لماذا يحنّ المصريون إلى الملك فاروق؟

لماذا يحنّ المصريون إلى الملك فاروق؟

في مسجد الرفاعي بمنطقة "القاهرة القديمة" وبجوار القلعة التي حكم مصر من خلالها جدّه الأكبر محمد علي باشا، يقبع قبر آخر ملوك مصر من الأسرة العلوية فاروق الأول.

في كل عام، في ذكرى مولده ووفاته، يحمل مصريون باقاتٍ الورود ليضعوها على القبر بينما يقرأ مقرئ آيات من القرآنن كطقسٍ مصريٍ أصيل لتنزيل الرحمات على الموتى، في مشهد جنائزي مؤثر.

وقد كسا حنين غريب قلوب المصريين لأيام الأسرة العلوية، وبخاصةٍ أيام الملك فاروق الأول. ازداد ذلك الحنين تطرفاً لدى كثيرين فاتخذوا موقفاً دعائياً لعودة مصر لأحضان الملكية.

حلم العودة للماضي

عمرو أبو سيف مؤسس موقع الملك فاروق الأول أطلق صفحة ذائعة الصيت على فيسبوك تحمل الاسم ذاته، وتملك ما يقارب 5 ملايين متابع. عن سر تعلقه وتعلق رواد الصفحة بشخص الملك فاروق، قال: "إن الإنسان بطبيعته دائماً يحن للماضي وخاصة إذا كان هذا الماضي جميلاً، فمصر كانت تضاهي بجمالها الدول الأوروبية بل تزيد. وكذلك فإن أخلاق المصريين حينها كانت تتسم بالرقي والسماحة والطيبة والكرم".

وأضاف: "لكل عصر مزاياه وعيوبه، ولكن ما لفت نظرنا للحقبة العلوية هو انطلاق النهضة الاقتصادية والثقافية والتعليمية، فمصر في تلك الحقبة انتجت أفضل العلماء وكبار رجال الأدب والفكر والتعليم، فكيف لنا ألا ننبهر بها".

ModernEgypt,_Farouk_&_Farida_Marriage,_DHP13655-20-9_01 حفل زواج الملك فاروق والملكة فريدة

يستطرد في ذكر الجماليات التي يراها في تلك الحقبة، فيقول إن مصر حينذاك أنجزت مشاريع ضخمة مثل حفر قناة السويس وإنشاء دار الأوبرا الخديوية والجامعات العريقة، وتأسيس الجيش المصري والبرلمان ليمارس الشعب حقوقه السياسية.

يعتبر أبو سيف أن الملك فاروق ظُلم ولا بد من رد الاعتبار له. "كان بالفعل رجلاً وطنياً مخلصاً، ويكفي تنازله عن العرش رافضاً أن تراق قطرة دماء مصري"، قال.

ويؤكد أن فاروق لم يكن الأفضل بين حكام الأسره العلوية، لكن السر في تعلق الكثيرين بشخصه هو أنه آخر حاكم لمصر قبل النظام الجمهوري، ويرى أنه ظلم بشدة حتى بعد وفاته، إذ لم يوافقوا على أن يدفن في المكان الذي أراد أن يدفن به.

أقوال جاهزة

شارك غردما يقارب 5 ملايين معجب بصفحة الملك فاروق على فيسبوك! لماذا يحن المصريون إلى حكمه؟

"النوستالجيا" تحيا من قبح الواقع

ويفسر الدكتور حامد محمد حامد، وهو مؤرخ مصري، تنامي ظاهرة الحنين إلى الملك فاروق في مصر، إلى الظروف السيئة التي تمر بها البلاد حالياً، فهو يقول إن النوستالجيا (لفظ يوناني يعني: الحنين للماضي) تزيد كلما ساءت الظروف.

