"الأطفال المنسيون"... هدف داعش الجديد ومصدر تمويل إضافي لمهربي البشر

"الأطفال المنسيون"... هدف داعش الجديد ومصدر تمويل إضافي لمهربي البشر

منذ انطلاقته، رأى داعش في الفئات الهشة اجتماعياً هدفاً سهلاً للتجنيد. تعدّدت سبله في اجتذاب هذه الفئات، بينما كان الأطفال والقاصرين الفئة الأكثر عرضة للاستغلال وغسل الأفكار، فصنع ممن سيطر عليهم "أشبال خلافة".

هكذا، لم يعد التهجير أقسى تجارب أطفال الحرب ولا الموت أسوأها، إذ برزت مشكلة جديدة لها علاقة بظروف وحدتهم.

في الفترة الماضية، انشغلت صحف أجنبية ومنظمات إنسانية عدة بقضية اختفاء آلاف الأطفال اللاجئين، لا سيما ممن تهجروا من دون صحبة ذويهم. واليوم، كشف الباحثان في مؤسسة "كويليام" نيكيتا مالك وحرس رفيق أسلوباً جديداً انتهجه التنظيم في تجنيد الأطفال الوحيدين... المنسيين.

2000 دولار لتجنيد الأطفال

يعمد التنظيم إلى دفع أموال لمهربي بشر ليقوموا بنقل أو تجنيد أطفال كانوا قد وصلوا إلى مخيمات اللجوء من دون ذويهم أو خلال رحلة اللجوء، بحسب تقرير المؤسسة التي أشارت إلى وجود أكثر من 88 ألف طفل (كانت منظمة "اليوروبول" أعلنت فقدانهم) معرضين للانسياق إلى التطرّف عبر تجنيدهم.

على سبيل المثال، يدفع داعش مبلغاً بحدود الألفي دولار لتجنيد أطفال موجودين في مخيمات في لبنان والأردن، وكانت التقارير الأردنية قد كشفت في العام الماضي وجود خلايا نائمة، في أحد المخيمات قرب إربد، تتولى هذه المهمة.

كما يستغل نقص المواد الغذائية في المخيمات لشراء الولاء، فيعمد إلى استمالة الأطفال عبر توفير ما يحتاجونه من غذاء، وتؤكد مالك على أن "من تعرضوا للتهجير في عمر صغير هم الفئة الأكثر ضعفاً وتعرضاً للسيطرة، وتشكّل استثماراً جيداً لصناعة مقاتلين".

أقوال جاهزة

شارك غردتقرير جديد يشير إلى وجود أكثر من 88 ألف طفل معرضين للانسياق إلى التطرّف عبر تجنيدهم من قبل داعش

شارك غرديعدّ الأطفال "السلاح الأمثل في الحروب"... والتنظيمات الإرهابية اكتشفت باباً جديداً لاستغلالهم

هذه النقطة يفسرها الجنرال السابق في قوات حفظ السلام في الكونغو روميو دالير، الذي وصف في كتابه "يقاتلون كالجنود يموتون كالأطفال"، الأطفال باعتبارهم "السلاح الأمثل في الحروب". والسبب برأيه أن لدى الأطفال قابلية لتعلم أشياء جديدة أكثر من البالغين، وتكلفة إعدادهم قليلة مقارنة بالأكبر سناً. بموازاة ذلك، يظهر الطفل الطاعة العمياء خوفاً أو من خلال الترغيب، ويتمتع بخفة تتيح له التحرك بسهولة سواء بالقتال أو نقل الطعام أو العمل كمخبر أو أداة جنسية أو درعاً بشرية.

وحيدون على طريق اللجوء

خلال السنوات الماضية تنوعت أساليب التنظيم في تجنيد الأطفال، فقد لجأ في مناطق سيطرته إلى سياسة التجويع، ما سهّل عليه إغراء الأهالي كي يرسلوا أطفالهم إليه مقابل المال، فضلاً عن راتب شهري للطفل أو القاصر يتراوح بين 400 دولار و1000 دولار يحصل عليه الأهل. وقد تولى بعد ذلك تدريبهم، وخرّج منهم دفعات جاهزة للقتال في عمر الـ16، تم تحويلهم غالباً ليصبحوا انتحاريين أو جواسيس.

يبيّن تقرير "كويليام" أن الأطفال يصبحون أكثر عرضة للاستغلال عندما ينفصلون عن ذويهم، سواء بقوا في بلدانهم أو وصلوا إلى البلدان المضيفة. ومن أكثر التنظيمات التي تعتمد سياسة تجنيدهم يذكر التقرير داعش وبوكو حرام.

ويشير إلى مناطق في شمال أفريقيا حيث يدفع داعش حوالي 800 دولار لمن يلتحق بصفوفه، كذلك في جنوب ليبيا، وتحديداً في القطرون حيث لداعش بين 4 آلاف و6 آلاف مقاتل، فقد دفع التنظيم حوالي 450 دولاراً للمهربين من أجل نقل اللاجئين الذين يريدون الانضمام إلى صفوفه.

عدا عن المخيمات، تشكّل طرقات اللجوء بدورها مساحة لعمل التنظيم. بينما يدفع الشخص مئات وآلاف الدولارات لأحد المهربين لمساعدته في رحلته عبر المتوسط، يستثمر داعش هذه النقطة ويوفر هجرة مجانية إلى صفوفه، مع منسوب أمان مضاعف ومبلغاً مادياً يصل إلى ألف دولار.

إضافة إلى ذلك، يمكن للتنظيم توفير الرحلة إلى أوروبا، واستغلال الأطفال والقاصرين لاحقاً عبر عناصره هناك، إضافة إلى التعامل مع المهربين الذين يورطون هؤلاء في أعمال إجرامية أو نشاطات جنسية. وتلعب ظروف الاستغلال المحيطة بطرقات اللجوء، سواء بحراً أو براً، في مضاعفة الخطر على الأطفال المهاجرين من دون ذويهم.

مسؤولية الحكومات في الحماية

إزاء هذا الواقع، يُحمّل الباحثان حكومات الدول المضيفة مسؤولية كبرى في حماية هؤلاء الأطفال، تفادياً لخطر تحولهم إلى متطرفين يهددون أوطانهم والبلدان المضيفة لهم.

يواجه اللاجئون عراقيل كثيرة في الدول المضيفة تسهل تحولهم نحو التطرف، من هنا تشير مالك إلى ضرورة احتواء الجيل الشاب بآلية طويلة الأمد تحرص على ضمان صحته العقلية والنفسية، لتفادي خطر تحوله للتطرف، وهو خطر سيبقى مستمراً بين الأجيال القادمة إذا ما بقي الوضع على حاله.

ويعطي التقرير مثالاً على نظام احتجاز اللاجئين في المملكة المتحدة، إذ لا يلتزم هذا النظام بمدة احتجاز معينة، ما يؤدي إما إلى تنمية مشاعر العداء لدى اللاجئ أو الانتحار كما حصل مع حوالي 3000 لاجئ أقدموا على الانتحار، كان من بينهم 11 طفلاً. كما يؤكد أن الاتفاقيات الدولية تشير إلى تفادي احتجاز الأطفال، ومع ذلك احتُجز حوالي 853 طفلاً بين عامي 2010 و2015.

بين مطلع أكتوبر 2015 وأواخر سبتمبر 2016، تلقت الحكومة البريطانية أكثر من 41 ألف طلب لجوء، لكنها رفضت 67% منها. أما من ناحية دول الاتحاد الأوروبي، فلا تسجل أي من حكوماتها بيانات عن عدد الأطفال المحتجزين، وبالتالي تغيب المعلومات حول أعدادهم أو طول مدة احتجازهم.

لا يبدو أن المشكلة إلى انحسار، فعدد المفقودين والمقتولين في الحرب إلى ارتفاع كلما طالت مدتها، وبالتالي يتزايد عدد الأطفال الوحيدين. ففي العام 2015 وحده تضاعف عدد القاصرين غير المصحوبين مع ذويهم مرتين عن العام الذي سبقه. في المقابل، لا تحاول حكومات الدول التي يلجأون إليها إبقاءهم على أرضها، ما يجعل العديد منهم دون أوراق رسمية، وهذا يعطل توثيق أماكنهم وتحركاتهم.

في نهاية العام الماضي، أكد تقرير أصدرته الأمم المتحدة أن الأطفال يشكلون ثلث ضحايا الاتجار بالبشر، وهو اتجار لا يقتصر على تجنيدهم في جماعات متطرفة، بل يتعداه إلى إجبارهم على العمالة أو استغلالهم جنسياً أو حتى بيع أعضائهم.

ولأن الطفل في كينونته الأساسيّة لا يدرك ماهية الحياة والموت، ولم تكتمل منظومته القيمية بشكل تام، يظهر حجم الخطر عليه في الحروب، وتتضاعف المخاوف مع كل تقرير يكشف تفاصيل جديدة عن استغلاله. مخاوف وإن تمّ تداولها على نطاق واسع، تبقى أساليب معالجتها الحكومية والاجتماعية محدودة جداً، لا بل تؤدي إلى تفاقمها في أحيان كثيرة.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي