الفاشية والنازية والساحرة المستديرة... علاقة الزعماء بكرة القدم

الفاشية والنازية والساحرة المستديرة... علاقة الزعماء بكرة القدم

تحولت الملاعب الخضراء في ظل الفاشية والنازية إلى حلبة سياسية، فقد سعتا لإبراز وجودهما عبر ربط الإنجاز الرياضي بالتفوق النوعي للأمة. وكانتا تعتبران أن الشخصية الوطنية تظهر جلياً في طريقة أداء المنتخبات الرياضية.

من هذا المنطلق، أصبحت كرة القدم تجسد روح التحدي والقوة والحماسة والقيادة، تلك القيم أرادتها الفاشية والنازية أن تتوافر لدى الفرد الذي يجب عليه حمل رسالة الأمة.

في ما يلي أبرز المحطات التي جمعت كرة القدم بالفاشية والنازية:

الزواج الأول

تطّورت كرة القدم، التي تعرف بإيطاليا بالكالتشيو، خلال عشرينيات القرن الماضي في الشمال الإيطالي نتيجة دعم الشركات الصناعية المتحالفة مع الفاشية. وفيما لم يكن إقبال الناس كبيراً على المسارح المكلفة التي أقامها الحزب الفاشي، كانت مدرجات كرة القدم تحتضن حوالي 200 ألف متفرج أسبوعياً.

جذبت هذه اللعبة الغارقة في الفوضى آنذاك انتباه القائد بينيتو موسوليني الذي اعتلى الحكم في 1922، فعمل على إعطائها أهمية أكبر عبر تأسيس ورقة فياريجيو viareggio في 1926، تلك الورقة التي شكلت الانطلاقة الحقيقية للدوري الإيطالي الذي لعب للمرة الأولى في 1928، مقسّماً إلى "ليغ شمالي وجنوبي". والفائزان بكل دوري يخوضان مباراة فاصلة لتحديد هوية البطل. وبعد عامين انطلق أول دوري موَحد اندمج فيه أبناء الشمال الغني وروما مع الجنوب الفقير.

أقوال جاهزة

شارك غردلعبت الفاشية والنازية مبارياتها من خلال الملاعب الخضراء ونجومها، وجعلت كرة القدم أحد أدواتها

شارك غردمات بعض لاعبون كرة القدم قتلاً لأنهم رفضوا أن يسخرو لعبتهم لخدمة الأنظمة الفاشية والنازية

وشيئاً فشيئاً، سخرَت هذه الرياضة في إحكام سيطرة الفاشية المستدامة على المجتمع عبر زرع أفكارها ومعتقداتها.

موسوليني يقف في الصف

استغل موسوليني استضافة كأس العالم 1934 لحشد الملايين خلفه ولتلميع صورته خارجياً. وقبل انطلاقة المونديال أغرقت البلاد بأكثر من 300 ألف بوستر (ملصق) للبطولة رُسم عليه رجل يؤدي التحية الفاشية لكي يراها الصحفيون والضيوف إضافة للطوابع. وكان موسوليني يقف في طابور بين عامة الشعب لشراء تذاكر المباريات حتى يرى العالم تواضعه وروح التعاون.

وشهدت البطولة ارتفاعاً لحقوق البث الإذاعي الذي غطى البطولة للمرة الأولى بشكل موسّع خارج البلاد. واعتاد الإيطاليون التجمع في الملاعب للاستماع للراديو الذي نقل مجريات البطولة. ولمّا كانت أعداد المتوافدين للملاعب قليلة. كان ينقل الراديو الايطالي صورة مغايرة لجذب الناس، فكان يتغنى بالأعداد الكبيرة في المدرجات، والتي يمتلكها الحماس لرؤية أبطالها.

القميص الأسود 1938

استقبلت فرنسا المنظمة لمونديال 1938 المنتخب الإيطالي بالتظاهرات، إذ كانت بلد المنفى لآلاف الهاربين من الفاشية الموسولينية. وقد حضر مباراة إيطاليا الافتتاحية مع النرويج57 ألفاً في ملعب "كولومب"، وكان بينهم 10 ألاف إيطالي منفي.

وعند عزف النشيد الفاشي، جيوفينيزا Giovinezza، وتقديم التحية، صب الحضور غضبهم على اللاعبين وانهالت الشتائم على الفاشية والمنتخب بمختلف اللكنات واللهجات الايطالية، وكأن المباراة تجري في إيطاليا.

