أبنائي لا يحبون العربية… فكيف إذاً أعلمهم الفصحى؟

أبنائي لا يحبون العربية… فكيف إذاً أعلمهم الفصحى؟

رضخ منير إمام في نهاية الأمر لرغبة نجله محمود في دراسة بكالوريوس إدارة الأعمال بكلية البحرين التقنية، Polytechnic بوليتكنك، حيث تُعدّ الإنجليزية هي اللغة الأساسية والوحيدة للتعليم والتواصل بين الطلبة والمعلمين.

دارت نقاشات محتدمة كثيرة في منزل العائلة بضاحية السيف الواقعة بالعاصمة البحرينية بين إمام الذي درس بجامعة الأزهر ويقدّر قيمة اللغة العربية ومحمود الذي يرى أنها لغة لم تعد تصلح إلا للأفلام والمسلسلات الدرامية.

كان هدف محمود هو الابتعاد عن دراسة مواد اللغة العربية في جامعة البحرين الحكومية وضمان دراسة بقية المواد التخصصية باللغة الانجليزية، بينما أراده والده أن يواصل الدراسة بالعربية ليطور مهاراته الضعيفة في هذه اللغة.

وبعد جدال طويل، استطاع محمود أن يقنع والده بأن فرصه الوظيفية بعد التخرج ستكون ضعيفة إذا لم يستطع تطوير لغته الإنجليزية، لأن اللغة العربية برأيه "معقدة لا تواكب العصر الحالي".

لم يكره الأبناء دروس اللغة العربية؟

تواجه اللغة العربية في العصر الحاضر انتقادات متصاعدة تتمحور حول جدوى الاستمرار في استخدامها كلغة رئيسية في مؤسسات التعليم الأكاديمي، وذلك نظراً لعدم ملاءمتها سوق العمل حيث يحتاج الطلبة الجامعيون في العديد من الدول العربية إلى إتقان اللغة الإنكليزية وربما لغات أخرى للحصول على فرصة جيدة.

لهذا السبب، انطلقت في السنوات الأخيرة جامعات في الخليج تستخدم اللغة الإنجليزية حصراً في العملية التعليمية، وهذا ما يشير إلى تراجع دور اللغة العربية في المؤسسات الأكاديمية العربية.

ويصف محمود دراسته للغة العربية مدة عشر سنوات في المدارس الحكومية بالبحرين، بأنها "تجربة صعبة". يقول: "شعرت وكأن مهمة مدرسي اللغة العربية هو تحقيق التعاسة للطلاب وجعلهم يكرهون لغتهم. لا أريد تكرار هذه المعاناة".

أقوال جاهزة

شارك غرديشعر الطلاب وكأن مهمة مدرسي اللغة العربية هو جلب التعاسة وجعلهم يكرهون لغتهم... فما الحل؟

شارك غردكيف يقال أن العربية لغة جامدة في الوقت الذي يضم معجمها آلاف المصطلحات الحديثة؟

ما هي أخطاء مدرسي اللغة العربية؟

لا تقبل الدكتورة هنادا طه، أستاذة كرسي اللغة العربية في جامعة زايد في مدينة دبي، النقد الذي يصف اللغة العربية، بلهجاتها المختلفة وبفصيحها، بالجمود ومجافاة العلم وسوق العمل. تقول: "هي لغة، ككل اللغات الحيّة، قابلة لأن تحتوي على تطورات العلم والاقتصاد والتكنولوجيا وسوق العمل، بدليل أن معاجمنا العربية اليوم تضم الآلاف من المصطلحات والتعابير الحديثة الأعجمية التي وجدت لها مكاناً في اللغة العربية بسبب مرونة هذه اللغة".

لكن الخلل، برأيها، يكمن في طرق التدريس وليس في اللغة نفسها.

لذا سخرت طه مشوارها المهني لتطوير التعاطي مع اللغة في الفصول المدرسية. فقد صممت معايير أداء لتعليم اللغة العربية من صف الروضة حتى الثاني عشر، تبناها مجلس أبوظبي للتعليم عام 2011. وتطبق اليوم في مدارس أبوظبي والعين ومدن إماراتية أخرى، بالإضافة إلى مدارس في السعودية والبحرين وعُمان.

لا داعي للدقة المتناهية

تشير طه إلى أن مجتمعات واقتصاديات المعرفة "لم تعد تحتمل تلك الدقة المتناهية في اللغة والتوقف عند كل صغيرة وكبيرة فيها، وبخاصة لدى غير المتخصص".

