إذا كنت سورياً في لبنان... هذا ما سيحصل عند زيارتك لسفارتك

إذا كنت سورياً في لبنان... هذا ما سيحصل عند زيارتك لسفارتك

"كل الأوراق الرسمية والأختام والطوابع والتصديقات أمرها هين وتأمينها ممكن ومتاح، إلا تصديق السفارة السورية… فهذا التصديق وحده يكلف جهداً ووقتاً ومالاً أكثر من كل الإجراءات الأخرى".

هكذا يبدأ الشاب نبيه (28 عاماً)، والذي فضل عدم ذكر اسمه كاملاً، رواية أحد أوجه الصعوبات التي يلاقيها كطالب سوري في لبنان: تجديد بطاقة إقامته السنوية.

اعلان


كان الأمن العام قد فرض منذ مطلع سنة 2015 قراراً جديداً ينظم حصول السوريين في لبنان على أوراق إقامة، إما عن طريق كفيل لبناني أو عبر عقد إيجار منزل أو بصفة طالب بالإضافة إلى طرق أخرى مختلفة. وقد كان بإمكانهم في الماضي المكوث في لبنان مستخدمين تصريح الدخول الذي يحصلون عليه من نقاط الأمن العام في المعابر الحدودية.

فوق المليون والمكان واحد

في أواخر العام المنصرم أصدرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان تقريراً أورد أن عدد اللاجئين السوريين المسجلين بلغ 1.011.366. يزاد عليهم بحسب تقديرات متفاوتة قرابة 400.000 سوري غير مسجل.

كل هؤلاء يراجعون السفارة السورية في معاملاتهم المختلفة، من تصديق أوراق إلى تسجيل زواج، مروراً بتأجيل الخدمة العسكرية واستصدار وتمديد جوازات السفر.

وكأن صعوبة حياة السوريين في لجوئهم لا تكفي، ليزاد على العراقيل اليومية هم تسيير أمورهم القانونية ومعاملاتهم الضرورية في سفارة بلادهم التي لا تقوم بالحد المقبول من واجباتها.

ينتظرون لساعات خارج السفارة في البرد والحر ويضيعون ساعات ثمينة من الوقت من أجل ختم أو توقيع يدفعون لأجله دولارات هم بأشد الحاجة لها.

ساعات وساعات من الانتظار

يعدد نبيه الأوراق المطلوبة منه للحصول على بطاقة إقامته.

"إفادة جامعية مصدقة من وزارتي التربية والخارجية اللبنانيتين ومن السفارة السورية، وإفادة سكن من المختار، وتعهد بعدم العمل من كاتب العدل، وإيصالات تثبت دفع الأقساط الجامعية، وكشف حساب مصرفي يثبت مصدر دخلي".

كل ورقة من الأوراق المطلوبة تكلفه، كحد أقصى، 30 دقيقة من الانتظار، ومبلغاً يتراوح بين 1000 و35000 ليرة لبنانية (0.65 إلى 24 دولار تقريباً).

إلا تصديق السفارة السورية على ختم الخارجية اللبنانية. فهو يستغرق ساعات وساعات من الانتظار، ومبلغ 25 دولار مفروضة كرسوم تصديق الوثيقة الواحدة، عدا كلفة المواصلات إلى المبنى الذي يقع على بعد قرابة 14 كيلومتر، في منطقة اليرزة جنوب شرق بيروت.

يتفهم نبيه معظم المتطلبات لإتمام المعاملة، لكنه يتساءل عن الهدف من إضافة ختم السفارة السورية على وثيقة صادرة عن جهة لبنانية وستقدم إلى جهة لبنانية.

"مراجعة السفارة لأي أمر هو هم جدي يستنزف تفكيري خلال أسابيع تسبق هذه المراجعة"، ويؤكد نبيه أن الشرح لا يفي الأمر حقه، فلا بد من التجربة لاختبار مدى معاناة مئات من السوريين كل يوم في المكان الذي يمثل بلادهم.

لا يتناسب عدد موظفي السفارة وضعف أدائهم وسوء نظام العمل ومواعيد المراجعات مع احتياجات ملايين السوريين المقيمين في لبنان. ولا مع المداخيل المالية التي يقومون بتأمينها للسفارة عبر الرسوم والطوابع.

أقوال جاهزة

شارك غرد"مراجعة السفارة هم جدي يستنزف تفكيري خلال أسابيع تسبق هذه المراجعة".. عن سفارة سوريا في لبنان

شارك غردرحلة مواطن سوري لإتمام معاملة في سفارة بلاده في لبنان... رحلة العجائب

فعملية حسابية بسيطة مبنية على ملاحظات مراجعي السفارة تفضي إلى أن متوسط حصيلة ساعة العمل لكوة المصادقات هي 1000 دولار، بينما كوة جوازات السفر تتجاوز حصيلتها الـ2400 دولار عن المدة نفسها.

رحلة الدخول إلى السفارة

حاول نبيه الاستفادة من النظام الجديد المفعل في موقع السفارة على شبكة الإنترنت، والذي يفرض حجز موعد مسبق قبل الذهاب لإتمام معاملة ما.

وفي يوم الموعد المحدد، وصل إلى مفرق قريب من السفارة وهو يظن أن التسجيل عبر الإنترنت سيختصر ساعات الانتظار.

توقف التكسي هناك، عند المفرق، ورفض نقله إلى المدخل. فالإجراءات الأمنية تجعل وصول العربات إلى أبعد من ذلك أمراً صعباً، خاصة مع وجودها بالقرب من وزارة الدفاع اللبناني. فاضطر نبيه  إلى السير.

استوقفه عسكري لبناني في حاجز مخصص للمشاة للتأكد من أوراقه الثبوتية.

أكمل سيره إلى مدخل السفارة حين استوقفه عسكري آخر أمره بالانتظار في مساحة حرجية وعرة محاذية للسفارة مع ما لا يقل عن 170 مواطناً سورياً ينتظر دوره.

كانت الساعة تشير إلى الثامنة والربع، ولا يفصله عن الموعد الذي حجزه قبل أسابيع سوى ربع ساعة. لكنه اكتشف أن تصديق الأوراق لا يحتاج إلى موعد، بخلاف ما أورده موقع السفارة.

لذا بقي منتظراً  في طوابير المساحة المحاذية للسفارة، حتى سُمح له عند العاشرة والربع أن ينتقل إلى طابور جديد عند المدخل الخارجي للمبنى.

انتظر لثلاثة أرباع الساعة، سلم هاتفه الخلوي لأمن السفارة، ثم دخل المبنى.

داخل السفارة

مبنى السفارة جيد ونظافته لا بأس بها ما خلا دورات المياه.

هناك عدد لا بأس به من المقاعد تتيح للمراجعين انتظار استلام معاملاتهم جلوساً، كما أن التدفئة معقولة، وتعامل الموظفين مع المواطنين أفضل بقليل مما هو عليه الأمر في الدوائر الرسمية داخل سوريا.

كما أن حالات طلب رشوة ملحوظة وعلنية، كما جرت العادة في الدوائر الرسمية السورية، نادرة. وهو تحسن طرأ على المكان خلال العام الماضي.

لكن للفتيات الجميلات، بعرف بعض الموظفين، معاملة مميزة في العادة. وهناك أيضاً المحسوبيات وهي أمر لا مفر منه.

فهناك من "يقفز" بدون أي مبرر من آخر الصف إلى أوله، وهناك معاملات كثيرة يتم ختمها وتوقيعها ضمن القسم المخصص للموظفين دون اتباع الإجراءات المفروضة على المراجعين العاديين.

الانتظار الأخير

في الداخل كان طابور ثالث ينتظر نبيه الذي اتخذ مكانه فيه لأكثر من ساعة حتى وصل إلى الكوة وسلم الإفادة الجامعية ودفع الرسوم المحددة. خُتمت الإفادة وأُلصقت الطوابع وبقي توقيع القنصل.

انتظار أخير لنبيه، جاء بعد تجميع المعاملات ونقلها إلى القنصل لتوقيعها. انتظار أن يخرج أحد الموظفين وبيده كدسة من المعاملات، ويبدأ بالنداء على أصحابها بصوت عالٍ.

طالت المدة لأكثر من ساعتين. ثم سمع نداء اسمه وحصل على معاملته.

"عليك أن ترى وجوه الخارجين من السفارة بعد قدومهم بست ساعات، مزيج من السخط والفرح... كان يمكنك أن تسمع بوضوح كاف تمتمات كثيرة غاضبة" يقول نبيه.

يُلفت مبتسماً أنه كل ما دخل مبنى السفارة ترددت في رأسه تلقائياً الموسيقى التصويرية الخاصة بمسلسل "بقعة ضوء" السوري الشهير، والذي دأب على انتقاد بيروقراطية الدوائر الرسمية في سوريا بطريقة كوميدية.

ويستطرد: "أتيت السفارة عند الثامنة والربع قبل موعدي بربع ساعة، وخرجت منها قبيل الثالثة، فقط من أجل ختم وطابع وتوقيع".

صحافي سوري مقيم في لبنان.

كلمات مفتاحية
سوريا لبنان

التعليقات

المقال التالي