جماعة "أهل الحق": ديانة باطنية كردية تحظّر حلق الشوارب

جماعة "أهل الحق": ديانة باطنية كردية تحظّر حلق الشوارب

شوارب كثّة محظّر حلاقتها أو تشذيبها، وعود بعنق طويل هو الطنبور تحوّل إلى رمز مقدّس لدى الجماعة. لطالما أتهمت بأنّها جماعة "تؤلّه" الإمام علي، وهي تعتبره مظهراً للتجلّي الإلهي بالفعل، لكنه واحد من أصل سبعة، وليس أهمّهم.

تؤمن بتناسخ الأرواح والتقمّص، ولا تعتقد بعذابات القبر ولا تلعن أي مخلوق بما في ذلك الشيطان. تشدّد على فضائل التواضع والرضا قبل كل شيء، وتحرّم الكذب لكنها تحظر إفشاء حقيقتها، وتتسمّى في نفس الوقت باسم الحق والحقيقة، فمن هي؟ من هي "جماعة أهل الحق" التي نخطىء حين نسمّيها بـ"العلي إلهية"؟

الألوهة تتجلّى بنفسها في أدوار سبعة

تسميات عديدة عرفت بها هذه الملّة، فهي جماعة "أهل الحق"، وفي ثنايا كتبها الدينية "أهل الحقيقة" أو "أهل السلسلة"، وهي الطائفة "اليارسانية" كما تشيع تسميتها في إيران، والطائفة "الكاكائية" كما تغلب عليها التسمية في العراق.

تقطن الجماعة أساساً غرب إيران وشمال وشرق العراق. يصعب تقدير عدد المنتمين إليها اليوم، فثمّة من يخفّض العدد إلى نصف مليون، وثمّة من يرفعه إلى ثلاثة ملايين، ويبدو أنّ التقدير الأكثر واقعية هو في حدود المليون، ثلاثة أرباعهم من الأكراد الإيرانيين، وربعهم من الأكراد العراقيين، فـ"اليارسانية" أو "الكاكائية" أو جماعة "أهل الحق" هي ديانة باطنية كردية حريصة على كتمان أسرارها، وتستند إلى عمق ديني كرديّ سابق على الإسلام، وهو عمق مشترك مع الديانة الأيزيدية.

لا يلغي ذلك وجود يارسانيين غير أكراد، بين التركمان، أو بين اللوريين (أحد الشعوب الإيرانية)، أو تحدّر بعض أبناء الملّة من أصول عربية.

تفضّل الجماعة تسمية "أهل الحق" وإن كانت تسمية مشتركة بينها وبين طوائف أخرى في التاريخ، مثل الحروفيين. وهناك شرح في مطلع القرن العشرين للمستشرق الروسي فلاديمير مينورسكي قد يعيننا لماذا ترى هذه الجماعة نفسها كـ"أهل للحق".

السبب هو أنّ الألوهة عند هذه الديانة لا تنبىء عن نفسها بواسطة مبعث رسل وأنبياء، كما في الديانات الإبراهيمية، بل أنّ الألوهة أي الحق تتجلّى بنفسها في سلسلة من "المظهريات" الإلهية، التي ترتدي أجساماً طبيعية بشريّة.

أقوال جاهزة

شارك غردتؤمن بالتقمص، ولا تعتقد بعذابات القبر ولا تلعن أي مخلوق بما في ذلك الشيطان.. تعرفوا على جماعة أهل الحق

شارك غردجماعة "أهل الحق" أو الطائفة "اليارسانية" كما تسمى في إيران أو الطائفة "الكاكائية" كما تسمى في العراق..

في الدور الأوّل يظهر ملك العالم "خوندكار"، ليشرع في عملية تكوين هذا العالم، وفي الدور الثاني تظهر الألوهة في شكل "مرتضى علي"، أي الإمام علي، ملك الناس "شاهي مردان"، وفي الدور الثالث من خلال مبارك شاه كوشين، وفي الدور الرابع من خلال سلطان سهاك، وهو المؤسس الفعلي للجماعة، وذلك حتى اكتمال الأدوار بالرقم سبعة. وفي كل مرة، تصاحب التجلي الإلهي في العالم مجموعة من الملائكة. هم جبريل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل بالنسبة للتجلي الأوّل، وهم سلمان ومحمد ونصير وفاطمة بالنسبة للتجلي الثاني، التجلي من خلال الإمام علي، وهكذا من دور إلى دور.

ahl-hq2(Chifra) العود المسمى بالطنبور

فخر العاشقين السلطان سهاك: مقيم الدين

السلطان سهاك أي المظهر الإلهي رقم 4 في هذه السلسلة هو المؤسس التاريخي لهذه الديانة، في القرن الرابع عشر ميلادي. انه "فخر العاشقين سلطان اسحق البرزنجي"، والجماعة تنظر إليه على أنه مولود من عذراء هو أيضاً، تدعى خاتون رزبار، كما أنّ ضريحه تحوّل إلى المحجّة الرئيسية للملّة.

