، ويبقي عينه على باقي أطرافه، خشية أن يجد فيها جروحاً جديدة.

خالد الشايع

محرر وصحافي سعودي.

التعليقات

المقال التالي