كيف يجعل الرقص حياتنا أفضل؟

كيف يجعل الرقص حياتنا أفضل؟

تعجّب "أحمد" حين أخبرته المعالجة النفسية التي جلس يحدثها عن شعوره الدائم بالاكتئاب، بأن الرقص سيكون جزءاً من خطة علاجه. لكن تعجبه زال بعد شهر من بدء العلاج، حين شعر أن حياته تغيرت للأفضل، وقدرته على مواجهة الصعوبات باتت أقوى.

يقول أحمد لرصيف22 "لو هناك نصيحة يمكنني تقديمها لمن يمر بمشاكل نفسية، فهي أن يرقص، دون أن يهتم بنظرات الآخرين له... فقط يرقص".

أحمد، الذي طلب تغيير اسمه، هو واحد من ملايين الشباب الذين يمرون بمشاكل نفسية عدة في العالم العربي. بحسب أحدث إحصائية للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان التابعة لوزارة الصحة المصرية، مثلاً، هناك ما يقارب خمسة ملايين مصري يعانون أمراضاً نفسية، على رأسها الاكتئاب واضطرابات القلق المختلفة.

اختار أحمد أن يذهب للمعالِجة النفسية سلمى محمود، التي وضعت له خطة علاجية كان الرقص جزءاً منها.

العلاج بالأداء الحركي

تنصح محمود بعض مرضى الاكتئاب الذين يلجأون إليها بأن يلتحقوا بفصول الزومبا (برنامج لياقة بدنية يعتمد على الرقص اللاتيني) أو التانجو والسالسا، فضلاً عن الآيروبكس كجزء من العلاج.

وبحسب محمود، فإن إحدى مزايا العلاج بالرقص أنها تقلل من احتمالات انتكاس المرضى، كما أنه لا يملك أي آثار جانبية، بعكس الأدوية.

تقول محمود لرصيف22: "العلاج بالرقص أو كما نطلق عليه كمتخصصين "العلاج بالأداء الحركي" هو فرع من فروع العلاج بالفن، ورغم أن هذا النوع من العلاج لم يأخذ حقه حتى الآن في عالمنا العربي لأسباب عديدة، منها نظرة البعض للرقص كفعل "قليل الحياء"، أو أنه نشاط مناسب أكثر للأناث وليس للذكور، إلا أن هذا النوع من العلاج مؤثر وقادر مع باقي طرق العلاج، أن يجعل حياة الشخص أفضل”.

ليس العلاج بالرقص أمراً عشوائياً، بل هو أمر منظم يمر بمراحل عدة مثل أي نوع آخر من العلاجات، وأهم هذه المراحل، بحسب محمود، هي مرحلة "الإحماء" أو البداية، والهدف أن ينقل الرقصُ الشخصَ من مرحلة إلى مرحلة أعلى تنتهي بالتقييم. هنا يعبر المريض عما تركته هذه التجربة من أثر في نفسه وكيف ساعدته في أن يُخرج جزءاً من انفعالاته المكبوتة.

تؤمن محمود أن الرقص مؤثر لأنه يستطيع الوصول لمناطق انفعالية أكثر عمقاً، ويساهم في إخراج استجابات أكثر قوة من تلك التي تخرج في جلسات العلاج بالكلام، كما يساعد مع حالات الاكتئاب والعجز عن التعبير وفقدان الثقة بالنفس وكراهية الذات والقلق بأنواعه، وغيرها من الحالات.

وتضيف: "في العلاج بالرقص نوع من التكامل والتناغم بين العقل والجسد والوجدان، ثم يكون الإنسان أكثر هدوءاً وأكثر قدرة على التركيز". وتشير محمود لنقطة مهمة "يجب أن نفهم جيداً أنه "علاج مُساعد" وليس "علاجاً أساسياً" بمعنى أنه يجب أن يكون جزءاً من برنامج علاجي متكامل وليس علاجاً في حد ذاته، خاصة في حالات الاضطراب النفسي".

أقوال جاهزة

شارك غرد"لو هناك نصيحة يمكنني تقديمها لمن يمر بمشاكل نفسية، فهي أن يرقص دون أن يهتم بنظرات الآخرين.. فقط يرقص"

شارك غردفوائد نفسية وصحية لا تعد ولا تحصى للرقص... ماذا تنتظرون؟

تكمل محمود: "العلاج بالرقص ليس مقتصراً على نوع معين، بل من الممكن تصميم برنامج مختلف لكل مجموعة وفقاً لاحتياجاتها النفسية وطبيعة المعاناة، علماً أن أشهر البرامج مستمدة من حركات الرقص المُعاصر وبعض الرقصات الشهيرة مثل التانجو والسالسا، والهدف هنا ليس الرقص في حد ذاته بقدر ما هو التعبير من خلاله عن أشياء أخرى مكبوتة في اللاشعور، ونرغب في فتح ممر لها حتى تخرج للسطح".