وقال لرصيف22 إن حنين المصريين إلى أيام الملك فاروق هو حنين للجمال ولنموذج يدعوه بـ"الفخفخة" أو "اللياقة"، وأضاف: "لو كنا في أيام الملك كنا بتنا "أفندية" (لقب اجتماعي متواضع) ولدينا البكالوريا (درجة تعليمية) مثلاً، وأهلنا من فلاحين وموظفين يكافحون من أجل معيشتهم، لكن من ناحية أخرى سنكون قريبين من الجمال، من وسط البلد، من الصحافة المفتوحة، من المجتمع الكوزموبوليتاني (متعدد الثقافات)، من الأحزاب والتنظيمات الفاعلة، من المواخير (بيوت الدعارة)...".

وتابع: "كان الفقر مدقعاً لكن كانت هناك فرص حتى للفقراء. في مصر قديماً كان من الممكن أن يذهب أي مواطن إلى شارع "سليمان باشا" أو شارع "فؤاد" (وسط القاهرة) فيشعر كأنه سافر إلى باريس".

وقال: "اعتقد أن الحنين إلى الماضي في حالتنا هذه، هو حنين إلى الجمال والأناقة، مع الاعتراف أننا ربما لم نكن حينها نملك سوى مشاهدتها".

يفسر حامد سر تعلق المصريين بشخص الملك فاروق وحده دون باقي الأسرة العلوية، بأن "حكمه مثّل الهوة الفاصلة بين العالم الخيالي والعالم الذي يحيا المصريون فيه. عالم جمال عبد الناصر وشركائه".

وأكد أن مسلسل "الملك فاروق" الذي أنتج عام 2007 كان له دور بارز في تعلق المصريين بتلك الشخصية الملكية، وتابع: "كل هذا جعل من الملك فاروق، الممثل الرئيسي لعالم الجمال و"المنجهة"، وكأن فاروق هو الذي كان يحكم مصر بعد محمد علي حتى يوليو 1952".

Farouk_family_official صورة رسمية للعائلة المالكة

مسلسل الملك فاروق ينبوع الحنين

الدكتورة لميس جابر مؤرخة وبرلمانية ومؤلفة مسلسل الملك فاروق الذي أحدث جلبة وجدل كبيرين في مصر، تقول لرصيف22 إنها تعتقد أن مسلسلها من الممكن أن يكون تسبب بحالة الحنين للملك فاروق المنتشرة في مصر.

وأضافت: "المسلسل عرض عام 2007، ثم بدأت صفحات تظهر على فيسبوك تخص الملك فاروق وكذلك صفحات تتحدث عن "مصر زمان" وأشياء من هذا القبيل".

وتؤكد أن هذا الحنين زاد بشدة "في الكام سنة اللي فاتوا، بسبب الأوضاع السيئة في البلاد".

وضع البسطاء وقت الملكية

تنفي جابر فكرة معاناة العمال والفلاحين في عهد حكم الأسرة العلوية، وتقول: "المصانع التي بناها طلعت حرب ضمت مساكن للعمال ومدارس ونوادي وملاعب وعيادات أطباء وصيدليات، وكان بدل إيجار الشقق زهيداً جداً. إنها نهضة الاقتصاد المصري التي بدأها طلعت حرب عام 1920. هذا ما سجله المؤرخ عبدالرحمن الرافعي".

وأضافت: "بعد عام 1952 (ثورة حركة الضباط الأحرار) أُمّم كل هذا، وبدأت حركة الضباط بإعدام اثنين من العمال هما محمد مصطفى خميس ومحمد عبد الرحمن البقري في مصنع الغزل والنسيج بدمنهور. ودي كانت دبح القطة" (مثل مصري يقصد به تخويف الشعب)".

تسييس التأريخ

تشير جابر إلى أن سبب ولع المصريين بالتاريخ الحديث هو تعمد القائمين على البلد بعد عام 1952 تشويه كل ما كان قبل حركة الضباط الأحرار، بشكل وصفته بالبشع. "حتى محمد علي وسعد زغلول ومصطفى النحاس لم يسلموا من التشويه"، قالت.

وأضافت: "كانوا يدرسوننا ثورة 1919 على أنها ثورة فاشلة، لكنها على عكس ذلك كانت آخر ثورة شعبية في مصر. فقد سبقتها ثورة لتولية محمد علي الحكم".

وأردفت: "كيف ندرّسها للطلاب على أنها ثورة فاشلة وهي التي جاءت بدستور 23 وشكلت البرلمان وصنعت الاستقلال؟".

وتابعت: "منذ ثورة 1919 حتى حرب فلسطين، كل الشخصيات أزيلت تماماً من التاريخ، وحتى حرب فلسطين (1948) ما زالت تدرس في المدارس على أنها قضية الأسلحة الفاسدة، على الرغم من عدم وجود شيء اسمه الأسلحة الفاسدة".

وأكدت جابر أن هذه السُنّة التي سنها حكم جمال عبد الناصر ظلت موجودة من بعده، فحين مات شُتمِ، ومن بعده شتم السادات، ثم شتم مبارك.

وأشارت إلى أن "إخضاع التاريخ للسياسة بشع جداً، وهذا أيضاً ما حدث بعد أحداث يناير (2011)، فالطلاب درسوا إنجازات حسني مبارك وزوجته سوزان في الفصل الدراسي الأول، وفي الفصل الدراسي الثاني شتموهما (قامت ثورة يناير في منتصف العام الدراسي)، فوصل للطلاب أن كل هذا مجرد كذب".

أحمد فؤاد الثاني يملك ولا يحكم

وعلى غرار موقع الملك فاروق، عبّر آخرون عن حنينهم للملك فاروق بشكل متطرف، فدعوا الملك أحمد فؤاد الثاني نجل الملك فاروق، إلى تولي حكم مصر مرة أخرى، شريطة أن يملك ولا يحكم، كما هو الحال في بعض الدول الأوروبية، وأسسوا حركة اسمها "الملكيون الأحرار". وحاول البعض تأسيس حزب سياسي تحت مسمى "الحزب الملكي الدستوري" وكتبوا في نص استمارة المشاركة:

"حتى يتوقف الصراع على الحكم والسلطة ووقف نزيف الدم المصري المراق ولعودة الاستقرار الأمني والاقتصادي للوطن نطالب بعودة الملك المصري أحمد فؤاد الثاني لعرش البلاد ملكاً دستورياً... يملك ولا يحكم فالحكم للشعب بلا تمييز ولا استثناء ولا إقصاء".

أحمد فؤاد الثاني يرتدي وشاح ابيه

Fuad-II-of-Egypt2

وفي وقت يزداد حنين الكثيرين لأيام الملكية في مصر، بدا أن أحمد فؤاد الثاني تقمص الدور جيداً، وتفاعل مع المشتاقين على أنه ملك البلاد من خلال صفحته الرسمية، وعنوانها "الملك أحمد فؤاد الثاني".

وتنشر الصفحة صوراً للمناسبات الاجتماعية الخاصة بالعائلة "الملكية"، وتعلو تلك الصور مسميات عدة مثل الأمراء والأميرات والبرنسيسات. أما أحمد فيطلق على نفسه لقب جلالة الملك.

وفي الصفحة تعلو نبرات الهجاء لعصر ما بعد 52، فيوجه رواد الصفحة السباب لتنظيم "الضباط الأحرار" مطلقين عليهم تسمية "أبناء الجناينية" (لفظ وصف به الضباط عقب إذاعة فيلم "رد قلبي"). بينما رفض"جلالة الملك" تكرار السباب على صفحته لأناس راحلين، فأصدر بياناً يدعو فيه أنصار الملكية إلى انتقاء الألفاظ.

كلمات مفتاحية
تاريخ مصر

التعليقات

المقال التالي