7 دول عربية تمنحك رخصة القيادة وأنت لا تجيد تشغيل المحرك

جلس أحمد مصطفى في مقعد السيارة وبجواره مدرب السياقة حسين بحر. أراد أن يُشغل محرك العربة، فداس على المكبح بدلاً من دواسة البنزين، واستشاط مدربه غضباً.

يعمل بحر في مدرسة تعليم السياقة بمنطقة عالي، شمال البحرين. ويعلم أنه يتعامل مع مبتدئين لم يقودوا عربات في السابق، فلا تغضبه أخطاؤهم. لكن حالة مصطفى مختلفة، فهو يحمل رخصة صادرة عن إدارة المرور في مصر.

الحصول على رخصة قيادة في البحرين ليس بالأمر الهيّن. عليك اجتياز 22 ساعة تدريب، تتراوح تكلفة الساعة الواحدة بين 20 و 35 دولاراً أمريكياً، قبل خوض امتحان صارم.

ومع ذلك، تمنح قوانين الهيئة العامة للمرور حاملي رخص بعض الدول الحق في تقليص عدد ساعات التدريب، وهو ما حاول مصطفى الاستفادة منه. لكن الوضع في المملكة الخليجية الصغيرة مختلفاً عن مصر حيث حصل على رخصته.

صاح بحر في مصطفى بانفعال وقال بالعامية البحرينية : "شنو هذا؟ ما تعرف دواسة البنزين؟ شلون أخذت الرخصة في مصر؟".

سادت لحظة صمت قطعها مصطفى بصوت متلجلج: "دي أول مرة أسوق سيارة في حياتي، نصحوني أطلع الرخصة المصرية قبل ما أوصل البحرين.. وصلتني على البيت بدون تدريبات واختبارات".

حصل مصطفى على الرخصة عام 2014 من سمسار شاب في مدينة 6 أكتوبر، مهمته إنجاز جميع الإجراءات ليحصل الزبون على الورقة التي تسمح له قيادة عربته.

فهو يقوم بالتنسيق بين مواطنين يرغبون في إتمام المعاملة دون انتظار ساعات التدريب، وبين رجال مرور مهمتهم إصدار هذه الرخص مقابل مبلغ يحدده السمسار.

استسهال أم ابتزاز؟

حال المصري مصطفى، وهو مهندس حاسوب آلي في العقد الثالث من عمره، يشابه حال آلاف المصريين والعرب الذين حصلوا على رخصهم مقابل رشوة من دون الخضوع لفحص فني أو اختبار دقيق.

بعضهم يوافق مصطفى في الرأي القائل: "ليه أقف  في طوابير طويلة مع الروتين الممل ومدرب يتنرفز عليا طالما أقدر أنجز في السريع"؟

فيما يُجبر البعض الآخر على دفع الرشوة نتيجة ابتزاز المدربين، في أنظمة جعلت أسرع طريق بين نقطتين هو الخط المحفوف بالرشوة.

لذلك، فإن كثيراً ممن يقبعون خلف المقود في العالم العربي لم يتعلموا قوانين السير أو أصول السياقة، مما ينعكس سلباً على حال المرور والطرقات. فما هي الدول التي تعطي رخصاً "ديلفري" مقابل الرشوة، وماهو حال أمن طرقاتها؟

accidents

موظفو المرور هم الأكثر فساداً في مصر

أظهر تقرير الجهاز المركزي للإحصاء عام 2015  أن عدد حوادث الطرق في مصر بلغ 14500، تسبب السائقون في 64% منها. وفيما قدر الجهاز الخسائر المادية التي خلّفها هذا العدد الهائل من حوادث السير بحوالي 30.2 مليار جنيه، أشار إلى بلوغ عدد ضحايا تلك الحوادث على مدار العام نفسه 25500، بين قتيل ومصاب، مات 6203 منهم.

أقوال جاهزة

شارك غرد"ليه أقف في طوابير طويلة..طالما أقدر أنجز في السريع"؟ يمكنك شراء رخص قيادة دون أي تدريب في 7 دول عربية

شارك غرديحدد السمسار سعر الرخصة "الدليفري" وتصل إلى باب منزلك بدون امتحان. فهل القيادة في العالم العربي آمنة؟

دفع مصطفى 1200 جنيه ( 70 دولاراً أمريكياً ) مقابل "الرخصة الديلفري"، شملت جميع المعاملات الورقية كاستخراج شهادة لياقة طبية مثلاً أو طباعة الأوراق والحصول على الصور اللازمة.

