حين تبطش المرأة ببنات جنسها: نساء داعش المعنِفات والقاهرات والذابحات

حين تبطش المرأة ببنات جنسها: نساء داعش المعنِفات والقاهرات والذابحات

امرأة تتكحل بعبوديتها، امرأة تعتبر قيودها أساور ذهب تخشخش في معصميها، امرأة تنتظر في الطابور أمام غرفة شهريار حتى يحين دورها. هي المرأة التي تساءل الشاعر السوري نزار قباني عن السبيل إلى تحريرها، وهي المرأة التي تجسد صورتها أكثر من غيرها اليوم تلك المرأة المنتسبة إلى داعش، وفق امتيازات معينة.

عند ذكر النساء تحت حكم داعش تحضر تلك الصورة عن فتيات مسبيات، مُعنَفات، مُغتَصبات ومذبوحات. لكن في داعش، حيث حضور المرأة يعد أكثر قوة مقارنة بغيره من التنظيمات المتطرفة سابقاً وحالياً، ثمة امرأة أخرى هي تلك المُعنِفة القاهِرة الذابِحة.

تتدجج هذه المرأة بالسواد التام، تمتشق الرشاش الحربي، تمتطي مع زميلاتها من "نساء الحسبة" في "كتيبة الخنساء" (الهيئة النسائية لضمان تطبيق الشريعة) أحدث أنواع السيارات، ويتجولن بحثاً عن "فريسة" قد خالفت أصول اللباس أو التصرف فينقضضن عليها، وينكلن بها بـ"أسلوب نسائي خلاق" فيه الكثير من العضّ حتى اقتلاع اللحم.

في ما سبق، ثمة نقطتين أساستين تبرزهما "نساء الحسبة"، الأولى تتعلق بمحاولة النساء تحقيق مكاسب قوة في بيئة عنيفة ودموية، فيعمدن إلى التماهي مع المعنِّف الأساسي (الرجل) وتأكيد التفوق عبر قمع غيرهن من النساء.

أما النقطة الثانية فترتبط عضوياً بالأولى وفيها، عشية يوم المرأة العالمي (8 آذار)، عودة إلى تلك المعضلة القديمة التي تُطرح دورياً وتتناول مسألة عداء المرأة للمرأة، ومحركات هذا العداء وإلى أي حد قد يفوق أذاه بطش القمع الذكوري.

"كتيبة الخنساء" وفظائع النساء

في العام 2014، أبصرت "كتيبة الخنساء" النور بعد حدوث عمليات اغتيال عدة نفذها عناصر من الجيش السوري الحر متنكرين بأزياء نسائية من نقاب ودرع (قطعة سوداء تمتد من أعلى الرأس إلى منتصف القدمين)، ومتسلحين بمنع داعش سابقاً عناصره من التكلم مع النساء.

هكذا تولت نساء مهمة مراقبة النساء، وضمان التزامهن الرداء الشرعي المفروض، وجرى تزويدهن بالسلاح والكلبشات والقبضات اللاسلكية. في البداية، كان معظمهن من المهاجرات اللواتي لا يتقن العربية، ثم فتح المجال لاحقاً أمام العربيات بعد الخضوع لتدريب لياقة بدنية ومهارات قتالية. وقد جاوز عددهن الألف، وهن في تزايد مستمر.

بحسب تقرير لصفحة "الرقة تذبح بصمت"، تحظى نساء الحسبة بالكثير من الامتيازات ومنها قيادة السيارة المحظورة على غيرهن من النساء، والتجول بحرية دون محرم، وتقاضي راتب شهري يتراوح بين 700 و1500 دولار.

تتولى النساء مراقبة النساء في الشارع، والحرص على خروجهن برفقة محرم، والتزامهن الغطاء الكامل، ثم تتوسع مهامهن لتطال تأمين زوجات لمقاتلي التنظيم واستقطاب فتيات أجنبيات وإغراءهن للانضمام إلى صفوف داعش، فضلاً عن إدارة سجون النساء والسبايا، والعمل كمخبرات في المجتمع المحلي ورفع تقارير سرية.

أقوال جاهزة

شارك غردتتدجج هذه المرأة بالسواد التام، تمتشق الرشاش الحربي، تمتطي أحدث أنواع السيارات، وتتجول بحثاً عن "فريسة"

شارك غردالمرأة في تنظيم داعش ليست مجرد ضحية مسبية بل قاهرة وذابحة تفوق الرجال... كما في "كتيبة الخنساء"

الخنساء هو لقب شاعرة الرثاء الأشهر "تماضر بنت عمرو بن الحارث السلمية"، والتي عاشت في أيام الجاهلية ثم دخلت الإسلام حين وصلها وقيل إن ما من امرأة قبلها أو بعدها أشعر منها، بعدما غلبت رجال عصرها في ذلك.

أما "كتيبة الخنساء" التي حملت اسمها فقد عمدت منذ تأسيسها إلى بث الرعب في صفوف النساء والرجال على السواء.

ناجيات من بطش "الخنساء"

في تحقيق حديث للكاتب صامويل فوري في جريدة "لوفيغارو" الفرنسية، تحكي ليلى خالد قصتها مع "نساء الحسبة". استيقظت ليلى في الصباح وهي تشعر أنها ليست على ما يرام، فقررت الذهاب إلى عيادة في حي التحرير في الموصل. أخذت وقتاً طويلاً في ارتداء ثيابها كي لا تنسى أي تفصيل من التفاصيل الشرعية الصارمة، وإلا كان العض وأمور أخرى في انتظارها.

من الحجاب إلى النقاب والدرع والكفوف والجوارب، ارتدت ليلى المطلوب بحسب المنشورات المعلنة في كل مكان وعلى وسائل الإعلام. استدعت زوجها وليد (المحرم) كي تتمكن من الخروج، وبدآ الرحلة، هو يتقدمها وهي تتبعه. فجأة انزلقت أرضاً فاستدار زوجها ليرى ما جرى، وهي كشفت عن وجهها بشكل عفوي لتعاين رجلها التي تضررت جراء السقطة... هنا حلت الكارثة. سارعت "نساء الحسبة" لتعاقبن تلك التي تجرأت على كشف وجهها.

سُقن ليلى وسط توسلات وليد، وعرضه بأن يدفع لهن، وفي أحد الأماكن المنزوية عضتها إحداهن بملء أسنانها حتى سال الدم منها. لم ينته الأمر هنا، اضطر وليد إلى زيارة مقر الحسبة الواقع في إحدى كنائس الموصل القديمة، هناك دفع غرامة من 50 ألف دينار (حوالي 50 دولاراً)، وأكد على أن زوجته نالت حصتها من العض.

سلاح شرطة داعش النسائية المرعب: العضاضة، قطعة حديد تشبه فخ الصيد، وتستخدم للضغط على صدور النساء بقوة

ليلى ليست الوحيدة في ذلك. نُشرت شهادات عديدة عن عنف النساء، وعن عشرات الجلدات التي تخضع لها نساء أخريات يعتقلن بسبب ضيق عباءاتهن أو احتواء هواتفهن على أمور "غير لائقة" أو بسبب وضع الماكياج تحت النقاب أو رفع الصوت في مكان عام.

تؤمن "الحسبة" مورداً مالياً مقبولاً لداعش، من الغرامات الباهظة التي تُفرض على ذوي المرأة المخالفة كما من إلزام النساء شراء عباءات وحجابات مطابقة للشريعة من الحسبة نفسها، وشراء بدلات إخلاء السبيل في حال تم سجنهن.

تروي بعض الناجيات أن العديد من نساء الحسبة العربيات هن من النساء سيئات السمعة في مجتمعاتهن سابقاً، لكن مع فرض داعش سيطرتها تطرفن في القسوة والتبعية للتنظيم من أجل كسب ود عناصره وحماية أنفسهن.

وفي الحديث عن القسوة، لا يمكن تجاهل السلاح المرعب التي تصف النساء ألمه بأنه أقوى من ألم المخاض: العضاضة. والعضاضة هي قطعة الحديد ذات الأسنان المدببة التي تشبه فخ الصيد، وأبرز استخداماتها كان الضغط بها على صدور النساء بقوة كبيرة، حتى إفقاد المرأة وعيها.