وفي باريس، كما في مرسيليا، لم يكن مرحباً بهم عندما تحتم عليهم مواجهة البلد المضيف في دور ربع النهائي. وكان يعلم "الدوتشي" مسبقاً بالطريقة التي سيتعامل فيها أصحاب الأرض مع فريقه.

وفي سابقة تاريخية، قرر موسيليني إظهار قبضته الحديدية، فأمر أن تلعب إيطاليا  بالقميص الأسود، عوضاً عن الأبيض والأزرق، كنوع من التحدي وإثبات الذات وتوجيه ضربة استباقية لأعدائه. فظهر اللاعبون كالأشباح الذين يموتون جوعاً لتحقيق الانتصار.

ربحوا بالمباراة وفازوا لاحقاً بالبطولة، وعند عودتهم إلى ديارهم استقبلهم موسيليني وهم يرتدون الزى العسكري.

النازية تغتال "موتزارت كرة القدم"

الفوز بمباراة كرة قدم أهم عند العامة من احتلال مدينة في الشرق، كانت هذه نصيحة وزير الدعاية السياسية، جوزيف جوبلز، لهتلر حينما اقتحمت ألمانيا أراضي النمسا، البلد الذي لقب منتخبه بـ" فريق الأحلام"  لقوته، وكان من أبرز المرشحين للفوز بكأس العالم .

تحت تهديد القتل، ضمت النازية 8 لاعبين نمساويين، لعب 5 منهم بالقميص ذي الصليب المعقوف في مونديال 1938، وقد أطلق عليه "فريق الأعداء"، لأن لاعبي البلدين لم يتشاركوا اللعب وكانوا كالأعداء وخرجوا من البطولة مبكراً.

وقد رفض اللاعب ماتياس شيندلار الانضمام لفريق هتلر بسبب جرائمه  العنصرية ضد اليهود. وكان شيندرلا أفضل لاعب عرفته الملاعب النمساوية.

قبل دمج المنتخبين، تمَ الاتفاق على إجراء مباراة وداعية للنمسا قبل المونديال ضد ألمانيا. وجرى الاتفاق على أن يفوز الأخير كرمز للهيمنة.

عرف "شيندي"، وهو الاسم الاسم الذي اشتهر به، أن تلك مباراته الأخيرة. فقرر التمرد وتمسك بانتمائه ورفض تأدية التحية النازية قبل اللقاء.

رده كان بالتلاعب وإذلال المدافعين، ونجح في قيادة فريقه للنصر. وعند تسجليه هدف الفوز أحتفل بالرقص أمام أعضاء الحزب النازي في المقصورة الرئيسية. وهذا ما اعتبروه وقاحة وتحدياً سافراً.

أصبح رمزاً للمقاومة ضد النازية، فحاربه رجال هتلر وحرموه من اللعب مدى الحياة. وفي 1939 كانت النهاية المأسوية لـ "موتزارت كرة القدم"، حين عثر رجال الإطفاء على جثته داخل منزله بعد حدوث تسرب للغاز، في حادث غامض كان المتهم الرئيسي فيه الغيستابو، أو الشرطة السرية الألمانية.

استقبل ناديه، هيرتا فيينا، عقب وفاته أكثر من 15 ألف تلغراف للتعزية، مما تسبب في تعطل حركة البريد في البلاد ستة أيام.وحضر جنازته نحو 40 ألفاً رغم تهديدات نقلهم إلى معسكرات الاعتقال. وأطلق اسمه على الشارع الذي كان يعيش فيه وشيدت التماثيل لأجله.

مباراة الموت 1942

بعد غزو ألمانيا للاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية 1941 واحتلالها لأوكرانيا، توقفت الحركة الرياضية في البلاد وكان أغلب لاعبي النادي الأشهر في البلاد يقاتلون في صفوف الجيش الأحمر السوفياتي وأصبحوا ملاحقين.

وفي أحد مخابز المدينة تم تشكيل فريق، ستارت، والذي كان أغلب أعضائه من العمال ولاعبين سابقين في دينامو كييف.