لم يقلّ الجدل يوماً بين المستشرقين ومؤرخي الأديان حول علاقة اليارسانية الكاكائية بالإسلام عموماً، وبالتشيّع خصوصاً.

تشترك هذه الجماعة مع فرق أخرى عرفها تاريخ الحضارة الإسلامية وعرفت بالغلو التأليهي لشخصية علي ابن أبي طالب، إلا أنّ الجماعة ترفض تسميتها بـ"العلي إلهية"، أولاً لأنها تسمية جرّت عليها المتاعب، سواء من طرف السنّة أو من طرف الشيعة، وثانياً، لأنّ التجلي الإلهي المتجسّد بعلي ليس محورياً في النسق الميثولوجي - الديني لهذه الجماعة، فعلي دور من أصل سبعة، وسلطان سهاك يتفوّق عليه في الأهمية. وهذا لا يلغي أن الجماعة اشتركت مع غلاة "القزلباش" والعلوية الأناضولية في الذهاب بعيداً بتبجيل الشاه إسماعيل الصفوي، الذي يعتبره جزءٌ من التراث الأرساني بمثابة أحد التجليات الإلهية التالية لمؤسس الفرقة.

الكتاب الديني الأساسي لـ"أهل الحق" الذي ينسب إلى التجلي الإلهي الذي حلّ في سلطان سهاك هو كتاب سرانجام، أو "كتاب الخزانة"، وهو يتنقل بين شعر ونثر، وهو خليط من الفارسية واللغة الكورانية، التي لم يعد اليارسانيون يتحدثونها، بل استبدلوها بالكردية السورانية.

ولقرون عديدة ظلّ أمر كتاب سرانجام سراً مكتوماً يحظر إفشاؤه إلى خارج الجماعة، وتضبط الطائفة عملية تداوله وكيفية ترتيله، ويتناول مروياتها عن خلق العالم، وفريضة تقديم القرابين للأحياء والأموات، وأحكام الطهارة، ولائحة المظهريات الإلهية المتسلسلة.

وعلى كثرة الموروث ما قبل الإسلامي في اليارسانية، الذي يحيل على الديانة القربانية الميتراثية التي كانت شائعة بين الأكراد في العصر القديم، وعلى الصلة الحميمة بعالم متشعب من الملائكة، وقدسية الشمس والنار، وعدم لعن أي شيء خلقه الرّب، فقد اتسعت هذه الديانة أيضاً للإيمان بأئمة الشيعة الإثني عشر، من دون أن يحظى نبي الإسلام بالأهمية نفسها عندهم.

وتعتقد الجماعة بأنّ سلطان سهاك يتحدّر من ذرية الإمام موسى الكاظم، ويسود في قسم واسع منها الاعتقاد بأنّ الإمام الثاني عشر، المهدي المنتظر عند الإمامية، سيأتي لتتميم الأدوار السبعة.

ارتباط بين المؤمنين تصنعه القرابين

بقيت اليارسانية طيلة القرون الماضية تنتقل من جيل إلى جيل بالوراثة بالتوازي مع اعتقادها بتناسخ الأرواح، ومسموح فيها تزوج غير يارسانيات، وغير مسموح تزويج يارسانيات للآخرين. ي

دخل الطفل في العائلة اليارسانية إلى المسلك بعد أسبوع على ولادته، بمناسبة لها طقوسها الخاصة، وتربطها بالولاء على الطريقة الصوفية بين المريد والسيد، يصير منذ أسبوعه الأول مريداً لأحد السادة الروحيين من الطائفة.

تشكل القرابين أو الأضاحي محور الشعائر الدينية اليارسانية، إذ تنعقد الحلقات المقفلة لذبح البقرة أو العجل أو الديك، ولا يسمح للنساء والأطفال بالمشاركة، وينالون حصتهم من لحم الأضحية المسلوق بعد ذلك، ولا يسمح لغير أبناء المسلك بأن يتناول لحم هذا القربان.

