الوجه الآخر لممثلة الإغراء بريجيت باردو... وجه حاقد

الوجه الآخر لممثلة الإغراء بريجيت باردو... وجه حاقد

لا تُفوّت المرشحة الفرنسية مارين لوبان فرصة لتؤكد على رفضها القطعي ارتداء الحجاب في الأماكن العامة في فرنسا. في آخر ما قالته السياسية اليمينية "فرنسا ليست البوركيني على الشواطئ. فرنسا هي بريجيت باردو".

في مقارنة لوبان بين الحجاب وباردو، تستعين زعيمة الجبهة الوطنية بالممثلة الفرنسية الأشهر في فترة الخمسينات والستينيات للتأكيد على وجه فرنسا المتحرر والساحر في آن، وجه فائق الجمال نجحت باردو دون غيرها في تكريسه.

وإن كانت "ب ب" قد تحولت إلى إلهة للجمال، فهي كذلك أيقونة اليمين المتطرفة، كارهة المسلمين والمهاجرين، والمحكوم عليها أكثر من خمس مرات بتهمة التحريض على العنف العنصري.

لم تكن باردو فحسب تلك النجمة السينمائية الأشهر التي حلقت بالسينما الفرنسية إلى العالمية، بل تحولت إلى جزء لا يتجزأ من تاريخ فرنسا.

وفي المسار الذي عبرته حياتها ما يتقاطع مع مسار البلاد بأكملها. من ترعرعها في عائلة أرستقراطية إلى قرارها بالتمرد عليها، ثم حياة التحرر التي جعلتها رمزاً يحرك تاريخ النساء، ثم الاعتزال في أوج الحضور الجمالي والسينمائي وصولاً إلى تبني مبادئ اليمين المتطرف، والانغماس في قضايا الرفق بالحيوان الاستنسابية وطرد "الغرباء" الذين يهددون فرنسا.

وجه فينوس

في أول ظهور لها على غلاف مجلة ELLE، كان عمر بريجيت 16 عاماً. تصف مؤرخة الموضة الفرنسية نيكول باروت تلك اللحظة بالمفصلية. كان لباردو شعر كستنائي قصير ونظرة راقصة ساحرة، نجحت في التعبير للمرة الأولى عن صورة لم تكن موجودة في المجمع وهي هوية المراهقين. كانت تلك البداية قبل وصولها إلى الحالة الفينوسية.

ob_6182f6_2-elle-232-8-mai-1950-brigitte-b
في مذكرات زوجها المخرج روجيه فاديم ما هو أبعد من ذلك في وصفها. يقول "منذ أن رسم بوتيتشيللي وجه فينوس، لم ير العالم ولادة إلهة للحب سوى في مايو العام 1953 عندما شاهد حورية تخرج من البحر"، مضيفاً "كل ما حمله ذلك الوجه كان يؤكد على أنه خلق للضحك والملذات، بفم بريء لكن شهواني، ووجه رائع... بعنق بجعة وصدر عار وخصر نحيل يمكن للرجل أن يحيط به... وساقين ساحرتين فوق قدمي راقصة... ولباس سباحة من قطعتين يظهر أكثر مما يخفي من ذلك الجسد المثير".

في أفلامها الكثيرة التي بلغت الخمسين فيلماً، من بينها "وخلق الله المرأة" (1956) و"تحيا ماريا" (1965)  و"شالوكو" (1968)، كرست باردو صورة المرأة المثيرة المتفلتة من قيود المجتمع، وكانت على حد وصف الروائية ماريت دوراس "تجسيداً للأحلام السرية للرجال منذ بدء الخلق، وامرأة من شمع يستطيع كل رجل أن يصنعها كما يشاء".

أقوال جاهزة

شارك غردبريجيت باردو... وجه الإثارة أو وجه الكراهية؟

شارك غرد"فرنسا ليست البوركيني على الشواطئ. فرنسا هي بريجيت باردو".. أيقونة اليمين المتطرفة والمحرضة على الكراهية

كُتب الكثير عن حياتها الحافلة بالإثارة والفضائح. وصفتها سيمون دو بوفوار بأنها خير تعبير عن الفلسفة الوجودية، ونفت ماري دومينيك لولييفر في كتابها "بريجيت باردو تحت الأضواء" ما قيل عن عدم ثقافتها مؤكدة أنها "التهمت" أعمال كتاب كبار كماكسيم غوركي وأندريه جيد وغيرهما.

وفي كتاب "بريجيت باردو: الحياة، الأسطورة، الأفلام" للكاتبة جانيت فينسيندو، يتابع القارئ قصة حبها لفاديم في سن مبكرة، وتفوقها على من عاصرها كمارلين مونرو وإليزابيث تايلور وغيرهما، وعشاقها الذين بلغ عددهم المئة من رجال ونساء، وزيجاتها الأربعة ومحاولات انتحارها، وتخليها عن طفلها الوحيد.

في المحصلة، تظهر باردو أيقونة الجمال، لوليتا السينما، أكثر تعقيداً من أن تفهم وأجمل من أن تُملك. ولكن لباردو وجه آخر، وجه يكره كل من سُحر بها أن يتذكره، من دون أن يشمل ذلك لوبان على ما يبدو.

وجه الكراهية

في العام 1973، قررت باردو أن تضع حداً لمسيرتها السينمائية وهي في أوج مجدها. قالت بأن الشهرة قد أضنتها، وقررت تكريس حياتها للدفاع عن الحيوانات بعدما شاهدت وثائقياً عن صيد الفقمة.

أسست في العام 1986 جمعية بهذا الخصوص، واحتضنت في منزليها العديد من الحيوانات، ولم تنفك تطالب بحمايتهم لا سيما من عذابات ما قبل الذبح، وتدعو لصعقهم بالكهرباء قبل القيام بذلك.

لكن تركز جهود باردو في هذا الإطار على عملية الذبح الإسلامية دون غيرها من عمليات قتل واستغلال تطال الحيوانات، فكثفت جهودها من أجل منع الأضاحي، ووصفت المسلمين الذين يفعلون ذلك بالوحشية.

ليس هذا ما يجعل من باردو في الحقيقة وجهاً للكراهية، بل سوابقها الكثيرة مع القضاء الفرنسي بسبب تصريحاتها المعادية للأجانب والمسلمين.

"كل ما حمله ذلك الوجه كان يؤكد على أنه خلق للضحك والملذات، بفم بريء لكن شهواني" ولكن...

في العام 2004، أُدينت نجمة الإغراء الفرنسية يوم بتهمة "التحريض على الكراهية العنصرية" وحُكم عليها بدفع غرامة قدرها ستة آلاف دولار، وكانت تلك المرة الرابعة منذ العام 1997 التي يصدر فيها حكم مماثل على باردو.

وكانت باردو قد تهجمت في كتابها "صرخة في الصمت" على المثليين والمهاجرين والعاطلين عن العمل، كما تحسرت على "أسلمة فرنسا" و"التغلغل السري والخطر للإسلام".

وعلقت المحكمة آنذاك بالقول "تقدم السيدة باردو المسلمين باعتبارهم غزاة برابرة قساة مسؤولين عن الأعمال الارهابية يتوقون إلى السيطرة على الفرنسيين إلى حد الرغبة في إبادتهم".

لكن ذلك لم يردع باردو التي تابعت في تصريحاتها. ودفع ذلك بها في العام 2008 للمثول أمام المحكمة التي حكمت عليها بالحبس شهرين (مع وقف التنفيذ) وغرامة وصلت إلى 23760 دولار بعدما قالت إن الجالية المسلمة "تدمر بلدنا وتفرض تصرفاتها علينا". وكانت المدعية ان دي فونت أبلغت المحكمة بتشديد العقوبة لأنها "ضجرت من مقاضاة السيدة باردو".

لم تكتف باردو بكتبها منبراً للتعبير عن آرائها، بل تابعت في مراسلة الصحف للشكوى من "فائض المهاجرين"، ووجدت في صديقتها القديمة لوبان خلاصاً لفرنسا. وكانت باردو، في مقابلة مع مجلة "باري ماتش" في العام 2014، قد أشادت بزعيمة اليمين المتطرف، معربة عن أملها في أن "تنقذ فرنسا"، كما وصفتها بـ"جان دارك القرن الواحد والعشرين".

في العموم، لم يكن استدعاء لوبان لباردو في كلامها مشابهاً لتباهي الفرنسيين بممثلة خرجت من عندهم إلى رحاب العالم أجمع، فما يجمع السيدتين أكثر من حب للجمال، بل حنين جامح إلى فرنسا التي تشبههما، إلى مجد يريانه قد ضاع، على يد غرباء عاثوا فساداً في بلد الجمال.

أما كل ذلك الدم وتلك المجازر الي ارتكبتها فرنسا بحق المهاجرين، على أرضها وأرضهم، فلا مكان له على ما يبدو في حسابات الصديقتين.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
العنصرية

التعليقات

المقال التالي