على خشبة الحرب... هل مازال في سوريا عروض مسرحية؟

على خشبة الحرب... هل مازال في سوريا عروض مسرحية؟

لم يتوقف المخرج السوري مأمون الخطيب عن إخراج أعمال مسرحية في دمشق طوال فترة الحرب برغم الصعوبات الحياتية التي يواجهها الفنان في العاصمة السورية.

يعدٌد الخطيب هذه الصعوبات لرصيف22: انقطاع التيار الكهربائي واحتمال الإصابة بقذائف الهاون التي تطلقها فصائل المعارضة على أجزاء من المدينة، وتعذّر ارتباط الممثلين بمنهج البروفات اليومية.

أضف إلى ذلك قلة المردود المادي للعمل المسرحي في ظل اقتصاد يخنق أبناء البلد، وأصوات قصف بعيد يدك ريف العاصمة المُعارض للحكومة.

فكيف يُمكن أن يُنتج الخطيب فنّاً في مثل هذه الظروف؟

يجيب قائلاً: "ما زلنا نعيش ولدينا أمل بأن الحرب ستنتهي ونكون جزءاً من تاريخ الحدث. لم نجلس كمتفرجين على ألم بلادنا كما فعل سوانا".

صناعة الفن في أيام الحرب هو فعل مقاومة بحد ذاته. وقد تلخص مقولة أعطني مسرحاً أعطِك شعباً، إصرار الخطيب وغيره من الفنانين على عملهم.

فمعارك الحرب لا تقتصر على المدافع والرصاص، بل تتضمن معارك يومية للإبقاء على الفن والحياة في البلاد، ويقاتل الجسد الثقافي لئلا ينهار دفعة واحدةً أمام العنف.

وفي الوقت الذي دمر فيه تنظيم الدولة الإسلامية جزءاً من أحد أقدم مسارح العالم في مدينة تدمر، استمر أبناء البلد بالتعبير عن مواقفهم وآرائهم السياسة والإنسانية المتباينة، داخل سوريا، كما فعل الخطيب في دمشق أو مجموعة طريق الخبز في حلب أيام الحصار، وفي المهجر وبلدان اللجوء.

مسرح الحرب

يرى الفنان السوري يامن سليمان أنه لا يمكن إنكار وجود فئة في دمشق كالخطيب، مصرة على بعث الحياة في الجسد المسرحي، وقد ضاعفت طروحاتها وعملها وإنتاجها الفكري في أيام الحرب. وأبقت قلب مسارح دمشق نابضاً، وأظهرت الوفاء للجمهور المسرحي الذي ملأ كراسي المسرح في أشد الأيام سوء أمنياً.

أقوال جاهزة

شارك غردصناعة الفن في الحرب فعل مقاومة، وقد تلخص مقولة "أعطني مسرحاً أعطِك شعباً" إصرار الفنانين على عملهم

شارك غردحينما يكون الواقع أشبه بفيلم رعب، هل يبقى مكاناً للإنتاج المسرحي في سوريا؟

"أذكر أنه في عرض مسرحية نبض كان الجمهور يملأ المسرح و قذائف الهاون تنزل حول المكان بكثافة"، يقول سليمان.

لكن المشكلة، برأيه، تكمن في المواضيع التي تطرحها هذه الأعمال. فقد استطاع المسرح أن يتجاوز بعض الخطوط الحمراء في طرح موضوعات تتصل بالسياسة والجنس والدين والاقتصاد والمجتمع والتاريخ قبل الحرب.

ونجح السوريون في إنتاج بعض المسرحيات التي تحاكي أزمات يومياتهم بصورة مدروسة، تحت سقفٍ معين لا يمكن تجاوزه، وقد تجلى ذلك بوضوح في أعمال الماغوط ونهاد قلعي مع صيحات دريد لحام، ومحورها الفساد والسرقة.

إلا أن الصراع الذي بدأ عام 2011 جعل الطرح الوحيد للمسرح في سوريا هو الصراع وإفرازاته وأسبابه. تقول الفنانة السورية راما عيسى: "المتفرج يهرب من بيته ومن الحرب ليشاهد الحرب داخل المسرح أيضاً".

وهو ما تعتبره أمراً مرفوضاً. فالمواطن، برأيها، يحتاج لأن يتنفس هواءً مختلفاً خلال الساعة التي يمضيها في المسرح، كما أنه لا ينبغي توثيق النزاع في سوريا بشكل آني وسريع. تقول: "علينا أن نترك هذه المهمة للتاريخ".

ما تبقى من المسارح؟

قد يبدو الحديث عن المسرح ترفاً إذا ما خرجنا بعيداً عن العاصمة دمشق والساحل السوري اللذين لم يصل إليهما القتال الدامي، كما هو الحال في المدن التي شهدت حراكاً معارضاً، ودماراً شمل بعض دور السينما والمسارح القديمة في حلب.

وفي حمص شهدت المنطقة القديمة أقسى الأيام بين عامي 2012 و 2013 تحول خلالهما واحد من أقدم مسارح المدينة، مسرح الكندي، إلى حُطام.

وقد شُيد البناء في عشرينيات القرن الماضي، كجزء من مجمع الروضة الثقافي الذي تضمّن مقهى وحديقة صيفية ومطعماً شتوياً ومسرحاً شهد حفلات وعروضاً كثيرة، من ضمنها حفلة لأم كلثوم وعبد الوهاب.

على الصعيد الإنساني خلّفت سنوات الحرب الخمس أكثر من مليوني جريح وقتيل، بحسب تقديرات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا،الإسكوا، العام الماضي. وتجاوز عدد النازحين 12مليون شخص.

فيما يعيش أكثر من 80% من سكان البلد تحت خط الفقر، بحسب التقرير ذاته، ويُحرم معظمهم من أساسيات الحياة.

فهل مازال بإمكانهم حضور عروض المسرح؟

لم يتغير سعر بطاقة تذكرة المسرح رغم تدهور العملة السورية، فما زالت تتراوح بين 100 و 150ليرة سورية، أي حوالي ربع دولار، فيما يبلغ متوسط دخل الفرد بحسب تقديرات تقارير محلية 50دولاراً. لذا فإن المسرح متاح لمن يرغب بدخوله. لكن أولويات الحياة لعائلة مكونة من 5 أفرادٍ مثلاً مدخولها 80دولار ستجعل المسرح رفاهية يفضلون الاستغناء عنها أو ارتديادها نادراً.

هامش في المدينة

ترى عيسى أن المسرح مضطهد في الحرب، وأن الفنانين لا ينالون أتعاباً مادية تساوي مجهودهم الكبير خلال التحضير لأي عمل. وتقول: "لا يكفي (المردود المادي) أجور التنقل لنصل ونتدرب ومن ثم نعرض على مدار عدة أيام".

وبالإضافة للمشاكل اليومية التي يعانيها الفنان، يفتقر المسرح للدعم الحكومي، الذي يأتي ثانوياً في ظل الحرب والمشكلات الاقتصادية والسياسية الملحة. كما يفقتد الكثير من المواهب. يقول سليمان: "لقد هجره الكثير من النخبة المسرحية لخارج الوطن أو إلى الشاشة السحرية. وبعضهم جلس في بيته معتكفاً".

وهو يرى أن ثمة مساحة محدودة يسمح فيها بالتعبير عن الرأي، وهذا المصطلح يستخدم عندما تصبح الحريات مقيدة بشروط وقواعد، لذلك سمّيت هامشاً، بينما هي مفتوحة وغير مقيدة في بعض الأمكنة.

طارق علي

صحافي سوري

كلمات مفتاحية
سوريا

التعليقات

المقال التالي