حملة دينية شرسة ضد صحافية سودانية شابة

حملة دينية شرسة ضد صحافية سودانية شابة
صحافية تتظاهر قرب صحيفة التيار السودانية اعتراضاً على قرار بإيقاف الصحيفة في مارش 2016

ترابط عربة محملة بعناصر من الشرطة السودانية أمام مقر صحيفة "التيار" السياسية السودانية، لحماية صحافييها من هجوم محتمل، وذلك على خلفية حملة شرسة تواجهها زميلتهم شمائل النور، من قبل متشددين إسلاميين قالوا إنهم سيلجأون إلى القضاء لمعرفة ما إذا كانت الصحافية ارتدّت عن الدين الإسلامي.

وسبق أن هاجم متشددون صحيفة "التيار" في العام 2014، وتسببوا بإصابات بليغة لرئيس تحريرها المهندس عثمان ميرغني كادت تودي بحياته، وذلك إثر مساجلات له بشأن التطبيع مع إسرائيل.

استدعاء المجتمع المحافظ

وناقشت شمائل في أحد أعمدتها تحت اسم "هوس الفضيلة" التدين الشكلي، وهو ما اعتبره متطرفون طعناً صريحاً في الدين. فسارعت عدة أقلام محسوبة على التيار الإسلامي، لمهاجمتها، في حملة شرسة بدأها صاحب امتياز صحيفة "الصيحة" التي تقع، للمفارقة، على بعد عدة أمتار من مقر "التيار".

كتب الطيب مصطفى مقالة بعنوان "المشوهون"، هاجم فيها "التيار" وصحافييها، وافتتحه باستعداء المجتمع المحافظ ضد شمائل النور من خلال وصفها بالمتحررة، ثم انطلق ليجتزئ ما قالته ويعلّق: "قالت إحدى "متحررات" الخرطوم في أخيرة إحدى صحف المقدمة وليس في "إنداية" (المسمى الشعبي لبيوت السُكُر) قالت: هل العقول التي تحمل هماً كبيراً بشأن تربية الأفراد وتعليمهم الصلاة والحجاب وتطويل اللحى... هل بإمكانها بناء دولة عصرية كانت أو حجرية؟".

وبعد وصف ما كتبته بأنه "ما تقيأته من أدران وأوساخ مكبات القمامة"، تابع مصطفى التحريض على الصحافية باتهامها بأنها ضد فريضة الصلاة: "الصلاة... في نظر تلك المسكينة شأن خفيفي العقول الذين ليس بمقدورهم أن يقيموا الدول المتحضرة، أما التافهون والتافهات والساقطون والساقطات فإنهم هم بناة الحضارة وصناع التاريخ".

وتابع تحريف ما قالته بكتابة: "ثم أن تلك الفتاة المستهترة سمت دعاة الفضيلة بالمهووسين بعد أن جعلت عنوان مقالها (هوس الفضيلة) تخيلوا! الفضيلة مجرد هوس يقترفه شذاذ الآفاق وضعاف العقول بما يعني أن دعاة الرذيلة هم العقلاء المؤهلين لبناء الدولة العصرية".

ولمزيد من تأليب الرأي العام ضدها قال: "بعض هؤلاء لن يرضوا قبل أن تفتتح أندية العراة في قلب الخرطوم أو يتاح زواج المثليين بحيث يتزوج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة فتلك هي الحرية الشخصية التي يبغون".

أقوال جاهزة

شارك غردانتقدت التدين الشكلاني فهاجمها كثر بتهمة الافتراء على الصلاة والنبي والصحابة واتهموها بالردة...

شارك غردفي السودان، ممنوع انتقاد الممارسات الخاطئة للمتدينين وإلا سيصيبك ما أصاب الصحافية شمائل النور

واستحضر مصطفى مقالة سابقة للكاتبة لكي يحرّض رال الدين عليها، إذ كتب: "أعجب أن تلك الفتاة حذرت في مقال آخر من عودة الدواعش التائبين من أبناء السودان من الخارج ثم تساءلت كيف يبقى الشيوخ والعقول التي جندت أولئك الشباب طلقاء؟ بما يعني أن على الدولة أن تعتقل من أثروا على أولئك الشباب فأحالوهم إلى دواعش. تقول تلك المغرورة ذلك وهي لا تدري أنها والله أحق بأن يفعل بها ما تنادي بأن يفعل لأولئك الشباب فهي وأمثالها هم السوس الذي ينبغي أن يحارب خوفاً من تأثيره على هذه البلاد وقيمها وعلى الفضيلة التي تشن الحرب عليها".

هجوم من منبر خطبة الجمعة

بدوره، انضم د. محمد علي الجزولي، وهو خطيب وإمام مسجد، إلى الحملة على الصحافية، وكتب مقالة بعنوان "شمائل والكلام المائل"، ومن ثم وسع من دائرة الحملة بتخصيصه خطبة يوم الجمعة لمهاجمة الصحافية، كما أعلن عن نيته التوجه إلى القضاء لمعرفة ما إذا كانت الصحافية مرتدة أم لا.

وفي مقاله، كتب الجزولي: "شمائل النور... يزعجها تركيز الدولة على الفضيلة ويؤرق مضجعها اهتمام الناس بتربية أولادهم بل ويخنقها اهتمام الناس بالصلاة لا أدري هل كنت أقرأ صحيفة عربية أم عبرية!".

