ربع مليون سعودي يزورون البحرين أسبوعياً... ماذا يفعلون؟

ربع مليون سعودي يزورون البحرين أسبوعياً... ماذا يفعلون؟

يشبك محمد الغامدي يده في يد ابنه ذي العشرة أعوام ويمشيان على عجل، للحاق بصالة السينما قبل أن تغلق أبوابها. سعادة كبيرة تغمرهما.

تتلاشى الأنوار مع وصولهما إلى قاعة العرض. يبتسم كلاهما للآخر بعفوية، بينما تدقق الزوجة النظر في هاتفها، لتعرف تفاصيل أكثر حول فيلم الركاب Passengers، الذي اختاره الزوج.

الغامدي (29 عاماً) من السعودية، وهذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها إلى السينما مع عائلته، لمشاهدة فيلم أمريكي. أما صالة العرض فتقع في العاصمة البحرينية، المنامة.

يعمل الغامدي مدرساً للرياضيات في مدرسة ثانوية بمحافظة الخبر في المنطقة الشرقية في السعودية، ويربط بين منطقته وهذه الجزيرة الصغيرة، جسر الملك فهد، الذي يعبر مياه الخليج العربي على مسافة نحو 25 كيلومتراً.

Bahrain-KSA-bridge

يقطع الغامدي الماء ليقضي مع عائلته العطلة في العاصة المنامة. مثله كمثل ملايين السعوديين الذين يزورون هذه المملكة المجاورة والتي بلغ عدد سكانها حوالي 1.3مليون نسمة في 2015.

تشكل السياحة 3.4 % فقط من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، لكن البحرين تخطط لمضاعفة الرقم خلال السنوات الثلاث المقبلة ليصل إلى 6%. ويعتمد هذا القطاع في المملكة الصغيرة بشكل كبير على الزوار من المملكة الكبيرة المجاورة، السعودية.

وتُظهر إحصائية هيئة السياحة أن عدد السعوديين الذين دخلوا جارتهم بلغ أكثر من 6.6 مليون شخص بنهاية العام 2015، وهم يشكلون 59٪ في زوارها، يأتي غالبيتهم عبر الجسر الذي انشأ قبل 31 عاماً.

في عطل نهاية الأسبوع ومواسم الأعياد الرسمية يفد إليها حوالي 250 ألف سعودي، تزدحم بهم شوارع العاصمة المنامة، كشارع المعارض اللذي يعج بسيارات تحمل لوحات سعودية، يفوق عددها أحياناً السيارات المحلية.

تنحصر الصورة النمطية التي رسمها كثير من العرب حول رحلات السعوديين في لقاء الفتيات وممارسة الجنس واحتساء المشروبات الكحولية المحظورة في الدولة الشقيقة التي تطبق الشريعة الإسلامية.

لكن هذه الفكرة لا تعكس المشهد كاملاً، فثمة أسباب أخرى، أكثر بساطة، تدفع السعوديون لزيارة البحرين.

أقوال جاهزة

شارك غردماذا يفعل السعوديون في البحرين كل أسبوع؟ الهدف ليس البحث عن الكحول والنساء فقط

شارك غردأسباب كثيرة دفعت 6.6 مليون سعودي لزيارة البحرين، منها تفاصيل بسيطة بعيدة عن الصورة النمطية

البحث عن الشاشة الفضية

تغمر السعادة الغامدي، وهو يجلس على مقعده في السينما، ويستعد لخوض تجربة فريدة من نوعها، لطالما تمناها مع عائلته.

KSA Bridge
تتحقق رغبته هذه، وآلاف السعوديين مثله، خارج بلدهم، التي تحظر إنشاء دور السينما وإقامة الحفلات الغنائية. فيكتفي الناس بمشاهدة الأفلام عبر القنوات التلفزيونية والإنترنت فقط.

وقد أشارت تقديرات دور السينما البحرينية في 2011 أن 95% من روادها هم سعوديون ينفقون نحو مليار ريال سنوياً (26 مليون دولار ) لمشاهدة الأفلام في 35 صالة عرض.

ورغم وعود الحكومة السعودية بتغيير الواقع الثقافي من خلال مجموعة إصلاحات ضمن "رؤية المملكة العربية السعودية 2030" التي أعلنها ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان العام الماضي، لكن تصريح المفتي العام للمملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ في وقت سابق هذا الشهر، إن السينما والحفلات الغنائية "ضرر وفساد" يعد مؤشرا على التحديات الصعبة التي تواجهها الحكومة لتنفيذ تلك الإصلاحات.

قرب المسافة وبساطة الإجراءات

تجربة حضور عرض سينمائي في صالة سينما مع أبنائه الثلاث وزوجته، أهم لدى الغامدي من الفيلم نفسه، ويقول: "شعور رائع يراودني، سأفعل شيء لم أتمكن من فعله سنوات حياتي."

السفر لأجل تحقيق هذه الأمنية ليس بالأمر المعقد أو الصعب.

لا يحتاج السعوديون سوى بطاقة شخصية للدخول، سواء عبر الجسر، الذي تقوم  البحرين بزيادة عدد مساراته من 18 إلى 36، أو عبر مطار البحرين الدولي، والذي سيتم استبداله بمبنى جديد يستوعب 14 مليون مسافر.

ومثل بقية أبناء دول الخليج، يحصل المواطن السعودي على تسهيلات ويعامل أسوة بالمواطنين.

كما تستخدم العملة السعودية في البحرين، ويصرف الريال في كافة المراكز والمحال التجارية والبنوك بصورة مماثلة للدينار البحريني.

ويجد الكثير من الشباب العازب في هذه الدولة المجاورة متنفساً لهم. إذا لا تسمح بعض المجمعات التجارية والمنتزهات في السعودية للرجال بالدخول إليها ما لم ترافقهم عائلتهم.

فيضطر الشاب لاصطحاب والدته أو شقيقته أو باقي أفراد الأسرة ليشتري ما يحتاجه من المركز التجاري أو يتناول وجبة في ردهة المطاعم.

وهو ما يشير إليه الطالب السعودي الذي يدرس الهندسة المدنية بإحدى الجامعات الحكومية، محمود عدنان (21 عاماً) قائلاً: "أن تدخل المجمع وحدك، تجلس دون أن تسمع توبيخاً أو تشعر بالقلق هو شعور ممتع في حد ذاته".

ليس البحث عن الكحول والنساء فقط

حاول الناشط السعودي على موقع يوتيوب، أنس اسكندر، أن يعكس صورة مغايرة للانطباع السائد في أذهان بعض العرب عن رحلات أهل السعودية إلى البحرين.

و من خلال فيديو قصير لا يتجاوز تسع دقائق، عنوانه  "إيش (ماذا ) يسوي ( يفعل ) السعودي في البحرين ؟" وحصد نحو 700 ألف مشاهد، رصد اسكندر رحلته إلى البحرين.

انطلق على متن طائرة من جدة حتى مطار المنطقة الشرقية، ثم استقل سيارة أجرة أوصلته البحرين عبوراً بجسر الملك فهد.

اتجه بعدها مباشرة إلى مجمع تجاري حيث التقى بأحد أصدقائه ودخلا أحد عروض الأفلام في السينما، ثم ذهبا إلى جزيرة أمواج، المطلة على البحر، وقضى بعض من الوقت في مجموعة من المطاعم والمقاهي.

توجه بعدها إلى مطار البحرين الدولي، للحصول على سيارة للإيجار، ثم بحث عن فندق. وفي اليوم التالي، توجه إلى قلب مدينة المحرق القديمة، وأمضى وقتاً في مقاهيها التقليدية، وتناول الأطباق الشعبية.

عصراً، توجه إلى كورنيش النادي البحري، وقضى بعضاً من الوقت في قاعة التزلج على الجليد، ومساءً في "عين عذاري"، وهو منتزه لهواة السباحة في المياه العذبة.

بيئة من الانفتاح

تُعرف العاصمة المنامة بصخب حياتها الليلية، و بتنوع مطاعمها، الشعبية والفاخرة. كما تتوفر المشروبات الكحولية في عدة محلات مرخصة ويمكن تناولها في الحانات مع الاستمتاع بعروض الفرق الموسيقية.

ويرى بعض السعوديين أن بيئة الانفتاح التي يتمتعون بها خلال زيارة للبحرين لا تعني بالضرورة زيارة الملاهي الليلة.

"هناك يمكنني أن أقابل صديقتي ويمكنها مقابلتي دون ارتداء الحجاب،" يقول سلطان اليامي، الموظف من مدينة تبوك. "يمكن أن نتحدث معاً وندخن الشيشة حتى الصباح لكن في السعودية هذا غير متاح"، يضيف اليامي.

الشيشة والحديث بحرية ليسا فقط عوامل الجذب. فهناك فعاليات ثقافية ومعارض ومهرجانات سنوية تقام في المنامة، بالإضافة إلى سباق الفورمولا 1 الذي تنظمه البحرين كل عام. 

بالطبع، لا يعني هذا أن حياة السهر ليست وجهة الكثير من الزوار. فيبحث بعضهم عن السهرات في الحانات والملاهي الليلية التي تبقى صاحية حتى ساعات الصباح الأولى.

ويقول سلمان فيصل، وهو شاب سعودي في العقد الثالث من عمره، بينما كان يتجول في منطقة العدلية التي تعج بالحانات "نبغى ( نريد ) مكان قريب و رخيص للإنبساط .. من الرياض إلى البحرين حوالي 4 ساعات بالسيارة والتكلفة أقل من دبي.. يمكن نروح دبي في العطلة السنوية فقط لكن السهرات الأسبوعية في البحرين".

المطار والوجهات المحظورة

يسافر بعض السعوديين إلى البحرين لاستخدام مطارها، حيث توضح إحصائيات رسمية من هيئة الطيران المدني أن 354.85 ألف سعودي سافروا عبره ذهاباً وإياباً خلال 2013.

KSA Bridge4
فالوصول إليه أسرع لسكان بعض المدن السعودية، كالخبر، من ميناء المنطقة الشرقية الجوي الوحيد، مطار الملك فهد في الدمام.  

السبب الآخر هو الرحلات المباشرة التي تنتطلق منه دون محطات توقف، فيما نحط معظم الرحلات المنطلقة من الدمام في جدة أو الرياض قبل مواصلة السفر.

عدا عن توفر وجهات إلى بعض دول شرق آسية التي لا تتيحها شركات الطيران في السعودية، كتايلاند مثلاً، بعدما انقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

كلفة مناسبة

قضاء إجازة قصيرة في البحرين لا يكلف الكثير، فتتوافر العديد من المنتجعات السياحية المطلة على مياه الخليج العربي، بأسعار مناسبة تبدأ من 70 دولاراً لليلة الواحدة.

كما تباع منتجات التسوق في المجمعات التجارية بأسعار مناسبة، لمختلف الطبقات الاجتماعية، وزيارة الأماكن الأثرية في البلاد مجاناً أو مقابل مبالغ رمزية.مما يجعلها خيار مناسب للطلاب والعائلات التي لا تملك ميزانيات كبيرة.

فلا يحتاج المواطن السعودي سوى تعبئة البنزين في مركبته والتوجه إلى الجسر. كما أن أسعار الفنادق والمطاعم في متناول السعوديين من ذوي الطبقة المتوسطة، بالمقارنة مع دول أخرى.

أولاد بلدي

في ظلام صالة عرض السينما، يشير الغامدي بيده اليمنى تجاه باقي المشاهدين ويتحدث بصوت هامس مع اقتراب موعد عرض الفيلم.

"أترى كل هؤلاء ؟ معظمهم من بلدي.. الذين يدعون بأن السعوديين في البحرين من أجل الملذات الجنسية لا يعرفون الواقع.. الكثير من العائلات تزور البحرين والتنفيس لا يكون فقط بمخالفة الشريعة الإسلامية".

إسلام الزيني

صحفي ومنتج تلفزيوني، عمل في شبكة الجزيرة الإعلامية سابقاً وهو مراسل لصحف ووكالات أنباء بريطانية. ينتج تحقيقات إستقصائية حول قضايا حقوق الإنسان والفساد في الشرق الأوسط.

كلمات مفتاحية
البحرين السعودية

التعليقات

المقال التالي