العرب أول من استخدم الرسائل المشفّرة وأسموها "فن التعمية"

العرب أول من استخدم الرسائل المشفّرة وأسموها "فن التعمية"

سبق العرب باقي الأمم إلى معرفة علم "التشفير" أي وضع شفرة لحروف الكلمات بتحويل النص الواضح إلى نص غير مفهوم باستعمال طريقة محددة، ولا يعلم المراد منها إلا مَن يعرف الشفرة المستخدمة.

وقد عرف العلم الذي اهتم بهذا الشأن بعلم "التعمية"، وهو من العلوم الذي توليها دول العالم المتقدم اهتماماً كبيراً اليوم، فيدخل في المجالات الدبلوماسية، والشؤون العسكرية، والأمنية، والتجارية، والاقتصادية، والإعلامية، والمصرفية والمعلوماتية، وغيرها من الاستخدامات.

هذا العلم المهم أصله عربي، وهو واحد من علوم كثيرة يرجع للعرب ولادةً ونشأةً وتطويراً، وليس كغيره من العلوم التي ترجم العرب بعض أصولها، ثم أثروها وطوروها كالرياضيات والفيزياء والفلسفة.

ويعود الفضل إلى العرب في ابتكاره، ووضع أسسه، وإرساء قواعده، وتطويره إلى أن بلغ مرحلة ناضجة، فالعرب أول من كتب في طرائق التعمية الرئيسة التي ما زال العالم يستخدم بعضها حتى هذه الأيام.

ما هو علم "التعمية" أو التشفير؟

عرف هذا العلم عند العرب بعلم التعمية Encipher، وعرف باللاتينية Cryptographia، وبالإنجليزية Cryptography. هو علم إخفاء البيانات، وقد استعمل العربُ هذا المصطلح كناية عن عملية تحويل نص واضح إلى نص غير مفهوم باستعمال طريقة محددة يستطيع فقط من يعرفها أن يفهم النص.

وقد شاع في هذه الأيام استخدام لفظ "التشفير" بدلاً من كلمة "التعمية"، وهو لفظ استخرج من الأصل اللاتيني Cipher وجاء من كلمة "الصفر" التي استعملها العرب في الحساب.

وقد استخدم بعض العلماء العرب كلمة الترجمة للدلالة على التعمية بمعنى ترجمة النصوص المعماة "المشفرة" إلى لغة مفهومة باستخدام مفاتيح محددة يعلمهما المترجم أو الذي يقوم باستخراج المعمى.

أما فك الشفرة أو الترجمة أو استخراج المعمي Decipher فتعني في لغة العرب "حل المعمى" أو "استخراجه" وقد شاع استخدام مصطلحات مثل حل المعمى أو فكه أو حل المترجم، ككناية عن عملية تحول النص المعمى إلى نص واضح لشخص أو جهة لا تعرف مسبقاً طريقة التعمية المستعملة.

من أين جاءت فكرة عربية علم التعمية أو التشفير

كشف المؤرخ الأمريكي "ديفيد كهن" Kahn David الذي يعتبر كبير مؤرخي هذا العلم والأب الروحي له النقاب عن عربية علم التعمية في كتابه The Code-Breakers "مستخرجو الرموز". فقال: "ولد علم التعمية بشقّيه بين العرب، فقد كانوا أول من اكتشفوا طرق استخراج المعمّى وكتبوها ودوّنوها".

وقال في كتاب Kahn on Codes الذي صدر عام 1983 إن العرب كانوا أول من اكتشف مبادئ استخراج المعمى، ولكن معلوماتهم تقلصت مع أفول حضارتهم، وأن ابن الدريهم المتوفى في القرن الرابع عشر الميلادي "الثامن الهجري" هو أول من كتب مخطوطة في علم "التعمية" بعنوان "مفتاح الكنوز في إيضاح المرموز"، وبذلك يكون ابن الدريهم من وجهة نظر "ديفيد كهن" قد سبق المهندس المعماري الإيطالي "ليون باتيستا ألبيرتي" المتوفى عام 1472 ميلادياً، والذي ينسب إليه علم التعمية أو التشفير بمائة عام في استخدام هذا العلم ووضع قواعد له وتدوينه في كتاب.

أقوال جاهزة

شارك غردعلم التشفير الذي يستخدم في المجالات الدبلوماسية والشؤون العسكرية والأمنية ويعد فائق الأهمية أصله عربي

شارك غرديعود الفضل إلى العرب في ابتكار عالم التشفير أو فن "الكتابة السرية"، ووضع أسسها وإرساء قواعدها

ويقول ديفيد كهن في كتابه "مستخرجو الرموز" أنه اطلع على كتاب "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" للقلقشندي المتوفى سنة 821 هجرياً، ورآه قد أفرد مقالة كاملة لفن "الكتابة السرية" وذكر فيه أن أول من كتب في هذا العلم هو ابن الدريهم في مخطوطة سماها "مفتاح الكنوز في إيضاح الرموز"، ومن هنا كشف النقاب عن عربية هذا العلم دون الاطلاع على مخطوطة ابن الدريهم مكتفياً بما ذكره القلقشندي الذي اطلع بالطبع على النسخة الأصلية للمخطوطة التي تحدث عنها.

ابن الدريهم لم يكن الأول

يقول الدكتور محمد حسان الطيان، الأستاذ بجامعة الكويت، إن ابن الدريهم لم يكن الأول من أرباب علم "التعمية" الذين كتبوا فيه كما ظن ديفيد كهن، إذ اكتشفوا في رحلة البحث عن المخطوطة التي ذكرها القلقشندي في كتابه على مخطوطة أخرى بعنوان "رسالة الكندي في استخراج المعمى" لصاحبها يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب المشهور المتوفى في القرن الثالث للهجرة (260هـ). وأعادت هذه الرسالة تاريخ علم "التعمية" إلى خمسة قرون قبل بن الدريهم، الذي عاش في القرن الثامن الهجري.

Intext_Arab-and-Cryptography

أشهر أعلام التعمية عند العرب

في كتابه "علم التعمية واستخراج المعمى عند العرب: دراسة وتحقيق لرسائل الكندي وابن عدلان وابن الدريهم"، يوضح الدكتور محمد مراياتي أن من أشهر أعلام هذا العلم الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى سنة 170هـ، وفقاً لما نسب له الزبيدي في طبقات النحويين واللغويين ونقله عنه بن نباته في كتابه "سرح العيون في شرح رسالة بن زيدون"، أنه أول من وضع علم المعمى ووضع قواعد لكتابته وفكه.

يليه جابر بن حيان الكيميائي المعروف المتوفى سنة 200هـ، فله كتاب بعنوان "حل الرموز ومفاتيح الكنوز" ذكره ابن وحشية في كتابه "شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام"، ويأتي بعده ثوبان بن إبراهيم المعروف بذي النون المصري المتوفى سنة 245 هـ وله كتاب بعنوان "حل الرموز وبرء الأسقام في أصول اللغات والأقلام".

بعده يأتي سهل بن محمد بن عثمان السجستاني المتوفى سنة 248هـ، ويعقوب بن إسحاق الكندي المتوفى سنة 260هـ، فله رسالة مخطوطة بعنوان "استخراج المعمى"، وأحمد بن علي بن وحشية المتوفى بعد 291هـ في كتابه "شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام"، ومحمد بن أحمد بن كيسان المتوفى في القرن الثالث الهجري، وداود بن الهيثم بن إسحاق التنوخي المتوفى سنة 316هـ والذي ذكره ياقوت الحموي في كتابه "معجم الأدباء"، ومحمد بن أحمد بن محمد بن طباطبا المتوفى سنة 322هـ فله مخطوطة بعنوان "رسالة في استخراج علم المعمى"، بالإضافة إلى قائمة طويلة من المساهمات.

عوامل تقدم العرب في ما يعرف بعلم التشفير

ذكر الدكتور "محمد مراياتي" في كتابه أن هناك بعض العوامل التي أسهمت في تقدم هذا العلم لدى العرب والتي أرجعها إلى قيام العرب بترجمة قدر كبير عن علوم الحضارات السابقة والمعاصرة لهم، كذلك اعتناء العرب باللغة وعلومها عناية بالغة فاقوا بها من سبقهم.

وأشار إلى أن تقدم العرب في علوم الرياضيات وتحقيقهم كثيراً من الكشوف في هذه المجالات أعطاهم الأدوات المساعدة اللازمة لتقدم علم التعمية واستخراج المعمى.

وكذلك كانت الحاجة إلى إدارة فعالة لدولتهم التي امتدت واستقرت بسرعة، وانتشار الكتابة والقراءة في العالم العربي والإسلامي، من أسباب اهتمام العرب بهذا العلم.

وأوضح الدكتور "مراياتي" أن لعلم التعمية علاقة وطيدة بالعلوم الأخرى كعلوم الصوتيات وإحصائيات الحروف والمفردات، وعلم الصرف، وعلم المعاجم، وعلم النحو والتراكيب، وعلم الدلالة، وعلم العروض وغيرها.

اعتماداً على إحدى أساليب التشفير لدى العرب، جملة "الحديث يا خيل الله اركبي" تصبح "اثلا ليار حالك دخلب ييهي"

طرائق التعمية والتشفير عند العرب

يقول الدكتور "محمد مراياتي" إن الكندي في رسالته قد أوصل طرق التعمية إلى 34 طريقة يمكن استخدامها في تعمية أو تشفير الرسائل والكتب، واستخراجها، وفك شفرتها ويمكن تقسيمها إلى طريقتين أساسيتين، الأولى طريقة "تعمية المعاني بالتورية" وهي لا تتبع قواعد محددة، بل تعمتد على فطنة المتراسلين وخبرتهم وثقافتهم، وهي إلى العمل الأدبي أو البديهي أقرب منها إلى التعمية، أما الطريقة الثانية فهي "التعمية بمعالجة الحروف" وتقوم على اتباع طرق تلزم قواعد محددة تخص كل منها.

وقد قسم الدكتور "مراياتي" طريقة التعمية بمعالجة الحروف إلى عدة أنواع، منها "التعمية بالقلب" Transposition وتكون بتغيير مواقع حروف الرسالة وفق قاعدة معينة، النوع الثاني "التعمية بالإعاضة أو التبديل" Substitution وفيها يبدل بكل حرف حرف أو رمز آخر وفق قاعدة محددة، و"التعمية بزيادة حروف أو كلمات أغفال Nulls أو بحذف حروف" مثل أن نزيد حرف القاف مثلاً بعد كل ميم وحرف الشين بعد كل لام وهكذا، طريقة "التعمية المركبة" وتكون باستعمال طريقتين أو أكثر من الطرق السابقة في آن واحد.

وأوضح "مراياتي" طرق حل التعمية وفك شفرتها التي توصل إليها أثناء تحقيق نصوص رسائل ابن الدريهم والكندي وابن عدلان، والتي تتمثل في أربعة مبادىء أولها استعمال عدد الحروف المستخدمة لتحديد اللغة المعماة، واستعمال تواتر ورود الحروف في النص، واستعمال تواتر ورود ثنائيات الحروف وثلاثياتها وغيرها، أو ما سموه بائتلاف الحروف وتنافرها، استعمال الفواتح، وآخرها طريقة استعمال الفواتح التقليدية المحتلة للرسائل، وهو ما سمي حديثاً بالكلمة المحتملة الورود.

وذكر "مراياتي" في كتابه بعض أمثلة التعمية التي استعملها ابن الدريهم وغيره فمثلاً لتشفير "الحديث يا خيل الله اركبي" يصبح في التعمية "اثلا ليار حالك دخلب ييهي".

وقد استخدم ابن الدريهم في هذا المثال طريقة هامة تقوم على أخذ حرف وترك عدد من الحروف حتى ينقضي النص، ثم العودة لأخذ الحرف الثاني وترك عدد الحروف نفسه، وهكذا حتى ينتهي النص وتكون بهذه الطريقة:

ترتيب الحروف في النص الواضح (1،2،3،4،5،6،7،8،9،10،11،12،13،14،15،16،17،18،19،20)

ترتيب الحروف في النص المعمي (1،6،11،16،2،7،12،17،3،8،13،18،4،9،14،19،5،10،15،20)

وبعد هذا الاستعراض السريع لتاريخ علم التعمية، نجد أن العرب في هذه الأيام ينامون دون محاولة للكشف عن كنوز أجدادهم، فيما يذكر "ديفيد كهن" أن الولايات المتحدة الأمريكية أقامت إمبراطورية للتعمية تضم نحو أكثر من 80 ألف شخص وخصصت لها موازنة فاقت 80 مليار دولار سعياً منها للسيطرة على العالم.

التعليقات

المقال التالي