أنغام... الصوت المفضّل للجيش المصري؟

أنغام... الصوت المفضّل للجيش المصري؟

في أحد مقاهي مصر الشعبية بوسط القاهرة، جلس عشرات المصريين يتناولون مشروباتهم المفضلة، وعيون غالبيتهم متجهة لشاشة التليفزيون، كانت قناة "مزيكا" تبث أغنية للمطربة المصرية أنغام، دندن البعض جزءاً من الأغنية "بلدي حاميها ربنا ومن بعده جيشها".

يتكرر الأمر في مقاهٍ عدة، حيث تعرض الأغنية على كل القنوات الغنائية المصرية تقريباً وهي القنوات التي يفضل أصحاب المقاهي تشغيلها للزبائن بهدف تسليتهم.

بعكس مطربين كثر من جيل الثمانينيات انطفأ وهجهم، حافظت المطربة المصرية أنغام على نجاحها، وحجزت لنفسها مكاناً في "تراك" المطربين المؤثرين من أمثال عمرو دياب ومحمد منير.

لكن أنغام التي يعتبرها الكثير من المصريين "ملكة الرومانسية" وتعرف بأغانيها العاطفية، لها وجه آخر كصوت مفضل يلجأ إليه الجيش المصري حين يريد إيصال رسائل سياسية محددة للمصريين. وتنقل أنغام تلك الرسائل بطريقة ذكية لا تجعلها تتعرض لأي هجوم من معارضي الحكم العسكري.

بعد ثورة يناير، انخفضت شعبية الجيش المصري وارتفعت هتافات تنادي بأن "يسقط حكم العسكر"، خصوصاً بعد تورط أفراد من الجيش في قضايا أثارت جدلاً ومنها ما عرف إعلامياً بـ"قضية كشوف العذرية"، و"قضية ست البنات".

أقوال جاهزة

شارك غردأنغام التي يعتبرها المصريون "ملكة الرومانسية" هي أيضاَ صوت يلجأ إليه الجيش المصري حين يريد إيصال رسائل سياسية

لكن تغير الأمر حين أصبح عبد الفتاح السيسي وزيراً للدفاع وقائداً عاماً للقوات المسلحة (عيّنه الرئيس الأسبق محمد مرسي في 12 أغسطس 2012)، بدأ السيسي حينها ما يمكن أن نطلق عليه حملة لتجميل صورة الجيش المصري، وكان الفن جزءاً مهماً منها، وكانت المطربة أنغام ترساً من تروس هذه الحملة من خلال عدة أغانٍ حملت رسائل سياسية بطريقة غير مباشرة.

16487798_1850922741829887_6317739874680532863_o

مصر بتكبر

في شهر يوليو 2013 قال عبد الفتاح السيسي الذي كان وقتها وزيراً للدفاع جملته الشهيرة "مصر أم الدنيا وهتبقى (ستصبح) قد الدنيا". بعدها بأسابيع قليلة، تحولت هذه الجملة إلى أغنية كاملة غنتها أنغام على مسرح استاد الدفاع الجوي (يقع بالقاهرة).

جاء ذلك في احتفالية القوات المسلحة بالذكرى الأربعين لحرب السادس من أكتوبر، والتي حضرها عبد الفتاح السيسي. الأغنية التي نتحدث عنها هي "مصر بتكبر رغم الصعب" (من ألحان وليد سعد)، والتي ظهر فيها بشكل واضح تأثر الشاعر جمال بخيت بخطاب السيسي، وجمله التي رددها مراراً.

اهتمت القنوات المصرية الحكومية والخاصة ببث الأغنية، ثم صدر فيديو خاص لها يحوي مشاهد مختلفة من مصر. وحمل الفيديو شعار إدارة الشئون المعنوية بالقوات المسلحة.

مش من بلدنا

بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة مباشرة، في العام 2013، وجهت منظمات دولية عدة اتهامات لقوات الجيش والشرطة باستخدام عنف مبالغ. لم يكتف النظام المصري بالرد بشكل رسمي على كل الاتهامات، معتبراً أن الاعتصامين كانا مسلحين، بل أطلق أيضاً أغنية مصورة حوت كل الرسائل التي يريد إيصالها للمصريين وللعالم، وكانت بصوت أنغام.

الأغنية هي "مش من بلدنا" التي كتب كلماتها رجل أمن هو اللواء إبراهيم موسى. حوى فيديو الأغنية الذي أنتجته وزارة الداخلية المصرية صوراً لمسلحين من أنصار الرئيس الأسبق محمد مرسي، ومشاهد مصورة عدة من داخل الاعتصامين تظهرهما كاعتصامين مسلحين.

في المقابل ظهرت مشاهد عدة لجنازات شهداء من الجيش والشرطة قتلوا أثناء الفض أو في الأحداث المختلفة التالية له، وبعكس أغنية "إحنا شعب وأنتم شعب" التي غناها علي الحجار وأثارت انتقادات حقوقية واسعة بسبب أنها "تفرق بين المصريين"، لم تثر أغنية أنغام أي انتقادات رغم أنها تحوي نفس الرسالة تقريباً.

يقول الكاتب بهاء الدين محمد في الأغنية "مش من بلدنا... اللي باع الأمان... ولا من ولادنا اللي اشتراه الشيطان... براء منه كلنا... براء منه أمنا... براء منه مصرنا". اللحن المميز وصوت أنغام الدافىء، بالإضافة إلى المشاهد المصورة جعلت الجمهور يعتبر الأغنية قطعة فنية أكثر منها رسالة سياسية.

"بلدي حاميها ربنا ومن بعده جيشها"

"بلدي اللي لو قامت مافيش قوة تحوشها... بلدي حاميها ربنا ومن بعده جيشها... جيشها اللي شايل همها صوتها وروحها ودمها... إدانا (أعطانا) حرية وأمل وحياة نعيشها"، هذه الكلمات التي كتبها أمير طعيمة غنتها أنغام على مسرح دار الأوبرا بالقاهرة في حفل نقله التليفزيون المصري (حكومي) على الهواء مباشرة في مارس 2014، بينما جلس أمامها في الصف الأول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي  يستمع بسعادة واضحة للأغنية التي حملت عنوان "مصر التاريخ".

لكن على عكس أغاني تمجيد الجيش المصري الفجة من نوعية "تسلم الأيادي" جاء المقطع الذي يمجد الجيش في أغنية "مصر التاريخ" بسيطاً لا يشكل نسبة كبيرة من كلمات الأغنية، مجرد "كوبليه" في أغنية وطنية تتحدث عن مصر.

هذا ما يظهر فوق السطح، لكن الرسالة في الأغنية واضحة "الجيش المصري هو من يحمي مصر ويحمل همها، وهو روح هذه البلد ودماؤها". كما لم ينس أمير طعيمة كاتب الكلمات أن يعيد جملة السيسي الشهيرة مسافة السكة حين قال "بلدي اللي فاتحة للعرب والدنيا بابها".

15541983_1828769077378587_658231724960187223_n

مصر قريبة

في بداية 2015 كانت العلاقة بين النظام المصري وبين الخليج بشكل عام والسعودية بشكل خاص في أقوى حالاتها، ودعمت السعودية مصر في هذه الفترة بملايين الدولارات لإنقاذ الاقتصاد الذي كان - ولا يزال - يعاني من أزمات حقيقية، في هذه الفترة كان الرقص على إيقاع السعودية لا يتوقف في وسائل الإعلام المصرية، مذيعين ومذيعات يمجدون المملكة وحكامها وشعبها.

في العام نفسه، تم اختيار السعودية لتصبح ضيف شرف معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ46، وانطلقت أغنية "مصر قريبة" والصوتان الرئيسيان فيها كانا أنغام ومحمد منير، مع مجموعة من المطربين العرب.

كانت الأغنية هدية من النظام المصري للخليج بشكل عام وللسعودية بشكل خاص، وكانت أنغام هي البطلة الحقيقية للأغنية وصاحبة النصيب الأكبر من حيث مساحة الظهور وتكرار المقاطع.

أثارت الأغنية جدلاً ما بين مؤيد ومعارض، وحققت نسبة مشاهدة تخطت السبعة ملايين مرة، وبات بثها لا يتوقف على أغلب القنوات والإذاعات المصرية سواء الحكومية أو الخاصة. ولم يتوقف عرض الأغنية إلا مؤخراً بعد أن ظهرت على السطح خلافات ما بين السعودية ومصر.

574995_476804672373550_771300157_n

"من ليس معنا فهو ضدنا"

"مبدأ النظام المصري هو من ليس معنا فهو ضدنا" هكذا يقول الكاتب والناقد الموسيقى مصطفى عبد ربه لرصيف22 ويكمل "ربما كانت أنغام لا تُريد أن تقدم هذا النوع من الأغاني لأي سبب، لكنها تعرف جيداً أن الرفض قد يعرضها لمشاكل، فقدمت هذه الأغاني تحت إشراف قطاع الشئون المعنوية. فرغم انتشار أغانيها، إلا أنها الآن في مرحلة لا تستطيع فيها أن تغامر بتاريخ كبير وثري، ولا تستطيع أن تقول لا لأغنية ترفع من أسهم الجيش المصري".

يضيف عبد ربه أن هناك احتمالاً آخر وهو أنها ربما قدمت هذه الأغاني بناءً على قناعات شخصية، فقد تكون تحب الجيش المصري وتقدره فعلاً، وتكره جماعة الإخوان المسلمين - وخاصة مع نظرتهم الدونية للمرأة وللفن - من دون أن تكون لديها حسابات خاصة، أو توازنات معينة تحافظ عليها.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي