أغاني الشيلات الإلكترونية في السعودية... إحياء فلكلور أم تلوث صوتي؟

أغاني الشيلات الإلكترونية في السعودية... إحياء فلكلور أم تلوث صوتي؟

هل تعرفون أغاني المهرجانات في مصر؟ هل تذكرون الضجة التي أثارتها حينما بدأت تكتسح الشارع الفني بعد ثورة 25يناير؟

حينما تستمعون إلى أغاني الشيلات الإلكترونية الحديثة في السعودية ستتذكرون أغاني المهرجانات. فهي على غرارها، تعتمد على أجهزة إلكترونية تعيد توزيع الصوت وتضيف إليه مؤثرات، لتشعر أن الذي يغني هو الروبوت وليس الإنسان.

هذه الأغاني يعتبرها الكثيرون مجرد صورة عن الانحطاط الفني، وينظرون إلى جماهيرها نظرة دونية. فهي، برأيهم، ليست إلا مصدراً للإزعاج وشكلاً من أشكال التخلف، وفشلاً ذوقياً لا يُغتفر.

فالسرعة المبالغ بها في إيقاع الأغنية، والتعديلات الطارئة على الصوت البشري هما في نظر الكثيرين مصدر للإزعاج وتلوث صوتي، وفي أفضل الأحوال، مجرد مادة تستدعي الرقص، لا أكثر.

لكنك رغم ذلك قد تسمعها تصدح من عربات مسرعة في شوارع السعودية، أو في الحفلات الشبابية أو من وراء شبابيك المنازل. فمما لا شك فيه هو أن الانقسام حول الشيلات الإلكترونية نابع من انتشارها بين المراهقين، لا سيما بين ذوي الأصول البدوية أو القبلية.

وما يغيب عن الكثيرين هو أن كلمة شيلات ليست حديثة ولا جديدة، وأن المصطلح الذي يُستخدم لوصف الأغاني السعودية المعاد توزيعها إلكترونياً، هو قديم بقدم الشعر النبطي.

فالشيلات ليست وليدة الحاضر بل هي احتفال بتراث تمت إعادة طرحه بشكل إلكتروني على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، ليحقق انتشاره لدى فئة أكبر من تلك التي كانت تحمله في صدورها.

أقوال جاهزة

شارك غردالشيلات طريقة تراثية في إلقاء القصائد النبطية باللهجة البدوية بشكل مُلحن، أعاد الشباب توزيعها بشكل الكتروني

شارك غردوصل الجدل حول الشيلات إلى الشيوخ ونقاشاتهم الفقهية فلا تكاد تجد شيخاً أو فقيهاً إلا وسُئِل عن حكمها

من أين جاءت الشيلات؟

وهي في الأصل طريقة تراثية في إلقاء القصائد النبطية باللهجة البدوية العامية بشكل مُلحن هو أقرب إلى الحداء الذي تستخدمه القوافل في مسيرتها، أو القبائل في مناسباتها.

وتشتهر كل قبيلة بلحنها الخاص، فتلقي قصائدها على طريقتها مع اختلاف طفيف في اللحن عن بقية القبائل. وتعني كلمة شيلة الحمل أو الرفع، إذ يُقال شيلوا القصيدة، أي ابدأوا بغنائها وحدائها، باللحن المحلي المتعارف عليه في القبيلة.

القبائل التي حفظت الشعر غيباً

في بيئة غير كتابية، أو شفوية، كتلك التي كان تعيشها غالبية قرى الجزيرة العربية، لم يكن التعليم سائداً. وكان إتقان القراءة والكتابة أمراً نادراً، في حين كان الاعتماد الأساسي على القصائد في تثبيت الأخبار والحكايات وتناقلها بحسب رأي الدكتور هنري مونيو في كتابه "تاريخ الشعوب التي لا تاريخ لها".

جرى ذلك في القرى على عكس المدن الكبرى، أو تلك التي تحتك بثقافات أخرى، كالمنطقة الشرقية القريبة من الدول الخليجية المجاورة، أو منطقة الحجاز التي يدخلها ملايين الحجاج كل عام، إذ ساد فيها التعليم والكتابة والقراءة باكراً.

وقد تغنى أهل القرى بالقصائد النبطية، التي كانت أقرب إليهم من تلك المكتوبة بالفصحى، فيستشهدون بأبياتها ويقتبسون منها في شتى أمورهم الحياتية والاجتماعية، وتكوّن جزءًا من أحاديثهم حتى اللحظة. لذلك فإن "الشيلات"، أو غناء القصائد، ليس أمراً مستهجناً أو جديداً.

ما الذي تقوم به الشيلات "الإلكترونية" الحديثة؟

ما تقوم به هو إعادة توزيع ثقافة الحداء البدوية، أو ما يُعرف بالريميكس Remix. وهو المصطلح الذي انطلق من جمايكا، في أواخر الستينات من القرن المنصرم، ووجد طريقه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة إلى قاعات الرقص، لسرعة الإيقاع وتمكّن الحضور من الرقص السريع.

وتتميز الشيلات الحديثة بسرعة مبالغ فيها للقصيدة، وإيقاع عالٍ ومؤثرات صوتية متزاحمة.

ولا يخفى الخلاف بين من يرى الشيلات الحديثة الإلكترونية امتداداً للتراث القديم، وبين من يراها تعريباً للأغاني المُسرعة، التي انتشرت عالمياً بين الشباب في العقد الأخير.

وقد طرأت هذه التعديلات على مختلف الأغاني العربية، أكانت باللهجة المحلية، أو بأية لهجة عربية أخرى. بل وصلت إلى أغاني أم كلثوم، التي لم تسلم من هذه التعديلات التي يجدها الشباب على يوتيوب Youtube وساوندكلاود Soundcloud وغيرها من المواقع.

هل تؤثر الشيلات الحديثة في القيمة التراثية؟

لا يمكن لتعديلات كهذه أن تحط من مكانة أغنية لأم كلثوم. كذلك هو الحال مع موروث ثقافي ضخم من القصائد النبطية وشيلاتها.

فالشباب يرون أن إعادة التوزيع تقرب الأغنية إليهم وتجعلهم يتفاعلون معها ويرقصون، فيما ينبذها كبار السن، ذوو الأصول القبلية، ويستقبحون هذه الطريقة الحديثة في عرض الشيلات، بل يعتقدون بأنها تشويه التراث.

حينما دخل الشرع في النقاش

وصل الجدل حول الشيلات إلى الشيوخ ونقاشاتهم الفقهية. فلا تكاد تجد شيخاً دينياً أو مفتياً فقهياً، إلا وسُئِل عن حكمها. وبسبب ارتباط الشعب بالدين، فإن كثرة التساؤل الفقهي عنها قد يُعد دليلاً على رواجها.

وقد رأى أغلبية رجال الدين أن الشيلات نوع من الشعر النبطي لا أكثر، وأن قبيحه قبيح وحسنه حسن، ما لم تصاحبه الآلات الموسيقية، التي يٌحرمها معظم رجال الدين في الجزيرة العربية.

كانت هذه الأحكام وراء ذيوع فكرة لدى جمهور الشيلات، مفادها أن الشيلات أخف وطأة وإثماً من أشكال الأغاني الأخرى، إذ إنها تشبع رغبتهم بالطرب والرقص، وتوفر لهم طمأنينة بالغة حيال الحكم الديني.

ويبقى الجدل الأكبر قائماً حول المؤثرات الصوتية، مُستعيداً النقاشات التي سبق أن دارت في بداية الألفية، عند انتشار الأناشيد التي تُضاف لها إيقاعات ومؤثرات صوتية، كأناشيد مشاري العرادة، وأسامة الصافي، وغيرهما من المنشدين الذين استخدموا الدفوف والآلات في دعوتهم إلى الله.

أحمد بادغيش

مدون حجازي، مهندس نظم صناعية، مهتم بالفلسفة والفنون. @BdGhasha

كلمات مفتاحية
التراث السعودية

التعليقات

المقال التالي