بعد تقرير "أمنستي"... ناجون من الموت في صيدنايا يتحدثون إلى رصيف22

بعد تقرير "أمنستي"... ناجون من الموت في صيدنايا يتحدثون إلى رصيف22

مازال علي أبو دهن يستيقظ من نومه في الليل مذعوراً وهو يصرخ ويبكي."أنا ما زلت سجيناً"، يقول  لرصيف22.

ظلمة ذلك الحبس البغيض تطارده بعد حوالي 17 عاماً من الإفراج عنه. يذكر الصمت المؤلم الذي لا تخترقه سوى دعسات السجان وضجيج مفاتيحه وهو يقحمها في أبواب الزنزانات وصوت قطرات مياه تُسمع بين حين وآخر في ظلام لا يخترقه أي نور: إنه سجن صيدنايا العسكري في سوريا، وهو واحد من أسوأ سجون العالم سمعة.

"سوف تعاني الأمرّين للعثور على سجين سابق في سجن صيدنايا يكون قادراً على أن يسرد عليكم ما حصل هناك فعلاً. وذلك لأن ما حصل هناك أمر مهين بكل بساطة"، يقول سجين سابق لمنظمة العفو الدولية.

أبودهن هو أحد الناجين. وقد اعتُقل عام 1987 أثناء زيارته لدمشق بسبب معارضته التواجد السوري في بلده لبنان. أمضى 13 عاماً في مُعتقلات مختلفة، من بينها 8 سنوات في صيدنايا.

يعود هذا السجن إلى الواجهة اليوم بعدما نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً يوم الثلاثاء استطاع توثيق إعدام 13 ألف سجين فيه بدون محاكمات قضائية، من بينهم نساء وأطفال، بين سبتمبر 2011  وديسمبر 2015. وقد وصف التقرير صيدنايا بالـ "مسلخ البشري"

Sednaya-prison

وأكدت المنظمة أن هذا العدد الهائل من الأشخاص قتلوا بعد أن اقتيدوا من زنزاناتهم على شكل مجموعات تتألف من حوالى 50 شخصاً، إلى إحدى غرف القبو، كي يتم إعدامهم شنقاً وبالسر. وكانت عملية شنق الشخص الواحد تستمر من دقيقة إلى 3 دقائق كحد أقصى.

الحفلة

كان السجّانون يطلقون على عملية الإعدام الجماعية مصطلح "الحفلة".

وتكرّرت هذه "الحفلات" بشكل أسبوعي، وبواقع مرتين في الأسبوع أحياناً، على مدار خمس سنوات. وكانت الجثث تنقل بعدها إلى مستشفى تشرين لتسجيلها ثم تدفن في مقابر جماعية  في أرض تابعة للجيش في قرية "ناجحة" التي تقع على الطريق الواصل بين دمشق والسويداء، وفي بلدة "قطنا" الصغيرة الواقعة في الضواحي الغربية من دمشق.

وتشير المنظمة إلى أن غالبية هؤلاء الأشخاص هم من المدنيون الذين يعتقد أنهم من معارضي الحكومة.

يتألف السجن من مركزين للاحتجاز، يضمان من 10 آلاف إلى 20 ألف شخص، اعتُقل معظمهم بعد العام 2011. ويُشكل المدنيون غالبية المعتقلين في المبنى الأحمر، فيما يضمّ المبنى الأبيض غالبية المحتجزين من ضباط وجنود سابقين في الجيش السوري.

وقد أجرت المنظمة مقابلات مع 84 شاهداً، من بينهم حراس سابقون وسجناء ومحامون وقضاة.

انتظار لحظات التعذيب

اعتُقل الشاب السوري ماهر إسبر في أواخر العام 2005، على خلفية إنشائه "تجمع شباب من أجل سوريا" الذي يعنى بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وتأسيسه مع أصدقائه لمدوّنة بإسم "هوية"، تناولت قضايا سياسية معارضة.

حُكم أمام محكمة أمن الدولة العليا بتهمة محاولة قلب الحكم السياسي، وانتقل بعدها إلى سجن صيدنايا العسكري.وقد أُفرج عنه عام 2011 بعدما شمله العفو الرئاسي.