إلا أن السعر يتفاوت بحسب عدة عوامل، أهمها المستوى الدراسي ومكان الإقامة والعمل، يحاول السمسار من خلالها تحديد الحالة المعيشية لصاحب الطلب.

وقد رصد تقرير صدر عن المركز العربي للنزاهة والشفافية عام 2015 تحت إسم «مقياس الرشوة المصري» مؤشرات الفساد داخل المؤسسات الحكومية، تصدرته وحدات المرور التي كانت الأكثر قبولاًً للرشوة.

Accidents2

 تونس: ادفع باكو تأخذ رخصة

في تونس، لا يبدو نظام الرخص المدفوعة الأجر مغايراً عن نظيره في مصر، مع وجود بعض الفروق في الطريقة التي تدفع من خلالها الرشوة.

أحلام بلعيد طالبة جامعية تونسية بولاية المنستير، وقد عرض عليها مركز تعليم القيادة الذي التحقت به قبل نحو شهرين، تسهيل الحصول على الرخصة مقابل ألف دينار تونسي ( 437 دولاراً أمريكياً).

روت أحلام: "قالوا لي إن التدريب العادي لا يضمن الشهادة وإن لديهم علاقات جيدة مع الممتحن، الذي سيجعلني أنجح. يجب أن أدفع الباكو". وهي تعرضت للابتزاز بعد إصرارها على سلك الطرق الرسمية في الحصول على الرخصة.

مع ذلك، فإن العلاقات القوية التي نشأت بين أصحاب المدارس ورجال المرور، لا تمثل الطريقة الوحيدة للحصول على رخصة من دون إلمام بقواعد السياقة.

فمن الممكن الحصول على رخصة مزورة من ليبيا، واستخدامها في تونس حيث تسمح السلطات لأصحاب الرخص من البلدان المجاورة القيادة من دون معادلتها أو إجراء اختبار فني. وهو ما قام به بلقاسم ماجد ( إسم مستعار )  ليتمكن من قيادة سيارته الرياضية.

ويظهر المرصد الوطني للمرور في تونس أن أهم العوامل المتسببة بالحوادث عام 2015  تتعلق بمخالفة الإفراط في السرعة والسهو وعدم احترام الأولوية في المرور.

الجزائر: رشوة في وضح النهار

دفعُ رشوة للحصول على رخصة قيادة مركبة شائع في الجزائر ولا يمر معظم الجزائريين من الاختبار بدون منح بعض المال للممتحن عن طريق المدرسة كما هو الحال في تونس.

وبحسب بوجمعة طلعي، وزير الأشغال العمومية والنقل في الجزائر، فإن العنصر البشري هو السبب الرئيسي لحوادث الطرق بنسبة 95٪.

يروي الشاب عريف عز الدين تجربته  لتعلم السياقة في دائرة النقل بولاية سكيكدة الجزائرية، حيث صارحه مدير المدرسة منذ اللحظة الأولى قائلاً بالعامية: "أثمان رخصة السياقة فيها نوعين، النوع الأول تخلص تدي والنوع الثاني تخلص وتفوت برك ( تمر بالبركة )".

ويقول عز الدين إن الممتحن سأله عن المبلغ الذي دفعه في المدرسة، وعندما علم أنه لم يدفع أكثر من الرسوم الرسمية للتعلم، طرح عليه 3 أسئلة سهلة حول القيادة قبل أن يطلب منه مغادرة السيارة.

"اتصلت بمدير المدرسة بعد الامتحان وقال لي: "أنت ما ديتش. واش بيك ما سلكتيهش؟"، يقول عز الدين، شارحاً أن المدير أعلمه عبر الاتصال بأنه لم ينجح، وتساءل لِم لم يتجاوب مع الممتحن ويدفع له.

كشف استطلاع أجرته صحيفة الشروق الجزائرية على مدارس السياقة بمدينة وهران، عن مساومات وابتزاز يقوم بهما بعض "الممتحِنِين" الذين صاروا يطلبون "في وضح النهار" من أصحاب مراكز التعليم حصة من المال لتمكين المتدربين من اجتياز الامتحانات والحصول على الرخصة وإن كانوا لا يفقهون شيئاً من قانون المرور.

كما كشفت الصحيفة عن رسوم مالية يفرضها المبتزون تُعرف بالـ "التشيبة" وتصل إلى 10 آلاف دينار جزائري ( نحو 90  دولاراً أمريكياً ).

لبنان: من دون "حلوانة حرزانة" لن تحصل على رخصة القيادة

في لبنان، يشير أنطوان الحاج، خبير القيادة الدفاعية بجمعية اليازا،  إلى أن الامتحان الشفهي يحصل منفرداً بين أحد أعضاء اللجنة الفاحصة في هيئة إدارة السير وبين التلميذ. ويقول إن التلميذ يتعرض لطرح السؤال نفسه شفهياً مرات عدة بأساليب متنوعة بهدف إرباكه، مما قد يدفع به إلى الإجابة خطأً في إحدى المرات، فيُسجّل أنه "راسب" إذا لم تكن "الحلوانة الحرزانة" أو الرشوة الكافية جاهزة.

وقد سُجل في لبنان 2651 حادث سير، خلّفت 3658 جريحاً و476 قتيلاً عام 2015 بحسب إحصاءات المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي.

المغرب : 20 دولاراً للممتحن مقابل الرخصة

تبلغ  تكلفة الرشوة الشائعة للمدرب في المغرب نحو 200 درهم مغربي ( 20 دولاراً أمريكياً ). يقول أحد مدربي السياقة: " إن العشرين دولاراً تكفي لاجتياز الامتحان بكل ارتياح، مع استفادة المتدرب من مجموعة من التسهيلات شرط أن لا يقوم بإصابة أيٍ من الأعمدة، لأن ذلك خطأ قاتل لا يمكن للمراقبين غض الطرف عنه".

دفع الرشوة بات عرفاً. فأول ما يقوله المراقب للمدرب لدى وصوله إلى مكان الامتحان: ''واش كلهم داخلين؟" في إشارة للممتحنين، فيجيب المدرب بنعم، أي أنهم دفعوا جميعاً المبلغ المتفق عليه، وبإمكانهم النجاح الآن.

وقد شهدت سنة 2015 ارتفاع معدل حوادث السير بالمغرب، وحصيلتها 3565 قتيلاً، أي بزيادة 184 قتيلاً مقارنة بسنة 2014. وتشير بيانات رسمية إلى أن المغرب يتكبد نحو 1.6 مليار دولار بسبب حوادث السير، أي 2.5% من الناتج الإجمالي المحلي.

اليمن: تأتيك الرخصة إلى فراش النوم

ينتشر الفساد  على نطاق واسع في اليمن، وخصوصاً مع اندلاع الحرب الأهلية، ولكن رشوة الرخص تختلف جزئياً عن بقية الدول العربية حيث يتصدر المشهدَ المسؤولون أنفسهم، لا المبتزون أو الوسطاء كما هو الحال في مصر وتونس.

يقول محمد السعيدي وهو طالب ماجستير يمني في دبي، إنه حصل على رخصته في بلده باتصال هاتفي بأحد المسؤولين في أمانة العاصمة صنعاء. ووصلت الرخصة إلى "فراش النوم"، بحسب قوله.

وأضاف: "كنت أود تسهيل إجراءات الرخصة في الإمارات لاختصار عدد ساعات الدراسة إذ لدي رخصة من بلد آخر".

لكن الصدمة التي اكتشفها تمثلت في صعوبة الامتحان في دبي، حيث يصف المقيمون هناك الحصول على رخصة قيادة مركبة كالحصول على شهادة الدكتوراه، ويضيف السعيدي: "بعدما اطلعت على الوضع في دبي، علمت أن رخصتي بلا قيمة".

وقد توفي 3239 شخصاً في اليمن بسبب حوادث الطرق عام 2015 وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

ليبيا: عدد قتلى أخطاء الطرق يفوق عدد ضحايا الحرب

ليست الرشوة الطريقة الوحيدة للحصول على رخصة ليبية، فالتزوير شائع في خضم الفوضى التي تشهدها البلاد منذ سنوات.

وقد احتلت ليبيا المركز الأول في العالم العربي من حيث نسبة وفيات الحوادث المرورية بالمقارنة مع تعداد السكان، بحسب تقرير الصحة العالمية. وقد فاق عدد ضحايا حوادث السير عدد قتلى الحرب والسلاح إذ لقي 4398 شخصاً حتفهم على الطريق. أي بمعدل 73.4 حالة وفاة لكل 100 ألف نسمة.

إسلام الزيني

صحفي ومنتج تلفزيوني، عمل في شبكة الجزيرة الإعلامية سابقاً وهو مراسل لصحف ووكالات أنباء بريطانية. ينتج تحقيقات إستقصائية حول قضايا حقوق الإنسان والفساد في الشرق الأوسط.

كلمات مفتاحية
الفساد

التعليقات

المقال التالي