على كل مؤمن تقديم خروف على الأقل كل سنة، وديك على الأقل في الشهر. يحدث ذلك في أماكن العبادة المسماة "جمخانة"، وتتخلل المناسبة قراءة شيء من الكتب المقدّسة، والعزف على الطنبور، هذا العود الكردي ذو العنق الطويل، الذي هو بحد ذاته رمز مقدّس عند الجماعة.

Baba-Yadegar_Tomb_Zarde_Village(Chifra)

أمّا الصوم، فهو يحدث لثلاثة أيام في الشتاء، ويستذكر اليارسانيون في صوم "مارنوي" هذا، كيف نجا سلطان سهاك من المغول في أيّامه بعد أن كادوا به وأرادوا أذيته.

وإذا كان اليارسانيون يتميّزون في كل هذه الأشياء عن المسلمين، سنة وشيعة، رغم وضعهم في خانة "التشيع المتطرّف" في كثير من الأحيان، نظراً لاعتبارهم الإمام علي ثاني التجليات الإلهية، و"ملك الناس"، إلا أنّهم يحلّلون أن يقوم شيخ شيعي بشعائر دفن أحد موتاهم إن لم يتأمن سيّد يارساني، مع اشتراط أن يقوم هذا السيّد اليارساني بالشعيرة الخاصة بالملّة لاحقاً.

واليارسانيون يطلقون شواربهم الكثة، ويحرّمون حلاقتها أو تشذيبها، ويعتبرونها عادة يتوارثونها من الإمام علي نفسه، وكثيراً ما كانت تتم الإساءة إلى اليارسانيين عند اعتقالهم، من خلال قص شواربهم!

(Chifra)الكاكائيون

حالهم في ايران وفي العراق

رغم الطابع المغلق، السري، للديانة، إلا أنّها شهدت في العصر الحديث محاولة من داخلها لتحديثها، بشكل يركز على روحانيتها، ويعيد إدراجها في فضاء التشيع، وهو ما قام به حج نعمت الله (1920) ثم ابنه استاد نور علي إلهي أو استاد إلهي (1974)، والأخير ألّف عدداً من الكتب الشارحة للديانة والتي وجدت رواجاً في المكتبة الروحانية بالغرب، زد على عمله الموسيقي الهام.

بيد أنّ مرحلة ما بعد الثورة الإسلامية في إيران كانت مرحلة عصيبة بالنسبة إلى جماعة أهل الحق، فلم يحظوا مثلاً بالاعتراف الرسمي بهم من قبل السلطات مثل الأقلية الزردشتية، واشتد القمع ضدّ اليارسانيين بعد انخراط قسم منهم في مرحلة ما بعد قمع "الثورة الخضراء" عام 2009.

بالنسبة للنظام الإسلامي في إيران من غير الوارد الاعتراف باليارسانية لا كجماعة دينية ولا كجماعة إثنية، في حين يشدّد يارسانيو إيران على أنهم ديانة قائمة بذاتها، إنما كجزء من الأمة الكردية.

هذا يختلف إلى حد كبير عن الفرع العراقي، الذي يعرف بـ"الكاكائية" (من كاكه: أخ، كما أن يارسان، من "يار" أي صديق، و"سان" أي سلطان، وتعني أصدقاء السلطان سهاك، أو خلانه). فالكاكائيون يحرصون على خطاب مؤداه أنه متحد قبلي له تقاليد معينة وليس ديانة قائمة بذاتها مفصولة عن الإسلام والتشيّع، وهذا قد يكون من باب الالتزام بتوجيهات التقية الراسخة في هذه الملّة، وقسم من كاكائيي العراق تهجّر من قراه بعد دخول تنظيم "الدولة الإسلامية" إليها، في حين أنّ قسماً آخر منهم قد تشكّل كفرقة كاكائية خاصة في "البشمركة" الكردية.

سواء في إيران أو في العراق، الاعتراف باليارسانية الكاكائية كجزء أساسي من مشهد التعددية الدينية، وكجماعة ثرية بتراث العرفان الكردي الذي تستند إليه، هو محك أساسي للتسامح وتحويل مقولة "قبول الآخر" إلى مقولة عملية ذات مدلول.

كلمات مفتاحية
شيفرة دينية

التعليقات

المقال التالي