بابك: شعبية أعظم متمرد على حكم الإسلام في إيران وأذربيجان

بابك: شعبية أعظم متمرد على حكم الإسلام في إيران وأذربيجان

قلعته المرتفعة ألفين وخسمئة متر عن سطح البحر في شمال الغرب الإيراني، هي مقصد للآلاف من الناس في شهر تموز من كل عام، لا سيّما الأذربيجانيين، الذين يعتبرونه بطلهم القومي وشهيدهم. لكنه أيضاً بطل قومي بالنسبة إلى الفرس من الإيرانيين الذين يؤكّدون على تحدّره منهم.

shutterstock_489385696

Babek1_azerbaijanstudiescenter

إنّه بابك الخرمي، أو بابك خرمدين، ألد أعداء الخلافة العباسية. استنزفها طوال عهد المأمون، ولم يتمكن منه المعتصم إلا بالحيلة وبعد أن أرهق تمويل الحملات ضدّه خزانة الدولة.

قاد بابك حركة دينية واسعة النطاق في أذربيجان وعموم البلاد الإيرانية استهدفت مساراً مغايراً لذاك الذي أرسي مع الفتح العربي الإسلامي. قالت حركته بثنائية الظلمة والنور، وتناسخ الأرواح، وعظّمت أبو مسلم الخراساني، واعتبرته إماماً مهدياً، وبابك من صلبه.

هاجمتها المصادر العربية بتهمة أنها ارتكبت الفظائع وأحلت مشاعية المال والنساء، في حين احتضنتها مرويات الإيرانيين والأذربيجانيين، مع بعض الحرج من قبل النظام الإيراني بعد الثورة، طالما أنّ بابك لم يقد ثورة باسم إسلام ضدّ آخر، بل كانت ثورته من بين الأكثر وضوحاً وشراسة ومدى، ضدّ الإسلام.

الثأر لأبي مسلم يزعزع ملك العباسيين

بخلاف الإمبراطورية البيزنطية، وصمودها بوجه الفتوحات العربية التي اكتفت بانتزاع ولاياتها الجنوبية دون التمكّن من الإطاحة برأسها، فقد انهارت الإمبراطوريّة الساسانية أمام موجات القبائل العربية.

وكما حظيت الديانتان الكتابيتان، اليهودية والمسيحية، بوضعية أهل الذمّة في دولة الخلافة الإسلامية، كذلك حظيت الديانة الزرادشتية في إيران، وعمل رجال دينها على التكيّف مع الوضع الجديد، ودعوة أتباعهم لطاعة الحكام العرب، أو اتقاء شرّهم، ودفع الجزية، في مقابل حقن دمائهم وحفظ عرضهم ومالهم.

استمرّت المسيحية ديانة الغالبية في بلاد الشام ومصر لقرون عديدة بعد الإسلام، هي قرون العصر الكلاسيكي للحضارة العربية، أي فترة الخلافتين الأموية والعباسية. واستمرّت الزرادشتية ديانة الغالبية في إيران حتى القرن العاشر الميلادي. جهدت مؤسستها الدينية الرسمية على ثني أتباعها عن الالتحاق بحركات الخروج والتمرّد على الولاة العرب، لكن الكثيرين منهم ألتحقوا فعلاً بهذه الحركات، والتحقوا بشكل أساسي بالائتلاف العريض الذي قاده أحفاد عم الرسول، العبّاس، بقيادة أبو العبّاس، للإطاحة بملك بنو أمية.

ابتعد هؤلاء عن كل من الزرادشتية الرسمية "الذمّية"، وعن الإسلام الأموي الذي يحط من شأن الموالي، وعلّقوا انتظاراتهم على "الثورة العبّاسية". كانت صدمتهم يوم سارع العبّاسيون بعد انتصارهم، للإطاحة بالزعيم العسكري الشعبي الفارسي الذي كان له الدور الأساس في تمكينهم من الظفر على بني أمية: أبو مسلم الخراساني.

إعدام أبو مسلم ألهب المشاعر ضدّ العباسيين في كل بلاد فارس. أوجد مناخات مختلفة من التخليط بين المعتقدات الدينية الإيرانية السابقة على الإسلام، والتي تجد قاسمها المشترك في ثنائية الظلمة والنور، سواء باعتبار انبثاقهما عن إله واحد، أهورا مازدا، أو باعتبارهما جوهرين أزليّين، وبين المعتقدات والمناخات الإسلامية.

خرجت الحركة تلو الأخرى تتظلّم لأبي مسلم، وتحارب قتلته، تعتبر أبو مسلم مهدياً لا بدّ عائد، أو تطلق العنان لحنينها لملك الساسانيين.