وكان في المدينة جنرال ألماني يدعى إيبدهارت، عرف بعشقه لكرة القدم. وكنوع من إظهار الود قرر إقامة مباراة ودية بين فريق ألماني وفريق ستارن. دارت المواجهة وسط توقع بسحق الأوكرانيين إلا أن ستارت تقدم بالشوط الأول، وبين الشوطين توجه إيبدهارت وهدد اللاعبين بالإعدام إن ربحوا.

لم  يخشَ الأوكرانيون من ذلك التهديد وحصل الفوز. وإثر ذلك منع الفريق من التدريب من قبيل العقوبة. بعد 5 أيام، قرر الجنرال تحدّيهم بفريق أقوى إلا أنه خسر مجدداً. وفي غضون أسبوع أحضر للمرة الثالثة فريقاً محترفاً من المجر لكن دون جدوى.

شكلت أخبار الهزيمة  للقيادات النازية نوعاً من النكسة فقرروا استقدام فريق فلاكيلف Flakelf الألماني. وفي 5 أوغسطس 1942 جرت المباراة وكان الجمهور كله من الجنود الألمان ومُنع الأوكرانيون من الاقتراب إلى موقع الحدث وتم تهديد لاعبي فريق ستارت مجدداً،  إلا أنهم واصلوا رحلتهم البطولية وربحوا (3-2).

وعند تسجيلهم هدف الفوز قام بعض الضباط الغاضبين بإطلاق النار في الهواء لتخويفهم وكسر عزيمتهم. ثم قرر ضابط من الغيستابو إعطاءهم فرصة أخيرة للنجاة، فأختار فريق روك rukh منافساً لهم.

دخل اللاعبون وهم يعلمون أنها مباراتهم الأخيرة، غير أن شيطان الانتصار لم يتخلَّ عنهم وسحقوا الخصم بثمانية أهداف نظيفة.

نفذت الشرطة السرية تهديدها، وفي 12 أوغسطس 1942 تم اعتقال 9 منهم، واقتيد آخرون إلى  المعسكرات وأعدم 4 لاعبين. هناك شُيّد نصب تذكاري تخليداً لذكراهم.

من المنتخب الألماني إلى  معسكرات الاعتقال

في الوقت الذي كانت شعوب العالم تتبادل ركل الكرة، تبادلها اليهود مع الموت. بعد تسلم النازيين الحكم في ألمانيا عام 1933  تم إقصاؤهم من شتى مجالات الحياة العامة ولم تكن الرياضة استثناءً. فأغلقت جميع الأندية والصحف الرياضية اليهودية ومُنع اللاعبون من ممارستها.

كان يوليوس هيرش لاعباً في منتخب ألمانيا لكرة القدم، واضطر تحت الضغط الهائل إلى ترك ناديه كارلسروه ليزُج به في السجن ويقتل لاحقاً في معسكر الاعتقال والإبادة في "أوشفيتس". في ألمانيا ما زالت تمنح جائزة باسمه.

أفضل سفارة إسبانية عبر التاريخ

"إن أناساً كانوا يكرھوننا في السابق، صاروا الآن يفھموننا بفضلكم"، هكذا خاطب أحد قادة فرانكو لاعبي ريال مدريد. كانت إسبانيا غارقة في المشاكل الاجتماعية والاقتصادية داخلياً وتعاني الأمّرين بسبب عزلتها عن العالم خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها.

كان فريق ريال مدريد، والذي كان بمثابة الابن الشرعي للجنرال فرانكو، والذي استخدمه كأداة لمحاربة الكتلانيين الذين استخدموا الكرة كهوية، يعيش فترته الذهبية ويتنزه في أوروبا، فكسب أربع كؤوس إسبانية متتالية، وخمس كؤوس أوروبية منذ 1956 حتى 1961 بفضل تألق الرباعي ريمون كوبا، نابليون كرة القدم، وفيرينتس بوشكاش وألفريدو دي ستيفانو المسروق من برشلونة وخينتو لاعب فرانكو المفضل.

لقد وجدت ديكتاتورية فرانكو الفاشي بالفريق الأبيض ستارة لسوادها الداخلي وكان الفريق بمنزلة سفارة متجولة لا يمكن مجاراتھا. فالأھداف التي كانت الإذاعة تبثھا شكلت أبواق انتصار أشد فعالية من النشيد الوطني.

الياس عبيد

صحافي رياضي سوري يكتب في الشأن المحلي والعالمي

كلمات مفتاحية
كرة القدم

التعليقات

المقال التالي