التآخي مع الجلاد

في الشهادة المهمة التي وثقتها قبل عامين صحيفة نيويورك تايمز عن لسان ثلاث نساء كن منتسبات إلى "كتيبة الخنساء" وقررن الهرب لاحقاً، تقول إحداهن "بالنسبة لي، كان الأمر يتعلق بالسلطة والمال، وخاصة السلطة. وبما أن أقاربي انضموا مسبقاً، فإن انضمامي لم يكن ليغير الكثير. أصبح لدي المزيد من السلطة فقط".

هؤلاء نساء تحدثن عن تحول حيواتهن الطبيعية سابقاً إلى محاولة تماهي مع الوضع الحالي، وصولاً إلى إمعانهن في تعذيب رفيقات وصديقات طفولة كنا يسمعن وإياهن الموسيقى ويشاهدن الأفلام ويمارسن السباحة بالبيكيني وغيرها من نشاطات بتن يعاقبن الأخريات بشدة عليها.

كان تنظيم الدولة الإسلامية من أولى التنظيمات التي خصصت مساحة واسعة لتلعب المرأة دورها فيه، فهو قدم نفسه على شكل دولة كاملة لا يمكن إنكار مجهود المرأة فيها، وإن كان وفق مزاج الرجل.

بحسب الباحثة السويسرية في علوم النساء جيرالدين كازوت Geraldine casutt، تلعب المرأة دورها الأولي في خلق أجيال جهادية مقاتلة. ثم تأتي نزعة المرأة لحماية نفسها عبر التآخي مع من يقمعها، ثم التماهي معه والانتقام لهذا القمع ممن هو أضعف منها حصراً (النساء الأخريات)، وبالتالي اكتساب مكانة أخلاقية/ سلطوية بالتفوق عليهن.

وكان تشكيل "كتيبة الخنساء" نقطة مفصلية في هذا الاتجاه. ففي "دولة" تقمع المرأة كان ذلك متنفساً شبه وحيد أمام نساء يبحث عن نوع من السلطة على نساء أخريات، وتقديم الطاعة للرجل سواء كان زوجاً أو شقيقاً أو أباً، بينما عززت بروباغندا داعش الجانب الحميمي للنساء داخل التنظيم في ما يشبه أجواء ألف ليلة وليلة.

ومتلازمة استوكهولم أيضاً

في العام 1973، دخل عدد من الأشخاص إلى مصرف في استوكهولم السويدية للسطو عليه، وقد أخذوا عدداً من الرهائن لضمان سلامتهم بعدما طوقت الشرطة المكان. بعد 6 أيام، وأثناء اقتحام المكان، وقف المختطفون للدفاع عن الخاطفين، وحتى بعد تحريرهم قامت المحتجزات، الإناث تحديداً، وكن ثلاثة، بجمع التبرعات للدفاع عن الخاطفين أمام القضاء.

هنا بدأ الكلام عن عقدة استوكهولم باعتبارها اضطراباً نفسياً يولد لدى المخطوف مشاعر تعاطف وود مع الخاطف. يفسر علم النفس أن الخوف الشديد الذي يصيب الإنسان خلال فترات القمع توحي له بأنه مشرف على الموت، فتتولد داخله مشاعر عجز وهمية تعيده إلى مرحلة الطفولة.

يصبح المخطوف عاجزاً عن القيام بأي فعل دون إذن الخاطف، ويسعى إلى تملقه حفاظاً على حياته، وتزيد الأمور سوءاً حين يقدم الخاطف نفسه كمن يساعد المخطوف، فتبدأ مشاعر الامتنان واعتبار الخاطف أنه مخلص سيمنحه فرصة للعيش.

يظهر في ما يخرج من أخبار كتيبة النساء تلك الكثير من المفاصل المشتركة مع هذه المتلازمة، ما يقودنا إلى أن هؤلاء ضحايا أيضاً. وفي حالات الضعف، ثمة ميل كبير للتخلص من كل المنظومة الأخلاقية السائدة في الأيام العادية، وبالتالي يصبح الضعيف أكثر عنفاً، لكن على الأضعف منه حصراً.

في اليوم العالمي للمرأة، تبدو الحاجة ماسة إلى مقاربة مفهوم الضحية من منظار أوسع، فالضحية غير التقليدية، وغير المنصَفة في الأبحاث والدراسات، قد تكون الأشد مظلومية... كما الأشد خطراً على بنات جنسها.


 

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
المرأة داعش

التعليقات

المقال التالي