Papak_Xorramdin

الدين السعيد: لا الزرادشتية "الذمّية" ولا الإسلام العربي

حرصت المؤسسة الدينية الزرادشتية الرسمية على النأي بنفسها عن هذه الحركات، وكذلك الجماعات الشيعية المختلفة. مع ذلك تمكّنت هذه الحركات التي ظلّت تبكي أبو مسلم، وتنشد مآثره في مرثيات "الأبومسلم نامه" من أن تستنزف العباسيين مطولاً، من حركة سنباذ واسحق الترك إلى حركة المقنع، ومن المحمرة إلى الخرميين.

بقي أنّ الحركة التي قادها بالتحديد بابك ابن بهرام الخرمي، وعمّت أرجاء أذربيجان، ووصلت إلى الديلم وقزوين وأطراف أصفهان، مثّلت أعنف وأعتى وأطول مواجهة دينية وسياسية وعسكرية مع الدولة العباسية.

أقوال جاهزة

شارك غردعن الحركة التي شكلت أهم تحدٍّ إرتدادي واجه الإسلام، كان ينذر بتحجيم حكمه في إيران

شارك غرد البابكية، ثورة شعوب مختلفة ضد الحكم العربي يبدو أن عدداً من العرب تطوّع فيها

دامت هذه المواجهة ثلاثة وعشرين عاماً، كان يبدو في معظمها أن الأمور سائرة لاستقلال إيران عن الخلافة الإسلامية، وأنّها عائدة إلى تراثها الديني ما قبل الإسلام، وإن كان من باب تخليطه الجزئي مع بعض المؤثّرات المهدوية الإسلاميّة.

يصعب اليوم تعريف ما "الخرمية"، وإن كان الأكثر إقناعاً إنها نسبة إلى "خرمدين"، أي "الدين السعيد"، أو "الدين المبارك"، ولا يعرف إن كان المقصود بذلك الديانة الإيرانية السابقة على الإسلام بشكل محدّد، أو فكرة عن الدين الحقيقي المتجاوز لثنائية "إسلام أو زرادشتية".

يميل أكثر الباحثين لإعادة الخرمية إلى الحركة الدينية التي أطلقها مزدك في القرن الخامس الميلادي، والتي أنتهت الزرادشتية الرسمية إلى قمعها، والتحريض عليها مطولاً، بتهمة أنّها أرست مشاعية المال والنساء، وهو ما سيكرّره المؤرخون العرب، وسيستخدمونه كما هو ضدّ الحركات الدينية الإيرانية في القرون الإسلامية الأولى، المحمّرة والخرميين، لا سيّما أكبر حركات الخرمية، تلك التي قادها بابك.

أهم تحدٍّ "إرتدادي" واجه الإسلام في إيران

ومع أنّ بابك قاد ثورته في أعالي جبال أذربيجان الإيرانية، فهو تراث مشترك بين الفرس والإيرانيين. فمن جهة، الفرس يشدّدون على أنّه من عائلة فارسية نزحت باتجاه الشمال الغربي لإيران بعد الفتح العربي، وثمّة من يعتبره حفيد فاطمة إبنة أبو مسلم الخراساني، وثمّة من يذهب إلى أنّه حفيد الساسانيين.

أمّا الأذربيجانيون فيشدّدون على أنّ الحركة كلها كان طابعها الأثني الأساسي أذربيجاني، أرضاً وشعباً، وأنّ قوّتها في وجه الخلافة العباسية، لعقدين ونيف، تُفسّر بالطابع القومي الأساسي لها.

الأكراد هم أيضاً عنصر إثني أساسيّ في الحركة التي قادها بابك، وإن تكن شعبيته بينهم أقل من شعبيته بين الأذربيجانيين والفرس.

تمثّل البابكية إذاً ثورة شعوب مختلفة ضدّ الحكم العربي، لكن يبدو أيضاً أنّ عدداً من العرب تطوّع فيها كذلك. في زمنها، مثلت هذه الحركة أهم تحدٍّ إرتدادي واجه الإسلام وكان ينذر بتقويض حكم الدين الحنيف في ايران.

استفاد بابك الخرمي من الانقسام داخل البيت العباسي بين الأمين والمأمون، واستطاع أن يهزم أكثر من حملة وجهها المأمون ضدّ الجبال التي يتحصّن فيها، جبال البذ بمنطقة آران في إقليم أذربيجان.

حركة البابكية التي هاجمتها المصادر العربية بتهمة أنها ارتكبت الفظائع وأحلت مشاعية المال والنساء

رحل المأمون دون أن يتمكن من حسم المعركة المتواصلة، الأمر الذي سيتمكن منه الخليفة المعتصم، من خلال حملة الأفشين التركي الذي تمكّن من تخريب قلاع بابك بعد حرب طويلة كانت تتوقف في موسم الثلوج وتعود كل ربيع.