فهي ترى أن الأساتذة يمضون وقتهم في تعليم النحو والصرف وتفصيلاتهما بشكل نظري، بدلاً من أن يتحدثوا باللغة الفصحى مع الطلاب خلال الخوض في نقاشات ممتعة عن الأفكار والعلوم المختلفة.

تقول طه: "لو أن كل أستاذ للغة العربية تحدث مع طلابه بهذه اللغة الخالية من الخطأ، منذ صف الروضة، لتعلم الأطفال النحو وقواعده دونما عناء أو كراهية".

يتفق معها الدكتور محمد عبد الصبور، أستاذ اللغة العربية بجامعة الملك سعود في الرياض، ويطبق ما ذكرته على دراسة البلاغة. فهو يتمنى لو أن الأساتذة ركزوا على مناقشة نصوص أدبية رفيعة المستوى مع التلاميذ دون الخوض في مناقشة أساليب بلاغية صعبة. فالهدف، برأيه، هو تنمية الذوق اللغوي للطلبة والشعور بالمجاز، بالإضافة إلى تدريس نصوص مترجمة والتنبيه على الأخطاء الأسلوبية واللغوية الشائعة.

الابتكار يبسط تدريس اللغة

إن الحلول المبتكرة هي السبيل السهل لتقريب اللغة إلى قلوب الأطفال. كأن تعد مثلاً جائزة لأدب الطفل، يكون الأطفال هم لجنة الحكم فيها مثل جائزة كتابي. وهو تماماً ما تقوم به طه كمستشارة لمشروع  عربي 21 الذي أطلقته مؤسسة الفكر العربي عام 2009 لتطوير اللغة العربية وطرائق تدريسها من خلال العمل على بناء البنية التحتية الأساسية للتعليم بها. وعليه، يحاول البرنامج الحصول على تمويل كاف للقيام به.

وقد استطاع المشروع خلال مشواره القصير أن يساهم في إطلاق أول نظام عربي لتصنيف كتب أدب الأطفال، وعددها 3000، بالإضافة إلى جائزة كتابي التي تشجع الأطفال على القراءة ونقد الأدب الخاص بهم.

المدرسون يصعبون اللغة

هنالك أسباب مختلفة، في رأي طه، تجعل دروس العربية ثقيلة على الطالب. من هذه الأسباب، الإعداد غير الجيد لمعلمي اللغة، وعدم توفر كتب أدب الأطفال في المدارس، بالإضافة إلى المناهج المملة والخالية من العنصر البصري المثير للاهتمام.

كما أن بعض المدارس، لا سيما الخاصة منها، لا تخصص لدروس اللغة العربية الوقت الكافي، وهو أمر بدأت تتنبه له الهيئات والوزارات إذ وضعت قوانين تحكم المدة الزمنية لتدريس اللغة العربية وتفرض على المدارس الالتزام بها.

تسهيلات للكبار وإهمال للصغار

اللافت أن للباحثين الأمريكيين اهتمامات ببنية اللغة العربية أكثر من الباحثين العرب، وهو ما أشار إليه الكاتب عبد الرازق تورابى خلال مناقشة كتابه "صرف - تركيب اللغة العربية" في معرض القاهرة الدولى للكتاب خلال الشهر الجاري.

وهذا ما يجعل مجال تعليم العربية للكبار غير الناطقين بها مجالاً مزدهراً منذ ما يقارب العقد، ويشهد تطوراً هائلاً في الدول الغربية حيث تنظم المؤتمرات الدولية حوله وتجرى الأبحاث والدراسات بشأن طرائق تعليم العربية للناطقين بغيرها، بحسب طه.

فما ينقص اليوم هو تطوير هذا النوع من التعليم ليلائم بعض الأطفال العرب الذين لم تعد العربية لغتهم الأولى، وعلينا التعامل معهم كما لو أنهم لا ينطقون بها.

وتختم: "هناك في العالم العربي عدة مؤسسات لتدريس الكبار برعت أيضاً في هذا المجال، وصارت قبلة أنظار الأجانب. ولكننا نحتاج إلى العمل لتطوير تعليم العربية للصغار وللناطقين بغيرها في المدارس، لأننا ما زلنا نعاني من الخلط بين ما يحتاجه الناطق بالعربية وما يحتاجه الناطق بغير العربية، فالمجالان مختلفان".

إسلام الزيني

صحفي ومنتج تلفزيوني، عمل في شبكة الجزيرة الإعلامية سابقاً وهو مراسل لصحف ووكالات أنباء بريطانية. ينتج تحقيقات إستقصائية حول قضايا حقوق الإنسان والفساد في الشرق الأوسط.

التعليقات

المقال التالي