ارقصوا... ارقصوا

يستطيع الرقص أن يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحياة على نحو أفضل، كما يؤثر على خلايا الدماغ المسؤولة عن إفراز إنزيمات الإحساس بالسعادة، فيشعر الشخص بالراحة والفرح بعد الرقص.

وليس ضرورياً أن نمر بمشاكل نفسية حتى نرقص، بل على العكس يمكننا أن نستخدم الرقص لنحصن أنفسنا من أي مشاكل صحية أو نفسية في المستقبل.

لا يوجد حد أدنى أو أقصى للسن المناسبة للرقص، على عكس غيره من أشكال الرياضة، إذ يمكن لأي شخص الرقص أياً يكن عمره.

وفي ما يلي، تحدثنا محمود عن فوائد أخرى للرقص أكدتها دراسات علمية.

1- يجعلنا أكثر سعادة ورضا

بحسب دراسة علمية خرجت من اسكتلندا في نهاية عام 2014 وشارك فيها ما يزيد عن العشرين ألفاً، يصبح الأشخاص الذين يمارسون الرقص أكثر سعادة.

بينت الدراسة أن الرقص يؤثر بشكل إيجابي على الصحة النفسية وصفاء الذهن، وأظهرت النتائج أن مستويات الرضا عن الذات لدى الأشخاص الذين يرقصون أكثر بـ62% من الذين لا يرقصون.

تضيف سلمى: "اعتماد الرقص كطريقة علاجية يساعد في التخفيف من ضغوط الحياة كما أنه يعطي الإنسان قدراً كبيراً من الطاقة الإيجابية ويزيد من حماسه للإنجاز، ويساعد على التخلص من الطاقات السلبية".

وتشير إلى مقال تم نشره عبر موقع psychologytoday.com يؤكد أن الرقص يزيد من إفراز هرمون السيروتونين الذي يُطلق عليه "هرمون السعادة"، ويؤدي إلى شعور الإنسان بقدر كبير من البهجة.

2- زيادة الثقة بالنفس

زيادة الثقة بالنفس تساوي حياة أفضل وقدرة على التفكير بطريقة مختلفة، وهذا ما يجعلنا قادرين على اتخاذ قرارات سليمة. وحين نثق بأنفسنا أكثر، يمكننا التعامل مع الأخرين بطريقة أفضل، وبالتالي يزيد حبنا لذاتنا واحترامنا لها. هكذا تقول محمود، وتضيف أن الرقص رياضة مهمة تساعد على فقدان الوزن الزائد، مما يجعل شكل الإنسان أفضل ويولّد الرضا عن صورة الجسم.

3- يبعد عنا الاكتئاب

يعمل الرقص كمضاد للتوتر والاكتئاب. حين نرقص تصبح حالتنا النفسية أكثر إيجابية. في دراسة علمية صدرت عن International Journal of Neuroscience تم اختبار الرقص كطريقة علاجية على عينة من المراهقين المصابين بالاكتئاب، وقد أكدت النتائج أن العلاج بالأداء الحركي يتحكم بشكل كبير في افراز هرمونات السيروتونين والدوبامين الموجودة في الجسم، والتي تخفض حدة الشعور بالضغوط النفسية وتحسن الحالة المزاجية.

وبما أن الرقص نشاط اجتماعي، فهو قادر على مساعدة من يعانون من مشاعر الخجل والعزلة.

4- صحة أفضل

يتيح لنا الرقص التمتع بصحة أفضل، ويبعد عنا العديد من الأمراض، كما يقوى ذاكرتنا بشكل كبير. وبحسب دراسات عدة، منها دراسة أجرتها New England Journal of Medicine، فبإمكان الرقص أن يساعد في الحفاظ على الصحة الجيدة للإنسان رغم التقدم في العمر، ويزيد من القدرة العقلية للأفراد ويحارب مرض الخرف.

5- فوائد أكثر...

يزيد الرقص من المهارات الحركية، ومن القدرة على التعبير عن أنفسنا بطريقة أفضل، كما يساعدنا على التخلص من الإجهاد والانفعالات السلبية، ويجعل حركتنا أكثر خفة وجاذبية.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
الرقص

التعليقات

المقال التالي