لجأ بابك إلى احدى الممالك الأرمنية المجاورة، التي قامت بتسليمه تحاشياً لحملة عباسية ضدها. حمل بابك على ظهر فيل إلى سامراء، وقُطّعت يداه ثم صلب، وكذلك كان مصير شقيقه، ومعظم قادة حركتها.

يتحدّث المؤرخون العرب عن جيش بابك الذي مثّل أخطر تحدٍّ للدولة الإسلامية في إيران، فيبلغون به عدد مئة بل مئتي ألف جندي، والأرجح أن في الأمر مبالغة، في حين تتحدّث المصادر المتواجهة عن أكثر من نصف مليون جندي عباسي لقى حتفه في الحملات المتواصلة ضدّ قلاع بابك.

الصورة القاتمة، وتلك الرومانسية: بابك وزوجته المناضلة بانو

صورة المؤرخين العرب عن ثورة بابك أكثر من قاتمة. اتهام له ولجماعته بمشاعية المال والنساء وانتهاك كل المحارم وقتل الناس اعتباطاً وأسر وتعذيب الآلاف. ومع أنّ معظم العرب اليوم يجهلون من هو بابكك الخرمي، فإن السطور القليلة عنه في كتب التاريخ عن الفترة العباسية هي أكثر من سلبية.

صورته في إيران وأذربيجان شديدة الاختلاف. فهو في البلدين بطل قومي. صورته رومانسية إلى أبعد حد، بما أنّ مآثره الملحمية تشارك فيها مع زوجته "بانو خرمدين".

بابك وبانو زوجان عاشقان حاربا سوية ضدّ الحرية. الحرية ممن؟ من الحكم العربي؟ من الإسلام؟ الحقيقة أنّ تعظيم أمر بابك تبدّلت وظيفته في العقود الأخيرة بحسب السياق.

ففي الفترة السوفياتية بأذربيجان، أعدت الدعاية لصورة عن بابك بوصفه أبا الشيوعية نفسها، وأنّ صراعه ضد العباسيين لم يكن فقط من أجل حرّية شعب أذربيجان، بل على قاعدة برنامج اجتماعي يلغي الملكية الخاصة بين الخرميين الثائرين. وفي السبعينيات، كان فيلم سوفياتي عن بابك لعب دوراً أساسياً في توجيه الوعي بهذا الشكل.

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، عظمت أهمية بابك في أذربيجان. تضاعف عدد التماثيل والأعمال الفنية المقامة له، فهو رمز حركة التحرر القومي لشعب أذربيجان بوجه العباسيين، بالإضافة الى كون الأرمن هم الذين سلّموه في نهاية الأمر.

أما في إيران ما قبل الثورة، فقد جرى الاحتفاء ببابك كرمز قومي للحضارة الفارسية. فهو حلقة الوصل بين مجد الساسانيين الغابر، وبين النبض الفارسي المتجدّد الذي سيعبّر عن نفسه لاحقاً من خلال "شاهنامة" الفردوسي.

كما أنّ بعض المؤرخين يعتبرون أنّ الخرمية البابكية حافظت على وجودها الروحي والمعنوي في الجبال، وأنّها ألهمت لاحقاً القبائل التركمانية التي اعتمرت اللون الأحمر نفسه الذي كان يميز المحمّرة والخرميين، فدعيت بأصحاب الرؤوس الحمراء، "القزلباش".

ويظهر أن الشاه اسماعيل الصفوي أول شاه إيراني يعتنق التشيع بداية القرن السادس عشر، لم يعتنقه من زاوية التشيع الاثني عشري "الأرثوذكسي"، المؤطر بالمذهب الفقهي الجعفري، بل من زاوية هذا التشيّع المغالي، الزاخر بالموروثات ما قبل الإسلامية، أو المتمرّدة على الحكم الإسلامي، مثلما هو شأن الخرمية البابكية.

في المقابل، سعت الثورة الإسلامية لمحاصرة هذا الرمز في مرحلة أولى. فإذا كان لا بدّ من رمز قومي، مسوّغ له دينياً، فهناك أبو مسلم الخراساني، ولا حاجة لبابك. وهذا ما جعل الأذربيجانيين من الإيرانيين يتمسكون أكثر ببابك، إذ كان لا بدّ من استيعاب جزئي لمظاهر "عبادة البطل".

وسام سعادة

كاتب وصحافي لبناني. درس العلوم السياسية والفلسفة. حائز دبلوم الدراسات المعمّقة في العلوم السياسية، اختصاص الفكر السياسي.

كلمات مفتاحية
إيران شيفرة دينية

التعليقات

المقال التالي