"حين يتعرض الشخص للتعذيب، يصرخ بشكل مخيف، وكأنه ليس من البشر أصلاً. وأقسى الصرخات هي تلك التي تسبق فقدان الشخص لوعيه بلحظات"، يقول إسبر لرصيف22 واصفاً 6 سنوات قضاها خلف قضبان صيدنايا.

Screen-Shot-2017-02-07-at-12.45.05-PM

ويؤكد أنه شهد على موت أحد الأشخاص معه في الزنزانة جراء التعذيب، بعد أن ضربه السجان على رأسه بآلة حادّة.

"بعد إعدام أحد الأشخاص بوقتٍ قليل جداً، تم نقلي إلى الزنزانة المنفردة التي كان محتجز فيها. فوجدت بعد دخولي إليها، رسالة كان قد كتبها لإبنته بمناسبة عيد ميلادها وبلوغها الأربع سنوات. كما أنه كان قد صمّم لها لعبة، ظناً منه أنّه كان سيلتقيها مجدداً"، يقول إسبر واصفاً أصعب لحظاته في المعتقل.

أقوال جاهزة

شارك غرد"حين يتعرّض الشخص للتعذيب يصرخ بشكل مخيف وكأنّه ليس من البشر".. شهادات الناجون من سجن صيدنايا السوري

شارك غردتقرير أمنستي يوثق إعدام 13 ألف سجين بدون محاكمات قضائية من بينهم أطفال في سجن صيدنايا أو"المسلخ البشري"

وقد كان الرئيس السوري، بشار الأسد، قد نفى في مناسبات عديدة وجود معتقلين سياسيين في السجون السورية، كان آخرها خلال لقاء أجراه مع صحيفة النيويورك تايمز، مؤكداً أن كل المساجين يعاملون بطريقة قانونية.

ذاكرة طفل

أيمن (اسم مستعار) إبن سجينين سياسيين. كان عمره 8 أشهر حينما سُجن والده لمدة 13 عاماً، مر خلالها على سجن حلب وكفرسوسة وتدمر وصيدنايا، بتهمة انتمائه إلى حزب العمل الشيوعي.

أما والدته، فسُجنت حينما كان عمره عاماً واحداً،  وتمت ملاحقتها بين عامي 1987 و2000 للسبب عينه.

وهو يؤكد أن أصدقاء له ولدوا في السجن لأن أمهاتهم اعتقلن وهن حوامل بتهمة الانتماء إلى الحزب ذاته، ولم يخرجوا من السجن إلا بعد بلوغهم الـ3 سنوات.

يقول أيمن في اتصال مع رصيف22 إنه كان يزور والده في سجن صيدنايا، لمدة ربع ساعة فقط، مرة كل شهرين وكان ذلك بين عامي 1987 و1993 وبعد الحصول على إذن من الشرطة العسكرية. وقد كان أعداد من الناس يقفون مصطفين ومتلاصقين، ينتظرون رؤية أهلهم والتحدث إليهم.

"سجناء الثمانينات من المدنيين المنتمين إلى الحزب الشيوعي كانوا يحظون بزيارات عائلية، إلا أن معتقلي الثورة من غير الممكن زيارتهم أو معرفة أي معلومات عنهم حتى اللحظة"، يقول القطلبي.

يعمل أيمن الآن في مجال توثيق الانتهاكات وهو يؤمن "بالعدالة وبأن الظلم الذي تعرضنا له سيتحاسب عليه من سبّبه يوماً ما".

تعود كطفل

لم توجه تهمة حقيقية لأبو دهن، لذا شمله العفو العام عقب وفاة الرئيس حافظ الأسد عام 2000، وقد أصدر كتاباً في 2012 تحت عنوان "عائد من جهنم" يوثق فيه تجربته.

وهو حينما عاد إلى عائلته "من جهنم"، احتاج سنتين كي يستعيد حياته بشكلها الطبيعي.

يقول لرصيف  22 "من يعود من تجربة كهذه، يعود بعقلٍ متضرر، فيحتاج إلى تعلم كل شيء من جديد، تماماً كرضيع ولد للتو". ويضيف قائلاً: "زوجتي وأولادي احتضنوني وربوني وأنا اليوم أبلغ 16 عاماً وشهراً و8 أيام"، وهو الزمن الذي مر منذ أن خرج من السجن.

التعليقات

المقال التالي