ويمارس الجزولي التمييز ضد شمائل كونها فتاة، ويستحضر جملة من مقالها تقول فيها "من السهولة إسقاط الصرف على الصحة في الموازنة العامة للدولة ولكن يبقى عسيراً جداً أن نكسب معركة لمنح وزارة الصحة الحق في توزيع الواقي الذكري".

وعلى ذلك يعلّق: "تستنكر شمائل وتشعر بالأسى والحزن العميق على عدم كسبها لمعركة توزيع الواقي الذكري لماذا هذا الانزعاج والحزن والأسى أيتها الفتاة؟"، ويتابع: "قديماً قالت العرب الشخص بصمته يبقى مجهولاً فإذا تكلم عُرف!".

ولا يكتفي الجزولي بذلك، بل يخرج الصحافية من الملة الإسلامية، بقوله: "فالمدعوة شمائل لا تستنكر على الإسلاميين ما ولغ فيه بعضهم من فساد مالي واستبداد سياسي وإنما تنكر عليهم دعوتهم للحجاب، والأغرب من ذلك وأنكر تنكر عليهم اهتمامهم بالصلاة أيتها الفتاة إلى أي دين تنتمين وأي ثقافة تعتنقين؟".

تحريض شامل

والتحق الكاتب بصحيفة "الانتباهة" عارف الركابي بالحملة، وكتب مقالة بعنوان "هوس الرذيلة"، قال فيها: "هذه الكلمات "المنتنة" (الآثمة) لتطعن طعناً واضحاً في منهج القرآن الكريم في التربية والتنشئة، وتعيب منهج الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في بناء الأفراد والمجتمعات، وتخطئ هدي النبي صلى الله عليه والسلام الذي ربّى أصحابه أفراداً ثم جماعة، وبالتالي تحكم على نهج السلف الصالحين من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان الذين ينطلقون في إصلاحهم للدولة والمجتمعات بالبدء بتربية الأفراد، وحملهم على عبادة الله تعالى والاستقامة على الدّين".

ماذا كتبت شمائل؟

ولمعرفة كيف جرى تحريف كلام الكاتبة عن قصد، هذا هو نص مقالتها:

هوس الفضيلة

يتحدث الإسلامي التونسي عبد الفتاح مورو بثقة شديدة وثبات واضح حول اتجاه حركة النهضة التونسية إلى ما اعتقده البعض "علمنة" الحركة الإسلامية التي قدمت أنموذجاً ناصعاً في قضية التداول السلمي للسلطة.

في حلقة بثتها قناة الشروق في برنامج "مقاربات" شخّص مورو بعض العلل التي تعاني منها تجارب الحركات الإسلامية، خاصة التي تحكم، أو جربت الحكم... ثم عرّاها - تماماً - في بعض المسائل المتصلة بفرض الأحكام، وإنزال أنموذج اجتماعي محدد بقوة السلطة، وعرج على شهوة الإسلاميين في قيادة الدولة بمفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أن تكون القضية السلوكية هي محور فكر الحركات الإسلامية فهذا الحديث ليس مجرد اجتهاد لرمي الخصم... هي فعلاً قضية جوهرية، إن لم تكن الوحيدة في فكر الحركات، وتريد إنزاله بالقوة.

نحن في السودان نلنا نصيباً وافراً من هذه القضية، وأوردتنا وأوردت أصحابها ما عليه الحال الآن... على الدوام قضايا المظهر والتدين الشكلاني ظلت خطاً أحمر في فكر إسلاميي السودان... ويمكننا بالرجوع قليلاً إلى الوراء معرفة أن حجم القضايا التي تأخذ حيزها وتزيد، هي قضايا سلوكية.

على مدى السنوات الطوال من حكم الإسلاميين الدولة تحوّل أكبر همومها، هو فرض الفضيلة وتربية الأفراد، ومطاردة الحريات الشخصية بقانون النظام العام... ولنا أن نتوقف هنا، هذا القانون الذي لم يخلق فضيلة، ولن يفعل، هو من أكثر المسائل التي لا يجامل فيها الإسلاميون... من السهولة إسقاط الصرف على الصحة في الموازنة العامة للدولة، لكن يبقى عسيراً جداً أن نكسب معركة لمنح وزارة الصحة الحق في توزيع الواقي الذكري.

انشغال عقول الدولة الدائم بقضايا الفضيلة أكثر من اهتمامها بقضايا الصحة والتعليم والمعاش، وانغماسها في تربية الأفراد بدلاً عن إنتاج العقول، ينتج مثل هذا الهوس الذي يتربع على رؤوس الجميع.

هل العقول التي تحمل هماً كبيراً بشأن تربية الأفراد، وتعليمهم الصلاة، والحجاب وتطويل اللحى، هل بإمكانها بناء دولة عصرية كانت أو حجرية؟ التجربة السودانية - على وجه خاص - استغرقت من السنوات ما يكفي ويزيد، وفشلت حتى في مواجهة إخفاقاتها بالحجة، هل بإمكان مَن لا يزال يهتف بإيمان شعارات، مثل، أو ترق كل الدماء... هل بإمكانه أن ينهض بنفسه دع عنك النهوض بدولة كاملة؟


كلمات مفتاحية
حقوق المرأة

التعليقات

المقال التالي