"إتاوات" وبلطجية وبلدية… هل يبقى مكان للفن في شوارع القاهرة؟

"إتاوات" وبلطجية وبلدية… هل يبقى مكان للفن في شوارع القاهرة؟

قبل خمسة أعوام، قرر طارق محمد عبدالعال (25 عاماً) أن يتخذ الموهبة التي اكتشفها في صغره وسيلة لكسب الرزق.

هوى الرسم منذ كان في عمر الخامسة حينما علمته أمه كيف يمسك بالقلم الرصاص، وسرعان ما وجد الخطوط تنساب من يده.

وعندما التحق بكلية التجارة بجامعة عين شمس، قرر التوجه بفنه إلى الشارع ليكسب بعض المال. فأتى بكرسي خشبي وبأدوات الرسم وقرر أن يتخذ الأرصفة المحيطة بأسوار الجامعات مقراً رسمياً للإعلان عن موهبته.

لم يدفعه للشارع حب الفن فقط، فلقد أراد أن يخلق باب رزق له في بلدٍ يعاني 12.8% من سكانه من البطالة بحسب دراسة أجراها مركز بروكنغز عام 2016، 30% هم من فئة الشباب، ونحو 70% من حملة الشهادات الجامعية.

يحضّ هذا الواقع الشباب على "اختراع" أعمال تأتي ولو بدخل ضئيل. وهو ما أدركه عبدالعال. فحينما يتعذر العيش، تنزل الموهبة إلى الشارع لتعرض نفسها على الناس.

نشأت بينه وبين الأرصفة علاقة محبة يعيشها كل يوم مع شباب آخرين افترشوا الطرق في ساعات الليل والنهار. بعضهم في مكانهم يقبعون، وبعضهم يركض وراء العربات والمشاة يبيعون الفن والطعام والشراب، ويقدمون خدمات غسيل العربات وحمل الأكياس أو حتى بيع الضحك والنكات مقابل المال. فهذه هي شوارع القاهرة

بين المحاضرات، يعود عبد العال إلى الرصيف ليكمل اللوحات. يكلفه بعض المارة برسم وجوههم، فيتركون صورهم ليعودوا ويتسلموها فيما بعد. ويطلب البعض الآخر رسم صور فنانهم أو أديبهم المفضل.

وقد اتفق عبد العال مع محل لبيع الورد قريب من مكان جلوسه أن يتسلم الزبائن من عنده اللوحات خلال غيابه.

"الناس الذين يرغبون في رسم بورتريهات لوجوههم يجب أن يتسلموها من مكان رقيق يعادل رقة رغبتهم في الاستمتاع بالفن. من أجل هذه الغاية، اخترت محل الورود"، يقول عبد العال لرصيف22.

للرصيف قانونه وزعامته

في الظاهر، الشارع هو مكان عام متاح للجميع، لكن الواقع مختلف، إذ لكل رصيف زعيم. والعمل فيه يتطلب الحصول على موافقة من "الزعيم" ودفع مقابل مادي، أو ما يسمى بالإتاوات، تماماً كما لو كان الأمر يتطلب إذناً حكومياً.

يقول عبدالعال: "هذا الرصيف مثلاً لشخص ما، لا ندري تحديداً ما صفته، قام بتقسيمه على البائعين، ويأخذ من كل منهم مقابلاً مادياً للسماح له بالعمل".

يكون دور زعيم الرصيف تنظيم المساحة المخصصة لكل فرد، وهي متر أمامه ومتر خلفه. كما يحدد الاختصاصات لكي لا يزاحم دخيلٌ البائعين في كسب رزقهم. كذلك يوزع أوقات العمل، فقسم يداوم في الليل وقسم آخر في النهار.

أنهكت هذه الإتاوات عبدالعال، فقد بلغت 20% مما يكسبه. ولا مجال للتحايل على الزعيم، فالكل يخشاه، ومستعد لأن يتبرع بالمعلومات ويشي بمن يتهرب من الدفع.

أقوال جاهزة

شارك غرد"حلمي كبير وسقفه مرتفع، وهو أن أبلغ مرتبة بيكار مصري ثانٍ" فهل هناك مكان لفناني الشارع في القاهرة؟

شارك غردلمعظم أرصفة القاهرة زعيم، يقوم بتقسيمه على البائعين ويأخذ منهم مقابل مادي، أو إتاوات، لينظم عملهم

الأمر ذاته حصل مع "العم" متولي بركات. هو رجل ستيني، شعره أبيض ويده ترتعش، لكن حركتها سريعة ورشيقة، وملامح وجهه تتقد حماساً حينما يتحدث عن فنه.

ترك بركات الأرض واتخذ كشكاً صغيراً بميدان الجيزة في القاهرة، بعد سنوات أمضاها على الأرصفة يرسم الوجوه. يقول لرصيف22: "عشت عمراً طويلاً أرسم البورتريهات للناس والمشاهير في الشوارع وعلى الأرصفة".

وقد دفعته مضايقات "البلطجية" أو زعماء الأرصفة ومطالباتهم "بالإتاوات" لهجر الشارع، ولم يجد أمامه سبيلاً سوى حمل لوحاته على الكتف والسير دون اتخاذ مكان محدد حتى استطاع أخيراً ادخار بعض المال للحصول على ترخيص وإنشاء كشك لممارسة عمله ورسم الوجوه بشكل شرعي.

كان يحلم طوال عمره بأن يكون له مقر يحمل اسمه، و"سكرتيرة تقابل الناس بالنيابة عنه"، هو سعيد بهذا المقر الصغير الذي لن يتمكن أحد من أن يطرده منه.

القانون يحكم الميادين العامة

ليست الإتاوات وحدها العثرة التي قابلت عبدالعال. فبعدما تخرج وقرر الانتقال من الجامعة إلى الميادين العامة للتعامل مع فئات مختلفة من الناس، وجد نفسه في مواجهة شرطة البلدية، وهي الجهة المنوطة بها إزالة إشغالات الطرق ومطاردة الباعة الجوالين في سبيل ذلك.

"لم أكن أدري أنه عليّ أن أجمع لوحاتي وأجري حينما أجد من حولي رجالاً يصرخون: البلدية"، يقول عبدالعال.

وفعلاً صادرت البلدية لوحاته وأدوات عمله فأمضى أسبوعاً يحاول استعادتها ودفع الغرامات المترتبة عليه.

ما يحصل في شوارع القاهرة ليس أمراً استثنائياً، إذ تحاول معظم دول العالم تنظيم عمليات البيع في الميادين العامة. لذا قرر عبدالعال أن يستأجر جزءاً من محل في مركز تجاري ليعمل به في معزل عن "المطاردات" أو "الإتاوات".

الشارع وجهة الجميع

اليوم، الشارع ليس وجهة الفنانين الذين يحاولون كسب الرزق فقط. فهناك من يحاولون أن يعبروا عن مواقفهم السياسية عبر فن الغرافيتي، خاصة بعد ثورة يناير 2011. منهم من يرسمون على الجدران، ومنهم من يملأونها بالعبارات السياسية.

لا يتجاوز عمر سمير، وهو اسم مستعار، ثمانية عشر عاماً. انضم لألتراس أهلاوي للمرة الأولى حينما كان في المرحلة الإعدادية، أُعجب بأفكارهم وحماستهم وولائهم بعضهم لبعض.

وعندما حدثت مذبحة أستاد بورسعيد، قبل نحو خمسة أعوام، وراح ضحيتها نحو 72 من  مشجعي النادي الأهلي، انطلق سمير مستغلاً موهبته في الرسم، وراح يعبر عن غضبه العارم بالرسم على جدران الشوارع في محافظة الاسكندرية حيث يعيش هو وأسرته.

يقول لرصيف22: "لم أقدم شيئاً لأصحابي الراحلين الذين كانوا كإخوتي تماماً، سوى رسم وجوههم على الجدران، وأذكّر بهم الجميع كل لحظة".

الكشك والسكرتيرة وحلم يوشك أن ينهار

تحقق جزء من حلم بركات، فعنده الآن المكتب، وهو الكشك، والسكرتيرة، وهي ابنة أخيه التي تخرجت من كلية الآداب. تسلم صور الزبائن الشخصية، و"البورتريهات" بعد انتهاء العمل بها.

لكن الغلاء الذي أصاب مصر بعد هبوط سعر صرف الجنيه جعلت رسم "البورتريهات" من الكماليات التي لا يقدر الكثيرون عليها.

يقول بركات: "الناس تعبانة من الغلا، هييجوا يرسموا نفسهم أزاي؟ ده حتى ضميرهم يأنبهم".

علماً أن الطلب على البورتريهات ينتعش في بعض المواسم كعيد الأم وعيد الحب، فيأتي إليه من يودون رسم أحبابهم.

يعاني عبدالعال من الأمر ذاته. فلا أحد يُقبل على الرسم كالسابق، مما دفعه للتخلي عن الركن الذي استأجره في مركز تجاري وعاد للشارع وللإتاوات.

يختلف عبدالعال مع بركات، فهو لا يريد أن ينتهي به المقام في كشك صغير. ويقول: "رغم كل شيء لم أزل قادراً على الحلم، وحلمي كبير وسقفه مرتفع، وهو أن أبلغ مرتبة بيكار مصري ثانٍ".

صحافية وكاتبة مصرية

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي